الفصل 30
ظل مالك يغرق في أفكاره، تلك الأفكار المتصارعة بين رغبته الشديدة في النهوض واستعادة شيء من عافيته، وبين صوت إياد الذي لا يفارق ذاكرته: «عدني ألا تحاول أن تنهض بدوني». كانت الكلمات تتردد في أذنيه كنبض هادئ، تراقصت بين أركان قلبه المثقل.
اقترب من فكرة النهوض، فتحركت عضلاته قليلاً، لكنه سرعان ما توقف، مبتسمًا لنفسه بخفة، وكأنّه يضحك من خفة الروح التي تخترق ما تبقى من حزنه. أدرك أن هناك قوة في هذا الوعد، قوة تمنعه من التسرع، وقوة تُذكّره بأنه ليس وحده، وأن عليه أن يثق بمن يسانده.
فأبقى جسده ساكنًا، قلبه يحلق في عالم من الامتنان والدفء، ينتظر بصبر مجيء إياد، ذلك الصديق الذي أصبح بمثابة النور الذي ينير دربه في ظلمات الألم.
كان ذلك الانتظار ليس مجرد صمت، بل هو بداية فصل جديد في قصة الصبر والاعتماد على الآخر، فصلٌ سيعيد بناء ما تهدم في أعماقه.
بعد فترة ليست بالطويلة
دخل إياد المطبخ بحذر، يحمل بيديه كيس الطعام وكأنه يحمل كنزًا ثمينًا، بينما قلبه ينبض سريعًا مزيجًا من القلق والخوف على صديقه مالك. كان يخشى أن يجد مالك قد حرك جسده المتعب، أو أن يكون قد حاول أن يقاوم ضعفَه ويُرهق نفسه مجددًا.
اقترب بخطوات متثاقلة إلى الكرسي الذي كان مالك يجلس عليه، وعينيه تفتشان المكان باهتمام. وهناك، وجد مالك جالسًا على كرسيه، ساكنًا، وكأنه قطعة من صمت الزمن، عينيه مغمضتان كما لو كان يستمد من هذا السكون طاقة جديدة. كانت على شفتيه ابتسامة هادئة، تملأ المكان دفئًا غامضًا.
تنهّد إياد بارتياح، لكنه لم يلبث أن جلس مقابل مالك، لا يستطيع إخفاء قلقه، ونظراته تتردد بين خوفه عليه ورغبته في الاطمئنان.
قال بصوتٍ يملؤه الحنان والحرص: "لماذا تصر على البقاء ساكنًا؟ كنت أخشى أن تنهض وتحاول إجهاد نفسك قبل الأوان."
ظل مالك صامتًا لوهلة، وكأنّه يستجمع قواه قبل أن يفتح عينيه ببطء، يلتقي بنظرة إياد الحنونة، ثم يبتسم ابتسامة هادئة لكنها مليئة بالثقة.
ردّ مالك بهدوء، كأنّه يبعث رسالة أمل وصبر: "لا تقلق، أنا هنا، لم أغادر مكاني، لم أجد سببًا لأغادره بعد."
ابتسم إياد، وشعر أن تلك الكلمات الهادئة كانت كبلسمٍ لروحه المتعبة، لكنه لم يكن ليترك القلق يغيب عن عينيه بسهولة.
أضاف إياد بنبرة أخوية ملؤها العطف: "خذ وقتك، سأبقى بجانبك، نواجه ما هو قادم معًا، لا داعي للاندفاع أو التسرع."
مالك نظر إليه، وكأنّه يشكر الله على وجود هذا الرجل الذي لم يتركه في ألمه، وفي قلبه يدرك أن تلك اللحظة، مهما كانت بسيطة، تحمل في طياتها بوادر شفاء وعودة إلى الحياة.
ففي ذلك المطبخ، مع أولى خيوط الضوء وعبير الطعام الذي جلبه إياد، كانت قصة الصداقة تعيد رسم صفحاتها، أكثر قوةً وصلابة، في وجه كل الألم والضعف.
بعد أن فرغا من الطعام، جلس مالك لبرهة يحاول جمع ما تبقى من قواه، يتأمل ما حوله بنظرة خافتة تعبّر عن ثقل الأيام التي مرّ بها. تنهد بعمق، وشعر باندفاع خفيف للنهوض، كأن جسده يريد أن يخبره بأنّه قد حان وقت التغيير، أن يقف مجددًا رغم كل ما عاناه.
لكن قبل أن تتحرك قدماه خطوة واحدة، تقدّم إياد سريعًا، وضرب رأس مالك برفق. قائلاً بابتسامة دافئة تخفف من ثقل اللحظة:
"حسنا يا مالك، لا تنسى وعدك لي... لا تنهض وحدك. دعني أساندك، هيا."
ارتجف مالك للحظة، وضع يده على المكان الذي ضرب فيه إياد رأسه، شعورٌ مختلط بين الألم والدفء، كأن الضربة تلك لم تكن مجرد لمسة بل رسالة تحمل بين ثناياها تعهدًا بالوقوف إلى جانبه مهما كانت الظروف. أغمض عينيه قليلاً، ثم رفع رأسه لينظر في عيني إياد، وقال بصوتٍ مبحوح تختلط فيه المشاعر:
"شكرًا... إياد. لا أعرف ماذا كنت سأفعل بدونك. كدت أفقد نفسي في ظلام وحدتي."
نظر إليه إياد بعينين تفيضان بالعطف والتفهم، وأجابه بهدوء:
"لا تدع نفسك تضيع، لن أدعك وحدك مهما كان الألم كبيرًا، سنقف معًا في وجه كل شيء."
كانت تلك الكلمات كبلسمٍ على جراح مالك، شعور بالطمأنينة بدأ يتسلل إلى قلبه، وكأن في حضن إياد يعثر أخيرًا على مكانٍ آمن يلتقط فيه أنفاسه ويعيد ترتيب نفسه.
الضوء خافت ينساب عبر النافذة، يرسم على وجه مالك لوحة جديدة، تفيض بأملٍ لم يعرفه من قبل.
ترك مالك يده على رأسه لبعض الوقت، ثم أمسك بيد إياد بإحكام، وكأنّه يطلب منه أن يبقى، أن يكون ذلك السند الذي يحتاجه أكثر من أي وقت مضى.
ابتسم إياد وهو يردّ القبضة بلطف، وقال:
"هيا بنا نواجه هذا الطريق معًا، لا تخف، فأنا معك."
خطا خطواتهما ببطء وثقل، متكئان على بعضها، حاملين أثقالًا لا تُرى لكنها تثقل الجسد والروح معًا. دخل مالك الغرفة بحذر، عينيه لا تزالان تتلمسان الظلال التي تحيط به، بينما إياد يحرص على ألا يتركه يتهاوى.
جلس مالك على حافة السرير، يتنفس بعمق، وكأنّه يحاول أن يستجمع ما تبقى من طاقته. نظر إلى إياد، الذي وقف بجانبه، لا يفارق عينيه، يبعث له برسالة صمت قوية: "أنا هنا، لن أتركك".
وفي تلك اللحظة، غمرت الغرفة هدوء مشوب بالأمل، حيث بدا أن شيئًا جديدًا قد بدأ يزهر في قلب الظلام.
ضحك مالك ضحكة خفيفة، شبه مغمضة الأعين، لم تكن فرحة ولا حزناً، بل كانت تشبه ارتياحاً غامضاً لم يستطع إياد تفسيره. استغرب إياد من هذا الصوت الذي خرج من صديقه، صوت لم يكن معتاداً عليه، صوت يحمل بين طياته شيئاً من السلام، أو ربما تحدياً خفياً.
ظل مالك ينظر إلى إياد بصمت، عينيه تتحدثان بصمت أعمق من الكلمات. كان هذا النظر مثل سؤالٍ بلا صوت، يستحث إياد على البحث عن معنى أعمق وراء هذه الضحكة. حاول إياد أن يلتقط لمحة من الإشارة، حاول أن يفهم ما يخفيه مالك في داخله، لكنه وجد نفسه يغرق في بحر من الغموض.
كل ثانية تمر في ذلك الصمت الطويل كانت تزيد من ثقل السؤال، كأنما هناك سر مخفي وراء تلك الابتسامة البسيطة. حاول إياد أن يقول شيئاً، أن يفتح نافذة للحديث، لكن الكلمات لم تخرج. فقط كان يرى مالك، الذي يبدو وكأنه يحمل بين ضلوعه قصة مختلفة عن كل ما عرفه عنه.
ثم، بدون أن ينطق، تكرر ذلك النظر، لكن هذه المرة كان يحمل وعداً صامتاً، وعداً بأن شيئاً ما يتغير، شيئاً ما سيأتي، رغم كل الألم والشكوك. في تلك اللحظة، شعر إياد بثقل المسؤولية، وأن عليه أن يكون مستعداً لكل ما سيأتي، مستعداً لأن يقف بجانب مالك، مهما كانت الصعاب.
ظل الاثنان هكذا، في صمتٍ طويل، يحمل كل منهما في عينيه حكاية لا تُقال، حكاية ربما ستكون بداية لشيء جديد، شيء لم يجرؤا على قوله بعد، لكنه كان حاضرًا، واضحًا، ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليخرج إلى النور.