خيوط الانتقام - الفصل 29 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 29

الفصل 29

مالك بدأ يتكلم، وصوته يخنقه الألم، عيناه تنظران إلى الفراغ وكأنهما تلمحان الماضي بكل وحشيته. قال بصوت متقطع، تارة يرتجف من الذكرى، وتارة يهمس بألم: "كان عمري لا يتجاوز ست سنوات حين اقتحموا بيتنا... كانوا رجالًا كالوحوش، لا إنسانية في قلوبهم. رأيت أمي... أمي التي لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها، تُغتصب أمامي، صرخت ولم أستطع أن أفعل شيئًا. ذاك الصوت الذي يملأ البيت... صراخها المختلط بأنين العذاب، وكلما رفعت وجهي كان الألم يتسلل إلى روحي. شعرتُ بالعجز يقضي عليّ، كأنني أُقتل مع كل لحظة تمر." صمت قليلاً كأنه يحاول سحب نفس عميق، ثم أضاف بصوتٍ صارمٍ رغم هشاشته: "وأخي... لم يكتفوا بذلك. أمسوا في غرفته، وأشعلوا النيران فيه، حرقوه حيًا، وهو حي! كان ينادي اسمي بصوت ضعيف، عيونه كانت تتوسل للنجدة، لكنه لم يكن يملك سوى الصراخ والصراخ وحده. كنتُ أرى النار تلتهم جسده... يتلوى من الألم... وكل لحظة كان يموت فيها جزء مني." ابتسم ابتسامة شاحبة، أكثر برودة من موت، وقال بحزن ثقيل: "أما أختي الصغيرة… فقد هربنا معًا، ظننتُ أن النجاة ممكن، لكن العذاب لم يتركنا. مرضت بمرض عضال، وكل يوم كان يسرق منها القوة والحياة. الطبيب الذي تولى أمرها لم يكن طبيبًا… بل قاتلًا يرتدي ثوب الرحمة. تلقى رشوة لإنهاء حياتها بسرعة، فأعطاها حقنة أوقفت قلبها عن النبض، وهو ينظر إليّ بلا ذرة شفقة ويهمس بصوت بارد قاتل: "أتركني أريك حقيقة الحياة… الموت هو الحل، وهذه الصغيرة ليست جديرة بالنجاة." ارتجف جسد مالك فجأة، كما لو أن الكلمات اخترقت قلبه، وخفق قلبه بسرعة متوترة، ثم انفجر بالبكاء، تنهيدة موجعة كسرت صمته الطويل. إياد وقف مشدوهًا، لا يكاد يصدق حجم الألم الذي يسمعه، وحس بوجع صديقه يتدفق من روحه ويملأ الغرفة، وكأنه كابوس حي لا يزول. مالك اخفض رأسه بين ركبتيه، وكأنّ ثقل العالم كلّه قد استقر فوق كتفيه المكسورين. صوته خرج خافتًا، مثقلًا بالوجع والضياع: "إلى الآن... لا أعرف لماذا فعلوا بنا كل هذا... لماذا؟ كيف يُمكن لقلوب أن تكون قاسية بهذا القدر؟ كل شيء... كل ما بناه الأمان، والحب، والحياة... تدمر في ليلة واحدة، كما لو أنها رماد يُرمى في الريح." تردد في الكلام لوهلة، يلتقط أنفاسه الثقيلة، ثم تابع بصوت يغلبه الحزن: "لم يبقَ شيء... لا أخ، ولا أم، ولا أخت... فقط ذكريات... ذكريات تقطع الروح... وألم لا يُحتمل." رفع رأسه ببطء، وعيناه المحمرتان تلمعان بدموع لم تُطلق بعد، كأنها ثورة مكبوتة داخل فؤاده. "ورغم كل ذلك... ما زلت أتنفس... ما زلت أحيا... لكن هل هذه حياة؟ أم هي مجرد انتظار لنهايةٍ لا أريدها؟" وقف من مكانه، لكن جسده المثقل بالكآبة والمرض كاد أن يسقط مرة أخرى، فاستند على الحائط بثبات متداعٍ. كانت الكلمات التي نطق بها مالك، جرحًا عميقًا في الصمت، تزلزل الروح وتفتح بابًا لفهم ثقل ما تحمله من ألم، وكأنها استراحة مؤقتة في رحلة لا تنتهي من المعاناة. اشتد الدوار فجأة على مالك، وأوشك أن يسقط أرضًا، لكن أياد كان سريعًا، أمسَك به من كتفه بقوة، مانعًا سقوطه المحتم. استند مالك على صدره، جسده يرتجف، ويداه ترتعشان وهو يمرر أصابعه المرتجفة على ندوب باهتة تحفر خطوطًا قاتمة على جلده. همس بصوت ممزق من الألم، يملؤه الانكسار والوجع العميق: "هذه الندوب... هذه الندوب على جسدي... كانت لعذاب... لشخص أوهمني بالأمان، لكنه كان جحيمًا... سوطًا... نارًا... ألمًا... استمر أكثر من ست سنوات... ست سنوات من العذاب المستمر... لا يعرفها إلا من عاشها." أغمض عينيه للحظة، حاول أن يستجمع أنفاسه، لكنه لم يستطع، فاندلع صوته مرة أخرى، هذه المرة أكثر انكسارًا وحزنًا، لكنه مصحوب بغضب مكتوم: "حتى ذلك اليوم... اليوم الذي هربت فيه... لم أعرف كيف هربت، كيف نفضت قيودي، كيف تمكنت من الفرار من ذلك السجن الذي كان جسدي... جسدي كان يئن... ينزف... لم أكن أقدر حتى على الوقوف... لكني... هربت..." ابتسم ابتسامة غريبة، باردة، تتداخل فيها الهستيريا مع الألم، وضحك بمرارة كأنه يستفز الألم نفسه: "هربت... هربت منه... رغم كل الجراح التي غمرت جسدي، رغم الدماء التي سالت... هربت... أنا... هربت." مالك ظل منهارًا على صدر أياد، كأن كل تلك المعاناة التي ظل مكبوتة في أعماقه قد انفجرت في تلك اللحظة، وصار جسده كله صرخة بلا صوت، بينما أياد يمسك به بثبات، وكأنه يريد أن يحمل جزءًا من ذلك الألم عنه، من دون أن يدع الألم يبتلعه وحده. بدأ جسد مالك يزداد ثقلًا كالصخرة التي تُلقى في عمق البحر، حتى لم يستطع أياد أن يحمله أكثر. تراجع مالك بلطف عن صدره، وهو يكافح دواراً غامراً يغشاه ويشل جسده المنهك. حاول أن يبتعد، لكن أياد سرعان ما أمسك به، يدعمه برفق دون أن يفرض عليه شيئًا، وأخذه ليجلس على كرسي قريب، تهادى به إلى الاستقرار. جلس مالك، تنفس بصعوبة، وعيناه تجولان بلا هدف بين ندوب جسده البالية، وبين الفراغ المظلم الذي بدا في داخله، كما لو كان يحاول التقاط شظايا نفسه المبعثرة. بدأ يتحدث بصوت يعتصره الألم: "هربت... لم أعرف إلى أين... كنت أظن أن هذه الليلة ستكون نهايتي... غلبني الوجع، ووقعت فاقد الوعي على الطريق..." سكت قليلاً، كما لو أن ثقل الكلام كاد أن يقطع أنفاسه، لكنه أكمل بصوت خافت: "كنت أتوقع أن يأتي العذاب من جديد، أن يأتي ذلك الرجل... لكن، لم يكن كذلك... كان هناك رجل آخر... رجل لم يأتِ ليمزقني بل ليعطيني الأمان... لقد عالج جروحي التي ظننت أنها لن تلتئم أبدًا..." أخذ نفسًا عميقًا، ثم التفت إلى أياد بعيون تلمع بالدموع، وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيه: "مات... مات الرجل..." وقف أياد مذهولًا، يحاول استيعاب كلمات صديقه التي تملؤها المآسي، بينما في قلبه وعدٌ صامتٌ بأنه لن يترك مالك يواجه وحشته وحده. ارتسم على وجه مالك حزنٌ مرير، عميقٌ كجُرُوح لم تندمل، وكأن الكلمات تتدفق من قلبٍ ينزف: "ذلك الرجل... الذي شعرت معه بالأمان لأول مرة بعد كل تلك السنوات... مات... مات... ومات معه كل شيء بداخلي." انحنى رأسه ببطء على صدر إياد، والدموع تنهمر بغزارة، تغسل ألمًا دفينًا لم يُعلن من قبل. اشتد انهياره، وتلاشت قوته أمام هذا الفقدان، وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميه، ليغرق في بحر من الحزن والفراغ الذي لا يُحتمل. همس وهو يختنق بالبكاء: "مات، ومات معي آخر أمل... كل شيء... كل شيء انتهى... وخفت… خفت أن أفقدك أنت أيضًا." رفع إياد رأسه ببطء، عينيه تملؤها مشاعر متشابكة بين الحزن والتعاطف، ويحاول أن يجد الكلمات المناسبة ليواسي صديقه المنهار. بصوت خافت، لكنه ثابت وحازم، قال: "مالك… لن أفارقك. لا شيء، ولا أحد، سيجعلني أتركك تنهار. أنا هنا، وهذا يكفي. لا داعي للخوف، فأنت لن تفقدني." مد يده بحنان، ليمسك بيد مالك المرتجفة، محاولًا أن ينقل له قوة وأملًا رغم الظلام الذي يلفهما. أضاف: "ربما غاب ذلك الرجل، لكن ما لم يمت هو أنت... وما بقي في قلبك من قدرة على الصمود والنهوض. لا تدع اليأس يلتهمك، لأنني أؤمن بأنك قادر على أن تجد طريقك من جديد." شعر مالك، رغم ثقل الألم الذي يثقل صدره، بنسمة خفيفة من الطمأنينة تتسلل إلى أعماقه مع لمسة يد إياد الدافئة وكلماته المليئة بالصدق. تلك اللحظة التي كان فيها وحده في ظلمة مجهولة، بدأ يتلاشى تدريجياً شعور الوحدة واليأس. أغمض عينيه ببطء، وسمح لنفسه أن يستسلم لذلك الشعور الجديد، شعور بالثقة والاحتواء، كأن وجود إياد إلى جانبه كان ملاذاً ينقذه من عاصفة العذاب. وفي هدوء، همس مالك بنبرة مكسورة لكنها صادقة: "أنا… أثق بك... أخيراً... أستطيع أن أسلم نفسي لك." كان في صوته استسلام كامل، لكنه استسلام محمّل بالأمل، وكأنه يعترف لنفسه أول مرة منذ زمن بعيد أنه لم يعد مضطرًا لأن يتحمل كل شيء بمفرده. إياد ابتسم بهدوء، مضيفاً بحنان: "لن تظل وحيداً بعد الآن، أنا هنا معك، مهما طال الطريق." وهكذا، في صمت ، تجسدت أولى خيوط الأمان. ____ جلسا في صمت قصير، ضوء الشموع الخافت يلقي بظلاله على وجهيهما، والهدوء يخيم عليهما. مالك كان يستند إلى ظهر الكرسي، وكتفاه متشنجتان قليلاً، وعيناه تحدقان في الفراغ، كأنهما تبحثان عن شيء يهرب منه. يديه كانت مرتعشتين، تضغط على فخذيه في محاولة لكبح شعور داخلي يثقل قلبه. رفع ببطء رأسه، ونظر إلى إياد الذي جلس بالقرب منه، عيناه تفيضان بحزن عميق، وصوت أنفاسه متقطع قليلاً: "لم أخبرك من قبل… كم كنت أخشى أن أفتح فمي… كم كنت أعيش في عالم مظلم، لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد." تنهد، وكأن ثقل السنين يضغط على صدره، وأدار رأسه يمينًا ويسارًا بعصبية، قبل أن يضيف بصوت مكسور: "كنت أظن أن الصمت سيحميني، وأن الخوف والندم سيكونان حصني. لكن الآن… معك، أشعر أني مضطر أن أتكلم، أن أخرج كل هذا الألم الذي يثقل روحي." تنهد إياد بعمق، ومرر يده على كتف مالك قائلاً: "أنت لست وحدك بعد الآن. لا تحمل كل هذا العبء في صمت. أنا هنا، أسمعك، وأريد أن أكون معك في كل خطوة." ابتسم مالك ابتسامة حزينة، وهز رأسه قليلاً قبل أن يضيف بصوت متردد، وكأنه يكتم صرخة داخله: "هل تعتقد أنني أستحق أن أجد من يساندني… بعد كل شيء… بعد ما فعلته؟" نظر إليه إياد بثقة وهدوء: "كل إنسان يمكن أن يجد فرصة ثانية، وقادر على مواجهة نفسه. ما فعلته جزء منك، لكنه لا يحددك بالكامل… بل كيف ستستمر بعد ذلك." سكت مالك قليلاً، وبدأ يربت يديه فوق فخذيه بشكل متقطع، كأن التوتر يخرج عبر جسده، ثم همس: "أحيانًا… أشعر أني لا أستطيع أن أغفر لنفسي. كل مرة أغلق عيني، أرى الألم الذي سببته… وأرى يديّ ملطختين بما لا يمكن محوه." قال إياد بصوت هادئ، لكنه حازم: "ذلك الماضي… هو جزء منك، لكنه ليس كل شيء. القوة التي تجعلك تواجهه، هي ما يميزك. لا تدع ما مضى يسلبك حياتك." أغمض مالك عينيه قليلاً، وكأن قلبه يتأرجح بين الضغط الداخلي والرغبة في التخفيف عنه، ثم قال: "كنت بحاجة لمن يقول لي منذ زمن إنني لست وحشًا… حتى لو فعلت ما فعله الوحوش." رفع إياد يده، ووضعها برفق على يد مالك، وهمس: "ليس وحشًا من يسعى لإصلاح ما يمكن إصلاحه، حتى وإن ارتكب أخطاء. أنت إنسان… وكل إنسان له ضعفه وقوته." ابتسم مالك ابتسامة خافتة، ولمع في عينيه بريق تعب وجهد، وقال: "شكراً لأنك هنا، لأنك تسمعني، ولأنك لم تتركني أغرق في وحدتي." وبينما استمر الليل في هدوئه، بدأت صفحة جديدة تُكتب في قصة مالك، صفحة من الألم الذي يُصارع نفسه، لكنها أيضًا صفحة من الأمل، ومن القوة التي لم يعرفها من قبل، مع إحساس ملموس بتوتر جسده وروحه التي بدأت تجد بعضًا من الطمأنينة. جلس الاثنان في صمت ثقيل، يثقل كاهل الغرفة بظلاله، حتى انتبه إياد فجأة لوخز في معدته. رفع رأسه باتجاه مالك وقال بنبرة متبسمة: "أتعلم، معدتي بدأت تعزف سيمفونية جائعة، ويمكنها أن تهدر أكثر من رعد العاصفة هذه!" ابتسم مالك بصعوبة، لكنه لم يستطع كبح ابتسامة خافتة تزلزلت وجهه المتعب: "يبدو أن جسدي يطالب بالطعام، حتى وإن لم أستطع أن ألاحقه." ضحك إياد قليلاً وقال مازحًا: "إذا بقيت هكذا، سأبدأ بطلب وجبة «إلى الأبد» من المطعم، وربما سأطلب طاولة خاصة للمستديمين!" نظر مالك إليه بعينين نصف مفتوحتين وقال مازحًا كذلك: "أما أنا، فأعتقد أنني سأطلب طبقًا من الراحة والهدوء، مع صحن جانبي من السلام النفسي." ضحك إياد من القلب ثم أضاف: "حسنًا، دعنا نبدأ بالجزء الأسهل: الطعام. إذا نجحنا، ننتقل للسلام النفسي. لكن حذار، قد يتطلب ذلك بعض التمارين التنفسية!" نهض إياد ثم قال بابتسامة دافئة: "سأذهب لأحضِر شيئًا خفيفًا. وربما نحتاج إلى دعاء بسيط للخبز لا ينسى!" وقف إياد في المطبخ، نظر إلى مالك الذي لا يزال جالسًا بهدوء، وجسده منهك من التعب، وعيناه تراقبان بحذر كل حركة. تنهد بصوت خفيف ثم قال مبتسمًا: "أنا متأكد أن معدتك لا تطلب فقط الماء البارد والمنشفة الباردة، إنها تطالب بطعام حقيقي. سأخرج لأشتري شيئًا بسيطًا وخفيفًا، يعود بك إلى القوة." مالك رفع رأسه ببطء ونظر إليه بعينين نصف مفتوحتين، حاول أن يبتسم لكنه بدا ضعيفًا جدًا، فقال بصوت مبحوح: "لا تُطيل، إياد... لا أريد أن أُثقل عليك بالخارج." ابتسم إياد بنبرة مرحة: "لا تقلق، سأنقذك من نفسك، وأجلب لك شيئًا يأكل." تقدم نحو الباب، لكنه توقف عند عتبة المطبخ، استدار وقال بجدية خافتة: "وعدني ألا تحاول أن تنهض بدوني، فأنت لا تزال تحتاج للراحة." أومأ مالك بهدوء، وعيناه تغرقان في التعب والامتنان. أخذ إياد معطفه وخرج من الباب، تاركًا خلفه رائحة الهواء النقي والهدوء الذي يخيم على المطبخ، حيث بقي مالك جالسًا، يعيد ترتيب أفكاره، يستجمع قواه، متشبثًا بصوت خطوات إياد البعيد، الذي يبعث في نفسه ذرة أمل.