الفصل 28
مع أول خيوط الفجر التي تسللت بخجل عبر نافذة الغرفة، بدأ ضوء الشمس ينساب على الجدران بهدوء، كأن النهار يزحف ببطء ليزيح ثقل الليل عن المكان. ألوان ذهبية رقيقة لامست وجه مالك، فأجبرته على أن يفتح عينيه ببطء، يرمش بضع مرات حتى اعتادت عيناه على وهج الضوء الجديد.
كان الهواء مشبعًا برائحة الصباح الهادئ، مزيج من برودة الليل التي لم تغادر بعد. تحرك مالك على فراشه بخفة، يتأمل سقف الغرفة للحظات قبل أن يوجه نظره نحو الجانب الآخر، حيث كان إياد مستلقيًا على كرسي جانبي، رأسه مائل إلى الأمام وذراعه متدلية، غارقًا في نوم عميق بدا وكأنه لم يذق مثله منذ أيام.
ظل مالك يراقبه بصمت، بعينين تحملان شيئًا من الامتنان الممزوج بالذنب، يقرأ على ملامح وجهه آثار السهر والتعب. كان يتنفس بانتظام، وهدوءه جعل الغرفة تبدو أكثر دفئًا مما هي عليه. ابتسم مالك ابتسامة صغيرة، باهتة لكنها حقيقية، قبل أن يدير نظره بعيدًا ويأخذ نفسًا عميقًا.
قرر أن ينهض، رغم ثقل جسده الذي ما زال مثقلًا بآثار الحمى والتعب. مد يده إلى جانب الفراش، يستند عليه ليدفع نفسه ببطء إلى الجلوس. شعر بوخزة خفيفة في رأسه، لكن إصراره دفعه لتجاهلها. بحذر شديد، وضع قدميه على الأرض الباردة، وأحس بانتعاشة لحظية جعلته يبتسم بخفة.
تقدم خطوة نحو إياد، يقترب منه حتى صار فوقه مباشرة. للحظة، تردّد، ينظر إليه وكأنه يخشى أن يزعجه، لكن في النهاية مد ذراعيه ببطء، ورفع جسده المرهق ليحمل صديقه. كان وزن إياد أثقل مما توقع، لكن مالك شدّ أسنانه وتحمل، متمسكًا بعزيمته. تحرك نحو السرير القريب، ووضعه عليه برفق، يسحب الغطاء ويغطيه بعناية، كأنه يرد له جميل ليلة الأمس.
بعد أن تأكد أنه مستريح، استقام مالك ببطء، متوجهًا نحو المطبخ. خطواته كانت ثقيلة، لكنها ثابتة، وصوتها الخافت على الأرضية الخشبية كان يتناغم مع أصوات العصافير في الخارج. وصل إلى حوض المطبخ، وفتح الصنبور ليملأ كوبًا بالماء. قطرات الماء الباردة تلمع تحت أشعة الصباح، وحين ارتشف أول جرعة، شعر بارتياح يسري في حلقه الجاف.
لكن ما إن وضع الكوب جانبًا، حتى بدأ رأسه يثقل مجددًا، والدوار يتسلل إلى كيانه. ارتفع خفقان قلبه، وباتت الغرفة وكأنها تميل يمنة ويسرة. مد يده إلى الحائط بسرعة، مستندًا عليه، يحاول أن يثبت نفسه، لكن قدميه ارتعشتا بقوة. دفع جسده قليلًا حتى جلس على الأرض، يسند ظهره على الحائط، يغمض عينيه في محاولة لإيقاف هذا الدوران المؤلم.
شد مالك أنفاسه بعمق، وكأنه يحاول أن يسحب من الهواء قوة تكفيه للوقوف مجددًا. وضع كفيه على الأرض الباردة، ودفع بجسده إلى الأمام ببطء، عازمًا على أن يقهر هذا الضعف الذي ينهش قواه. ارتعشت ذراعاه تحت وزنه، لكنه تجاهل ذلك، محاولًا أن يرفع نفسه أكثر.
لمّا وصل إلى نصف المسافة، بدأ الدوار يشتد كعاصفة صغيرة داخل رأسه، يضغط على صدغيه بقسوة، حتى صارت الرؤية أمامه ضبابية، والألوان تختلط في مشهد مشوش. حاول أن يتشبث بالحائط بيده، لكن قبضته تراخت مع كل ثانية تمر، وأنفاسه أصبحت أثقل.
همس لنفسه بصوت مبحوح، وكأنه يحثها على المقاومة:
"هيا...ليس الان…"
لكن جسده كان له رأي آخر، وكأن كل خلية فيه تصرخ مطالبة بالراحة. ارتخت ركبتاه، وعاد ليسند نفسه على الحائط، يزفر تنهيدة طويلة محمّلة بالعجز، ثم أغمض عينيه مستسلمًا للدوار، تاركًا شعور الضعف يلفه من جديد.
في تلك اللحظة، لم يعد يحاول الوقوف، بل ترك جسده ينغمس في هدوء الصباح الباهت، متقبلًا أن هذه المعركة مع الوهن لم تنته بعد.
____
استفاق إياد من نومه على ضوء الصباح الذي تسلّل خافتًا عبر النافذة، ليمتد فوق وجهه ويلامس جفونه المغلقة. حرّك رأسه قليلًا، وببطء فتح عينيه، فألفى نفسه على سرير مالك، فيما بدا المكان من حوله هادئًا على نحو غير معتاد. مد يده بكسل إلى جانبه، وكأنه يتأكد من وجود صاحبه، غير أنّ أصابعه لم تلمس سوى الفراغ البارد.
جلس فجأة، وقد انحسر عنه أثر النعاس، وارتسمت على ملامحه علامات الحيرة. جال بعينيه في أرجاء الغرفة، ثم نادى بصوت منخفض، كمن يخشى أن يوقظ ساكني البيت:
"مالك…؟"
لم يصله جواب. نهض، متوجهًا نحو الباب بخطوات تزداد سرعة مع كل لحظة. كان قلبه يخفق بقلق متنامٍ، إذ بدا الأمر غير مألوف بالنسبة له أن يختفي مالك في هذا الوقت المبكر، خاصة وهو لم يتعافَ بعد تمامًا.
اجتاز الممر، وألقى نظرة في غرفة الجلوس… لا أحد. عاد يفتش في الزوايا، يتجه نحو الحمام، يطل من بابه… لا أثر. رفع صوته قليلًا، وقد امتزجت نبرته بالانزعاج والقلق معًا:
"مالك، أين أنت؟"
ظل البيت يجيبه بالصمت. عندها خطا نحو المطبخ، بخطوات تحمل مزيجًا من التوجس والعجلة. وما إن دخل حتى توقفت قدماه في منتصف الطريق، وكأن المشهد الذي وقع عليه بصره سحب منه القدرة على الحركة.
كان مالك جالسًا على الأرض قرب الجدار، ظهره مسنود إليه، ورأسه منحني حتى التصق تقريبًا بركبتيه، وذراعاه ملتفّتان حول ساقيه في وضع أشبه بالانكماش. خُيّل لإياد أن كل طاقة مالك قد انطفأت، وكأن هذا الجسد الذي طالما بدا قويًا أصبح الآن مجرد ظلّ منهك لصاحبه.
تقدّم نحوه مسرعًا، وانحنى حتى صار على مستواه، يمد يده ليلمس كتفه برفق، ثم هزّه قليلًا وهو يقول بصوت مضطرب:
"مالك! ما الذي حدث؟ هل تشعر بسوء؟"
رفع مالك رأسه ببطء شديد، وعيناه نصف مغمضتين، وأنفاسه ثقيلة ساخنة، وجهه شاحب وقد ارتسمت على ملامحه آثار الإعياء. تمتم بصوت مبحوح متقطع:
"أردت فقط… أن أشرب الماء… لكن الدوار…"
قطع الجملة وأغمض عينيه للحظة، وكأن الكلام بحد ذاته صار عبئًا على جسده المرهق. شعر إياد بانقباض في صدره، فأمسك به أكثر، وسند كتفه بيده الأخرى، محاولًا أن يمنحه ثباتًا لا يستطيع جسده توفيره لنفسه.
كانت نظرات إياد تحمل مزيجًا من القلق والعزم، وكأنه أقسم في داخله ألّا يتركه يواجه هذا الضعف وحيدًا.
شدَّ إياد على كتف مالك قليلًا، محاولًا رفعه برفق من مكانه، وقال بنبرة حازمة لا تخلو من القلق:
"هيا، دعني أساندك إلى غرفتك، لا يجب أن تبقى هنا على الأرض."
لكن مالك، وببطء، حرّك رأسه نافيًا، وصوت أنفاسه يسبق كلماته:
"لا… دعني هنا قليلًا… أريد أن أستريح فقط."
بدت ملامحه مصممة على البقاء رغم ضعفه، وكأنه لا يريد أن يُثقل على إياد أكثر، أو ربما لأنه شعر بأن الحائط خلفه هو السند الوحيد الذي يستطيع احتماله في هذه اللحظة. كان الدوار ما يزال يطوّق رأسه، والعالم من حوله يميل ويدور كأنه على وشك أن يبتلعه، لكن بين برودة البلاط وصلابة الجدار وجد ما يشبه الثبات المؤقت.
جلس إياد إلى جانبه، رافضًا تركه وحيدًا، وأسند ظهره هو الآخر إلى الجدار، حتى أصبحا متجاورين في صمتٍ لا يقطعه سوى أنفاس مالك الثقيلة. مد يده بهدوء، ودفع كوب الماء الذي كان على الطاولة الصغيرة في المطبخ، ثم قرّبه من يده:
"اشرب قليلًا، سيساعدك."
تردد مالك لحظة، ثم أخذ الكوب ببطء وارتشف منه جرعة صغيرة، قبل أن يعيده بصمت. أغمض عينيه من جديد، مستسلمًا لثقل جسده، وكأن كل ما يريده في هذه اللحظة هو أن يبقى ثابتًا، بعيدًا عن أي حركة قد تعيد الدوار إلى ذروته.
أما إياد، فبقي يراقبه، وعيناه تحملان قلقًا صامتًا وحرصًا خفيًا، وكأن وجوده بجانبه الآن هو الطريقة الوحيدة ليؤكد له أنه لن يتركه، مهما كان عناده.
مرّت دقائق طويلة غارقة في الصمت، لا يُسمع فيها سوى صوت أنفاسهما المتفاوتة. كان إياد يشيح بنظره بين الحين والآخر نحو مالك، وكلمات كثيرة تتزاحم على طرف لسانه، تبحث عن فرصة لتخرج، لكنه كان يتراجع في كل مرة، وكأن خوفه من إثقال الجو أو جرح صديقه يجعله أسير التردد.
أدرك مالك، دون أن ينظر نحوه، تلك المحاولة المجهضة. أحس بالشيء الذي أراد إياد قوله، وبثقل الصمت الذي بدأ يضغط على صدره أكثر من أي ألم جسدي. أخذ نفسًا بطيئًا، وكسر السكون بصوته الخافت، الذي كان يحمل شيئًا من التعب والهدوء:
"قل ما في نفسك… لا تحبس الكلام، فالصمت أحيانًا أثقل من الوجع نفسه."
التفت إليه إياد قليلًا، كأنه أُخذ على حين غرة، فيما أضاف مالك، بنبرة أخف لكنها لا تخلو من الصدق:
"أنا أسمعك، حتى لو ظننت أنني لا أريد."
أمال مالك رأسه قليلًا نحو إياد، مغمضًا عينيه للحظة وكأنه يستجمع ما تبقى من طاقته، ثم قال بصوت خافت، فيه بقايا رجاء لم يخفه:
— "تكلّم يا إياد… لا تدع هذا الصمت يبتلعنا."
لم تكن الجملة طويلة، لكنها وقعت في قلب إياد كجرسٍ يرنّ في غرفة مغلقة، أيقظت تردده وأجبرته على مواجهة ما كان يحاول تأجيله. رمش ببطء، زفر نفسًا ثقيلًا وكأنه يطرد من صدره ثقلًا ظلّ حبيسًا هناك منذ بدأ الصباح، ثم حرّك بصره نحو صديقه.
— "مالك… ما الذي يحدث لك حقًا؟"
قالها بنبرة امتزج فيها القلق بالاستفهام، وكأنه يخشى أن تكون الإجابة أكبر من قدرته على الاحتمال.
تردّد قليلًا ثم أضاف، وكأنه لا يريد ترك أي مجال للهروب:
— "أعرف أن الحمى ليست كل شيء… هناك ما هو أعمق، أليس كذلك؟"
كانت عيناه مثبتتين على مالك، تراقبان أي ارتجافة في ملامحه، أي تغيّر في نظراته. أراد أن يمنحه فرصة للبوح، لكنه في الوقت نفسه كان يخشى أن يفتح بابًا لا يعرف إن كان يستطيع إغلاقه.
أما مالك، فظلّ صامتًا للحظة أخرى، يحدّق في الفراغ أمامه، يزن الكلمات في ذهنه، قبل أن يختار ما سيقوله…
ابتسم مالك ابتسامة خافتة، لم تكن نابعة من الفرح، بل كانت أشبه برقّة تكتم ألمًا عميقًا. نظر إلى إياد بعينين تحملان مزيجًا من التعب والتحدي، ثم قال بصوت منخفض لكنه واضح:
— "أعمق مما تتصور يا صديقي... أشياء تركت فيّ جراحًا لا تُرى، وجروحًا لا تُشفى بالوقت أو بالكلام."
تلك الكلمات تردد صداها في الغرفة الصامتة، تحمل ثقل ماضي لا يزال يثقل كاهله، لكنها كانت بمثابة بداية لبوحٍ طال انتظاره.
تابع مالك، محاولًا أن يخفف من وطأة الصمت الذي كان يحيط بهما:
— "لكن وجودك هنا... رغم كل شيء... يجعل هذا العبء أخف قليلاً."
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنّه يستجمع قواه ليواصل الحديث، تاركًا الباب مفتوحًا للحوار الذي قد ينقلهما إلى مرحلة جديدة من الفهم والثقة.
اقترب مالك من إياد ببطء، لكنه حمل في عينيه بريقًا مختلفًا، خليطًا من التحدّي والضعف معًا. جلس بجانبه، ولم يفارق ابتسامته الخفيفة محيّاه المتعب.
مد يده برفق نحو كتف إياد، مسنّدًا نفسه عليه قليلًا، ثم قال بصوت خافت، لكن يحمل ثقل كلمات لا تُنسى:
"هل أنت مستعد... لتسمع ما لا يحتمل؟"
كان صمت الغرفة يحيط بهما كغطاءٍ ثقيل، وكأنهما وحدهما في عالمٍ لا يفهمه أحد. نظر إياد إلى مالك بعمق، وبصوت مليء بالثقة والهدوء أجاب:
"أنا هنا، مالك. مهما كان، سأسمعك."
تمدد الوقت لحظة، وبدأ مالك يتحدث، كاشفًا عن زوايا مظلمة في حياته، عن جراح لا يراها أحد، عن أعباء حملها وحيدًا لفترة طويلة. كانت الكلمات تتدفق بصعوبة، لكنها صادقة حتى النخاع.
في كل حرفٍ قاله، كانت عيون إياد تلمع بالحزن والامتنان، لأنه أصبح شاهدًا على حقيقة صديقه التي لطالما خبأها. شعرت الروح بأن شيئًا كبيرًا قد تكسر وتحطم، لكنه في ذات الوقت بدأ يلتئم، ببطء، بين صمت الغرفة وهمسات الصداقة والصدق.