الفصل 27
حلّت الثالثة بعد منتصف الليل على الغرفة بصمتٍ ثقيل، كأن الزمن نفسه توقّف عند هذه اللحظة. الستائر المسدلة تحجب ضوء القمر، فلا يتسلّل منه إلا خيوط شاحبة تتكسّر عبر الفتحات الضيقة، ترسم ظلالًا مرتجفة على الجدار، كأطيافٍ صامتة تراقب بصبر. كان الهواء في الداخل خانقًا بدفئه، لكن أنفاس مالك بدأت تستقر شيئًا فشيئًا، والحرارة التي التهمت جسده كالنار هدأت ببطء، تاركة وراءها بريق عرق يلمع على جبينه وعنقه مثل ندوبٍ من معركة طويلة.
إياد، الذي لم يبرح مكانه منذ ساعات مريرة، جلس على الكرسي بجانب السرير، كتفاه منحنية تحت وطأة السهر، وعيناه محمرتان متورمتان من طول الأرق. يده التي تشبّثت بالمنشفة الباردة فقدت قوتها، ومع ذلك ما زالت تتحرك بخطواتٍ واهنة، تلمس جبين مالك بين الفينة والأخرى، تتحسس بقلقٍ ما إذا كانت الحمى حقًا في طريقها إلى الرحيل.
أرخى إياد رأسه للخلف، أسند ظهره بتثاقل وأطلق زفيرًا كأنما يفرغ صدره من ثقلٍ لا يُحمل. الألم يشتد في عضلات رقبته، وجفونه تستجديه أن يغلقها، لكنه كلما غفا للحظة باغته الخوف، خوفٌ دفين يصرخ في داخله من أن تعود الحمى فجأة، أو يبتلع كابوس جديد روح مالك الضعيفة.
رمق وجه صديقه طويلاً، ثم همس بصوتٍ واهن، أقرب لوعد يقطعه لنفسه قبل أن يقطعه له:
"فقط… بضع ساعات أخرى، وسأبقى هنا حتى ينجو من عذاب هذه الليلة."
انزلقت يده على حافة السرير، تقترب من يد مالك، وكأن اللاوعي في الأخير استشعر دفء القرب، فتشبّثت أصابعه بها بخفة، لتثبّت إياد أكثر في مكانه، رغم أن التعب كان ينهش جسده ببطء كذئبٍ لا يرحم.
ارتجف مالك بحذر وهو يستعيد وعيه من بين غشاوة ثقيلة، فتح عينيه بصعوبة ليرى ظلّ إياد مائلًا بجانبه، غارقًا في نومٍ عميق يتخلله نفسٌ هادئٌ ومنتظم. تسلّل شعور ممتزج إلى صدره؛ امتنان حار يضيء داخله، يقابله ألم خفي يذكّره بثقل جسده الذي لم يعد يطاوعه كما كان.
مدّ يده ببطء نحو جانبه محاولًا أن يرفع نفسه قليلًا، لكن مع أول حركة اجتاحه دوار مباغت، وغرق في موجة من الوهن تشدّه إلى الأسفل بلا رحمة. استسلم ليستلقي من جديد، أنفاسه متقطّعة، وعينيه تنغلقان نصف إغلاق، يحاول جمع شتات قوته المنهارة لكنه يفشل.
التفت مالك ببطء نحو إياد، رأسه مائل وهو غارق في نومٍ ثقيل، كأن التعب أسقطه من داخله قبل أن تغلبه الراحة للحظةٍ أحس بطمأنينة خافتة من وجوده، لكن سرعان ما تلاشى ذلك الإحساس حين انسابت يده المرتعشة فوق جسده المنهك، حتى لامست ندبة قديمة على جلده.
بمجرد أن لمسها، ارتجف قلبه كأن النار اشتعلت من جديد تحت جلده. عادت صور الماضي تتقافز أمام عينيه: هو طفل صغير محشور في زاوية مظلمة، والرجل يقترب بوجه بارد، يضع جمرة مشتعلة على جلده، يضغطها حتى يملأ المكان برائحة اللحم المحترق. صرخاته وقتها لم تجد من يسمعها، ولا يد امتدت لتنتشله من العذاب.
ابتلعت الغرفة سكونه الآن، فيما أصابعه ما زالت متشبثة بالندبة، كأنها الجسر الوحيد الذي يربطه بالماضي. أحس أن الوحدة تزحف إليه بالبطء ذاته، ثقيلة كالجمر، لا ترحل ولا تبرد.
رفع بصره نحو السقف الأبيض، تنهيدة حارة تسللت من صدره، وهمس بصوتٍ متكسر:
«لا أريد أن أعود لتلك النار… لا أريد أن أبقى وحيدًا من جديد…»
ثم أغلق عينيه بقوة، كأنه يحاول دفن الندبة بداخل نفسه، مستسلمًا لضعفه، منتظرًا لحظة يستيقظ فيها إياد، علّه يكون الحاجز بينه وبين ذلك الماضي الذي ما زال يحترق فيه.
استفاق إياد فجأة على أنفاس مالك الثقيلة التي كانت تكاد تخنقه، ففتح عينيه متثاقلاً ليجد صديقه مستلقيا على الفراش، يضع يده على جبينه المرتفع الحرارة. كان جسده مترهلاً من التعب، وأنفاسه تخرج متقطعة متعبة، كأن كل نفس يقاوم به ذبذبات الحمى التي تشتعل في جوفه، او شيئا اخر.
اقترب إياد بخطوات هادئة، لا يرغب في إزعاجه، لكنه لم يستطع كبح قلقه المتصاعد. مدّ يده برفق ليلمس جبين مالك، فشعر بحرارة حارقة تتسرب حتى إلى أطراف أصابعه. تنفس بعمق وهو يقول بصوت منخفض، كأنه يتحدث إلى نفسه قبل أن يصل صوته إلى مالك:
"لا زالت الحمى تلهبك، لماذا لم تخبرني؟"
مالك فتح عينيه بصعوبة، ونظر إلى إياد بنظرة مثقلة بالضعف والعجز، ثم تمتم بصوت واهن:
"لم أرد أن أثقل عليك، لم أرد أيقاظك..."
تألم إياد من كلمات صديقه، لكنه ردّ بحنان لا يخلو من قوة:
"لا تظن للحظة أنك وحدك، لا حاجة لأن تخفي ألمك عني. أنا هنا، لن أدعك تواجه هذا وحدك."
مالك أغلق عينيه للحظة، محاولة استجماع قواه، ثم قال بصوت مبحوح:
"أنا... أخشى أن أكون عبئًا عليك."
تنهد إياد بعمق، وسحب يد مالك بين يديه، مسانداً إياه:
"العبء أن تحمله وحدك، أما معًا فالطريق يهون."
ظل الاثنان في صمت ثقيل، مثقل بآهات الجسد ووجع الروح، لكن في هذا الصمت كان هناك وعد، ووعد بأن لا يكون أي منهما وحيدًا في مواجهة الألم.
اقترب إياد بحذر، يحمل في يديه منشفة مبللة بالماء البارد. بخفةٍ ورقة، وضع المنشفة على جبين مالك، مراقبًا رد فعله بعينين ملؤها القلق. شعر بحرارة مالك المرتفعة وهي تنتقل إلى جسده من خلال اللمسة، وتردد في تحريك المنشفة ليغطي أيضًا عنقه ويديه المرتجفتين.
قال بصوت هادئ يهدف إلى الطمأنينة:
"حاول أن تسترخي، سأبقي المنشفة هنا لبعض الوقت، هذا سيخفف عنك كثيرًا."
مالك لم يرد، لكنه أغمض عينيه متأثراً بالبرودة التي بدأت تخفف من لهيب الحمى. بدا عليه بعض الارتياح، لكن الألم والضعف والذكرى لم يغادراه.
تابع إياد برفق، وهو يمسح جبين مالك بين الحين والآخر، يحاول أن يخفف عنه، ويراقب أنفاسه المتقطعة التي تزداد ثباتًا ببطء:
"أنا هنا، لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام."
ثم خذ المنشفة ووضعها في وعاء ماء بارد، ثم عصرها بين يديه المرتجفتين بحذر قبل أن يضعها برفق على جبين مالك المتقد بحرارة الضعف والحمى. شعر إياد بقلب مالك ينبض بعنف، وكأن الألم لا يترك له فسحة للراحة. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما، لاحظ مالك فجأة جرحًا عميقًا على معصم إياد، واضحًا بآثار الضغط.
تجمّد مالك للحظة، وكأن الزمن توقف عن الدوران. نظراته ملأها الندم والذنب، فجرح معصم إياد لم يكن إلا نتيجة يده التي تشبثت بقوة حين كان ينهار. خنقته كلمات لم تخرج، وشعر بثقل قاتل في صدره؛ ذاك الشعور المرير الذي يراوده دومًا: كره الذات، وكأن كل الألم الذي يتجرعه هو عقاب على ما فعله وما تركه يحدث.
تسارعت أنفاس مالك وهو يشيح بوجهه جانبًا، يبحث عن كلمات تضيع منه كلما حاول النطق بها. ارتجفت شفتاه قبل أن يهمس بصوت مبحوح متقطع:
"أنا… لا أجد ما أقوله… فقط… سامحني يا إياد."
انحنى رأسه قليلًا، محاولة إخفاء دموعه التي بدأت تحفر خطوطًا باردة على وجهه الشاحب. كان كرهه لذاته يشتد مع كل نفس، وكأنما جسده كله صار سجنًا لا مفر منه، ساد صمت قصير، لم يقطعه سوى اضطراب أنفاسه وارتجاف جسده تحت وطأة الحمى. نظر إليه إياد مليًا، ثم تنفّس بعمق وكأنه يكتم شيئًا أكبر من الكلام، وقال بهدوء حازم:
"لست بحاجة إلى أن تعتذر، مالك. ما أريده فقط… أن تتوقف عن جلد نفسك بهذا الشكل. وجودك لا يُثقلني."
أطبق مالك جفنيه بقوة، كأنه يحاول أن يصدّق تلك الكلمات البسيطة، بينما قلبه لا يزال يتأرجح بين التصديق والرفض
جسده المرهق يرتجف بقوة تحت وطأة الحمى والدوار، وعيناه تظللان بحزن عميق، كأنهما تعكسان بحرًا من الألم المكبوت. حاول رفع رأسه ليلتقي بنظرات إياد، لكن كل حركة كانت كمن يواجه عاصفة داخلية لا تهدأ.
"كلما حاولت أن أكون بخير... ينهار كل شيء من حولي،" تمتم مالك بصوت خافت، متقطّع، والدموع تنهمر من عينيه بلا رحمة. "لقد جرحتك... أضعف من أن أحمي نفسي، كيف سأحمي غيري؟"
تقدم إياد ببطء، جلس إلى جانبه، ومد يده ليحتضن كتفه المرتجف، وكأنه يقول له دون كلمات: "لست وحدك."
كان يعلم أن كلمات المواساة لن تزيل كل الألم، لكن حضوره كان نقطة ضوء صغيرة وسط الظلام الدامس الذي غرق فيه مالك.
"ليس من السهل عليك، أعلم... ولكن لا تدع الماضي يحكم حاضرنا،" قال إياد وهو يثبّت نظره في عيني صديقه. "دعني أكون هنا لأجلك، ليس لأنك تستحق الرحمة فقط، بل لأنك إنسان يستحق أن يُحبّ."
ارتجف مالك مجددًا، وكأنه يريد أن يصدّق تلك الكلمات، لكنه محاصر بسلاسل الألم والندم التي جُرّدت منها روحه.
قال بصوت ملؤه المرارة: "كنت أظن أن نهايتي ستكون وحيدة... لكنك…"
قاطعه إياد بحنان: "لن تكون وحيدًا، أبداً."
في تلك اللحظة، وبينما احتضن إياد كتف مالك، شعر الأخير بأن ذراعي الصديق تحيط به كدرعٍ من نور، تحاول صد ظلال الماضي الثقيلة، وربما، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، تسربت ببطء شعاع من الأمل إلى قلبه الجريح.
____
بقي إياد بجانب مالك، يراقب أنفاسه الثقيلة التي تتقطع بين الحين والآخر. مدّ يده برقة ليلمس جبين صديقه، ليشعر بحرارة لا تزال تكتنفه، رغم انخفاضها قليلاً عن ذي قبل. كانت حرارة خفيفة تكاد تذوب في الهواء البارد المحيط بالغرفة، لكنها كانت كافية لتثير القلق في قلب إياد.
أعاد يده إلى صدر مالك، مستشعرًا كل ارتجاف يعتري جسده الضعيف، لكنه كان مصرًّا على الصمود رغم كل شيء. نظر إلى عينيه المغلقتين بحنان، وهمس بهدوء:
"لا تزال الحمى تلاحقك، يا مالك. حاول أن تسترخي، دع جسدك يستعيد عافيته."
فتح مالك عينيه ببطء، كانت تحمل بقايا التعب وألم الماضي المختلط بخوف الحاضر، لكنه أجاب بصوت خافت وثقيل:
"لا أستطيع... هناك أشياء لا تسمح لي بالراحة."
تابع إياد بصوتٍ دافئ يملؤه الحنوّ والعزم:
"أنا هنا، لن أدعك تواجه هذا لوحدك. استرح فقط."
جلس إلى جانبه، يراقب حركة صدره مع كل نفس، يحاول بيده الباردة تهدئة حرارة جسده، وبصوته العذب يهمس:
"كل شيء سيكون على ما يرام، صدقني."
مالك أغمض عينيه مجددًا، لكنه ظل مشدودًا، بين مشاعر الألم والذنب والضعف التي تعصر قلبه كقبضة حديدية لا ترحم. حاول أن يسيطر على نفسه، لكنه لم يستطع منع ارتجافه الذي بدأ يتزايد، وكأن جسده يصرخ من تعب لا يُحتمل.
إياد، ملاحظًا هذا، أمسك بيد مالك، وأحس بها ترتجف بين يديه، وبدت عليه علامات الألم والضعف. رفع عينيه إلى وجه مالك وقال بصوتٍ يكاد ينكسر:
"مالك... لا تخف، أنا هنا، وأعدك بأنك لن تكون وحيدًا."
لكن مالك لم يرد، فقط كانت دموعه الباهتة تنساب ببطء على خديه، تعبيرًا عن صراع داخلي لا يهدأ، ومعاناة تختبئ خلف تلك الجدران الصامتة.
ظل الاثنان هكذا، في صمتٍ ثقيل، يحمل كل منهما ألمه بطريقة مختلفة، لكنهما يتشاركان ثقل الحياة، حيث كان صوت أنفاسهما البطيئة وحده يملأ المكان.