الفصل 26
في أعماق اللاوعي،
وجد مالك نفسه واقفًا وسط ممر طويل لا نهاية له، جدرانه سوداء لامعة كأنها مبللة بدم قديم، وأرضه تعكس خطواته بصدى غريب، وكأن كل حركة يخطوها تعلن حضوره لشيء ما يترصده.
كان الهواء خانقًا، ممزوجًا برائحة احتراق ودخان يخترق صدره حتى كاد يسعل، لكنه لم يصدر صوتًا، فقط ظل يتقدم.
على جانبي الممر، بدأت الأبواب تظهر، أبواب خشبية متآكلة، كل منها يصدر همسات مكتومة، وصوت طرق بطيء، كأن أحدهم يطلب النجدة.
اقترب من أول باب، وارتجف قلبه حين رأى من خلال فتحة صغيرة عينًا زجاجية تحدّق فيه دون أن ترمش، عين يعرفها… عين أخيه وهي تحترق وسط اللهيب.
تراجع مالك، لكن الأرض تحته بدت وكأنها تتحرك، تدفعه نحو الباب التالي، حيث سمع أنين امرأة يختنق، وصوت ضربات ثقيلة، قبل أن يخترق الصمت صرخة حادة تمزق روحه — صرخة أمه.
رفع يديه إلى أذنيه محاولاً حجب الأصوات، لكنه حين أغلق عينيه، رأى وجه أخته شاحبًا، ملقى على سرير بارد، أنبوب مكسور بجانبها، وابتسامة ساخرة لرجل يرتدي معطفًا أبيض.
صرخ مالك: "توقفوا! توقفوا!"
لكن الأصوات تصاعدت، والوجوه تقاربت، الأبواب انفتحت دفعة واحدة، واندفع منها اللهيب والدماء، وأيدٍ كثيرة امتدت نحوه، تمسك بمعصميه حيث جرحه ما زال ينزف.
شعر وكأنها تسحبه إلى الداخل، إلى الظلام، إلى مكان يعرفه جيدًا لكنه قضى حياته يحاول الفرار منه.
أحس أن الأرض تبتلعه، وأن الصرخات تختلط بصوت دقات قلبه المتسارع، قبل أن يغرق كل شيء في السواد، تاركًا وراءه همسة واحدة ترددت في الفراغ:
"لن تهرب هذه المرة…"
كان مالك يغوص أكثر في الممر المظلم، الأصوات من حوله تتعالى، اللهيب يقترب، والوجوه تقتحم رؤيته… يداه مكبلتان، وصرخاته تضيع وسط الضجيج.
لكن فجأة، وسط ذلك الجحيم، شعر بقبضة تهز كتفه بعنف وصوت بعيد يخترق طبقات الصراخ:
"مالك! مالك، استيقظ!"
في الكابوس، الأيادي التي كانت تمسكه صارت أكثر شراسة، تشد جسده إلى الداخل.
وفي الواقع، كان جسده يتلوى على الفراش، عرقه يغمر جبينه، أنفاسه متقطعة، وأصابعه تقبض على الملاءة بقوة.
إياد جلس بجانبه، يهزه بلا توقف، وصوته ممتزج بقلق حاد:
"مالك! اسمعني، أنت هنا… افتح عينيك!"
لكن مالك، في عينيه المغلقتين، ما زال يرى اللهيب، يرى وجه أخيه يصرخ وسط النيران، يسمع صرخة أمه، وابتسامة الطبيب الباردة.
زادت أنفاسه اضطرابًا، وخرجت منه كلمات مشوشة:
"لا… أتركوهم… أتركوني… لا تلمسوني!"
إياد أمسك بوجهه بكلتا يديه، يحاول تثبيته:
"مالك! إنه أنا… إياد… انتهى الأمر، لن يؤذيك أحد."
في تلك اللحظة، ارتجف جسد مالك أكثر، وكأنه يقاوم قوة خفية، ثم شهق شهقة عميقة، فتح عينيه فجأة، حدقتاه زائغتان، تبحثان عن مخرج من مكان لا وجود له.
تعلقت عيناه بعيني إياد، وكأنهما مرساة أخيرة تمنعه من السقوط مجددًا، لكن يده بقيت ترتعش وهو يهمس بصوت مبحوح:
"مازالوا هنا… لم يذهبوا…لن يتركوني يا اياد."
إياد لم يقل شيئًا، فقط ضمّه إلى صدره، يشعر بارتجافه وهو يتشبّث بقميصه كالغريق، شيئًا فشيئًا بدأ صوته يخفت، وأنفاسه المضطربة تهدأ تدريجيًا بين ذراعيه. بقي إياد ممسكًا به حتى أحس بثقله يرخو قليلًا، فتنفّس بعمق كأن عبئًا انزاح عن صدره للحظة.
نهض ببطء، عينيه ما تزالان على وجه مالك الشاحب، مدّ يده نحو الطاولة الصغيرة ليأخذ منشفة مبللة بالماء البارد، لكن قبل أن يخطو بعيدًا، شعر فجأة بقبضة ضعيفة، حارّة، تُمسك بمعصمه. التفت بسرعة، ليجد أصابع مالك المرتجفة تلتف حوله وكأنها آخر خيط يربطه بالواقع.
كانت عينا مالك نصف مغمضتين، نظراته زائغة بين الحمى والهذيان، لكن في أعماقها ومضة رجاء لم يستطع إياد تجاهلها. شفاهه تحركت بصوت متقطع، مبحوح، كأنه يستجدي شيئًا:
"لا… تذهب… لا تتركني…"
توقف إياد عن الحركة، شعر بالضغط الخفيف من يد مالك يختلط برجفة جسده كله. جلس مجددًا على حافة السرير، أمسك بيده الأخرى، وأجاب بصوت خافت حازم:
"لن أذهب… أنا هنا، لن أتركك أبدًا."
ارتخت عضلات مالك قليلًا، لكنه لم يفلِت قبضته. حتى أنفاسه المتقطعة بدت وكأنها تبحث عن إيقاع أكثر هدوءًا بوجود إياد بجانبه، وكأن لمسة واحدة كافية لتبقيه بعيدًا عن حافة السقوط التي يقترب منها عقله.
كان جفناه يثقلان من الحمى والإرهاق، لكن عقله يقاوم الاستسلام للنوم، وكأن غفوة واحدة قد تجرّه مجددًا إلى هاوية الكوابيس التي التهمته من قبل.
كان يرمش ببطء، وعيناه تظل تراقب ظل إياد القريب، يخشى أن يتلاشى حين يغمضهما تمامًا. كل ارتخاء في عضلاته كان يرافقه تيار من القلق، فيشد قبضته أكثر، حتى شعر إياد بارتجافها.
همس مالك بصوت بالكاد يُسمع، متقطع بين أنفاسه اللاهثة:
"إذا… نمت… لا تتركني… حتى لو… صرخت."
أومأ إياد برأسه بثبات، ثم مال قليلًا للأمام حتى صار صوته قريبًا من أذن مالك، دافئًا وهادئًا:
"أنا هنا… مهما حدث… لن أتركك."
أغمض مالك عينيه نصف إغماضة، يحارب نفسه حتى لا ينزلق كليًا إلى العتمة. كان قلبه يخفق بسرعة، والحرارة تحرق جلده، لكن دفء اليد التي يمسك بها جعله يشعر – ولو لوهلة – أن هناك شيئًا في هذا العالم يمكنه حمايته من الظلام.
كلما بدأ وعيه يتلاشى، كانت صور الكابوس تتسلل من بعيد، فيشد على يد إياد بقوة أكبر، وكأنه يحاول أن يربط نفسه بالواقع من خلالها، غير مستعد بعد لأن يواجه وحده ما ينتظره في الداخل.
غاص مالك أخيرًا في غياهب النوم، لكن نومه لم يكن راحة، بل هاوية مظلمة انفتحت لتبتلعه بلا رحمة. كان الكابوس هذه المرة أكثر فظاعة من ذي قبل… لم يعد يرى فقط ماضيه البعيد، بل اختلطت المشاهد حتى صارت تضم وجوه أولئك الذين أزهق أرواحهم بيده.
كانوا يقفون في صفوف طويلة وسط ضباب خانق، عيونهم شاخصة نحوه، فارغة من الحياة، وأصواتهم تهمس باسمه بصدى ثقيل يتردد في جمجمته. رأى النار تلتهم جسد أخيه، وصرخات أمه وهي تسقط أرضًا، تلاها وجه الطبيب المبتسم ببرود، ثم فجأة انقلب المشهد إلى الوجوه التي أسقطها هو… وجوههم مشوهة، مشوبة بالدماء، تتقدم نحوه بخطوات بطيئة.
ارتجف جسده على السرير، ويده المتشبثة بمعصم إياد انقلبت إلى قبضة فولاذية، تضغط بعنف حتى شعر إياد بمعصمه يكاد يعصر. حاول إياد سحب يده برفق أولًا، لكن مالك شدها أكثر وكأنها حبل أخير يمنعه من السقوط في أعماق الكابوس.
زمجر إياد من الألم الخفيف في معصمه، لكنه تمالك نفسه، يراقب ملامح مالك التي تلوّت تحت تأثير الحمى والرعب، شفتيه تتمتمان بكلمات مبعثرة غير مفهومة. مد يده الأخرى وربت على كتف مالك وهو يقول بصوت حازم ودافئ:
"مالك… اسمعني… استيقظ… أنت هنا… معي… لا شيء يلمسك."
لكن قبضته لم تضعف، بل ازدادت قسوة، حتى أحس إياد أن معصمه قد تخدر، ومع ذلك لم يسحبها. كان يدرك أن ترك يده الآن قد يدفع مالك إلى الغرق أعمق.
اقترب أكثر، وصوته يعلو قليلًا:
"مالك! افتح عينيك… هذا ليس حقيقيًا… هذا مجرد كابوس."
في الكابوس، كان يشتد كالطوفان، يجرف مالك إلى أعماق لا قرار لها.
الأصوات من حوله تضخمت، صارت صرخات حادة تخترق رأسه، والوجوه التي رآها — ضحاياه والماضون من حياته — اقتربت حتى التصقت بوجهه، أنفاسهم الباردة تلفح جلده. في عيني كل واحد منهم اتهام صامت، وفي صمته سؤال يقتله أكثر من أي كلمة: لماذا؟
جسده على السرير بدأ يتلوى، أنفاسه متقطعة، وحبات العرق الحار تتساقط من جبينه. قبضته على معصم إياد تحولت إلى فكّ مفترس، تضغط بقوة حتى احمرت أصابع إياد وبدأت العروق في يده البارزة تحت الجلد تنبض بألم حاد.
زمجر إياد بخفوت وهو يحاول التحرر:
"مالك… أنت تؤلمني…!"
لكن الرد الوحيد كان شدًا أعنف، وكأن مالك يصر على أن يربطه إليه. معصم إياد بدأ يفقد الإحساس، ومع ذلك لم يتراجع. كان يحدق في وجه مالك المشتعل بالحمى، يرى جفونه ترتجف وكأنها تحاول أن تفتح قسرًا وسط الظلام.
أمال إياد جسده للأمام، صوته صار حادًا وحازمًا أكثر:
"مالك! هذا أنا… إياد… أنت آمن… استيقظ!"
إلا أن الكابوس في عالم مالك كان صاخبًا لدرجة أن صوته تلاشى في الضباب. هناك، كان يلهث وهو يحاول الهرب، يركض وسط ممر ضيق والجدران تنزف دمًا، والوجوه تخرج منها، تمسك به وتشدّه. كلما حاول الانفلات، زادت قبضته في الواقع قسوةً على معصم إياد، كأنه يخشى أن يكون إفلاته هناك إفلاتًا في الواقع أيضًا…
بلغ الألم في معصم إياد حدًّا لم يعد يُحتمل؛ الإحساس بالدم يكاد يتوقف عن الجريان في أصابعه، والحرارة التي تنبعث من يد مالك أشبه بجمر مضغوط على جلده. ارتسمت على ملامح إياد مزيج من القلق والألم، لكنه لم يسمح لنفسه بالتراجع، فالمشهد أمامه أخطر من مجرد وجع في معصمه.
رفع صوته فجأة، بنبرة حادة تحمل أمراً أكثر من كونها رجاءً:
"مالك! استيقظ… الآن!"
هز كتفه بعنف، لكن مالك لم يفتح عينيه؛ فقط ازداد وجهه تقطيبًا، وصدره يعلو ويهبط باضطراب، وكأنه يحارب في معركة لا يراها أحد سواه. أصوات أنينه الخافتة تشق قلب إياد أكثر مما يفعل ضغط قبضته.
وبلحظة حاسمة، استخدم إياد يده الحرة ليقبض على كتف مالك بكل قوته ويهزه بقسوة، حتى ارتجّ جسده على الفراش.
"مالك! هذا أنا… إياد! أنت هنا، لستَ هناك… اسمعني!"
بين الهزات والصوت الذي اخترق جدار الكابوس، ارتجفت جفون مالك فجأة، وكأن شعاعًا من الواقع شق طريقه إلى ظلام عقله. قبضته بدأت تضعف شيئًا فشيئًا، وصوت أنفاسه الثقيلة صار يخفت، حتى أفلت يد إياد أخيرًا، أصابعه ترتجف وراحة يده ملتصقة بعرق مالك.
فتح مالك عينيه نصف فتحة، نظر إلى إياد نظرة شاردة لا تُدرك المكان أو الزمان، ثم أغمضهما مجددًا، لكن هذه المرة بعمق أقل اضطرابًا، وكأن صوته أعاده خطوة صغيرة بعيدًا عن الحافة.
ظل إياد جالسًا للحظات، يتنفس ببطء محاولًا تهدئة الوجع النابض في معصمه. مدّ يده ليفركها قليلًا، يشعر بآثار ضغط أصابع مالك التي تركت علاماتها الحمراء على جلده. لكن النظر إلى وجه مالك الشاحب والمتصبب عرقًا جعل الألم يتراجع أمام القلق.
مدّ يده إلى الوعاء الصغير بجانبه، غمس المنشفة في الماء البارد ثم عصرها برفق، وعاد ليضعها على جبين مالك، ملامسًا جلده المحموم. تمتم بصوت خافت، وكأنه يحدّث نفسه:
"حرارته ما زالت مرتفعة…يا الله."
بدأ يمرر المنشفة الباردة على عنق مالك ثم كتفيه، يتجنب النظر طويلاً إلى آثار الندوب التي انكشفت قبل ساعات، لكنه كان يراها رغم محاولته صرف بصره، فتشدّ عضلة فكه بصمت.
أخذ ينقل المنشفة بين صدره وذراعيه، يعيد تبليلها بين حين وآخر، يحاول أن يخفف من الحمى التي تحرقه. وخلال ذلك، لاحظ ارتعاشة طفيفة في أصابع مالك، وكأن جسده يقاوم شيئًا آخر غير الحرارة. جلس إياد أقرب، وراح يربت على ذراعه بخفة:
"اهدأ… أنت بخير الآن."
تنفس مالك بعمق، لا يزال نصف غارق في اللاوعي، لكن لمحة من الهدوء بدت على وجهه، بينما استمر إياد في تبريد جسده، مصممًا على البقاء بجانبه مهما طالت الليلة.