الفصل 25
في صمت الليل الثقيل، تسللت أشعة القمر خجولة عبر نافذة صغيرة، تلقي بظلال باهتة على الأرض والجدران، مضاعفة شعور الوحدة والألم الذي يثقل قلب رجل مثقل بالجراح والآلام.
جلس إياد بجانب صديقه مالك، يحيطه بهدوء، بينما جسده يرتجف تحت وطأة التعب والمرض. لم يكن هناك كلام، سوى أنفاس ثقيلة تتقطع بين الحين والآخر، ويدان مرتجفتان تحاولان صرف الحرارة المتصاعدة من جسده.
مد إياد يده بحذر نحو معصم مالك حيث رأى الجرح العميق ينزف ببطء. بدأ بتطهيره بلطف بالمعقم، ثم لفّه بضمادة نظيفة، محافظًا على هدوء صديقه، كأنه يحاول أن يخفف عنه عبء الألم الصامت.
مسح إياد جبين مالك بالمنشفة المبللة، ثم مرّرها على صدره الذي كان يرتفع وينخفض بحرارة حارقة، محاولًا كبح الحمى التي تكاد تفتك به.
لكن جسد مالك بدأ يرتجف بعنف فوق السرير، أنفاسه تتسارع على نحو غير منتظم، وعيناه نصف مغمضتين كأنهما عالقتان بين الوعي والظلام. وفجأة، اخترق صمت الغرفة صوته المبحوح، يعلو متقطعًا، متوسلًا، وكأنه يخاطب أطيافًا لا يراها غيره:
"خالد…! ابتعد عن النار… لا… لا تقترب!"
مدّ يده في الهواء كمن يحاول انتشال أحدهم من هاوية، أصابعه ترتجف، وملامحه تعكس فزع طفل يواجه كابوسًا حيًّا.
"أرجوك… أخرجوه من هناك! إنه ما زال حيًّا… إنه يصرخ… يسمعني… يسمعني!"
تشققت نبراته بين الصراخ والبكاء، وصدره يرتفع ويهبط كأنه يغرق في موجٍ عاتٍ من الرعب.
جلس إياد مذهولًا إلى جانبه، عينيه متسعتان، يسمع كل كلمة، ولا يستطيع أن يصدق أن ما يخرج من بين شفتي مالك ليس مجرد هذيان، بل صدى ماضٍ يصرخ من أعماقه.
واصل مالك صراخه وهو يمد يده أكثر، كأنه يقاتل الهواء ليصل:
"لا تتركونه! خالد… انتظرني… أنا قادم… لا تمت… أرجوك لا تمت!"
انكسر صوته إلى بكاء متقطع، ثم فجأة شهق، كأن ذكرى أخرى اجتاحته:
"سارة… سارة لا تبكي… أنا هنا… لا تتركيني وحدي… الطبيب سيُنقذك… أليس كذلك؟!"
امتدت كلماته كسكاكين تمزق قلب إياد وهو يستمع، يرى صديقه يمد يده في الفراغ كمن يريد الإمساك بشبح صغير، ويصرخ بحرقة طفل فقد كل شيء:
"سارة… لا… لا تغلقي عينيك! أرجوكِ… استيقظي… أنا لم أعد أحتمل فُقدانكم واحدًا تلو الآخر!"
ثم سقط صوته في همهمة متقطعة، وارتجف جسده بشدة، فيما ظل إياد يحدّق به في صدمة، وكأن قلبه يُجبر على سماع اعتراف لم يُقَل يومًا، اعتراف خرج من لاوعي صديقه المثقل بالجراح.
تشنّج جسد مالك فجأة، وصوته ارتفع أكثر، صارخًا كطفل مذعور:
"أمي…! لا… أرجوكم، ابتعدوا عنها… دعوها وشأنها!"
كان صوته يختنق بالبكاء، ودموعه تنهمر بلا وعي، فيما يده ارتجفت كأنها تحاول صدّ أشباح غير مرئية.
"لا تؤذوها… أمي، تمسكي… أنا هنا… سامحيني… سامحيني لأني لم أستطع حمايتك!"
اقترب إياد في فزع، أمسك بكتفيه محاولًا هزّه بلطف، صوته يرتجف:
"مالك! استيقظ… اسمعني، لا أحد هنا… هذا مجرد كابوس!"
لكن مالك ظل غارقًا في عالمه، يصرخ ويستغيث:
"أمي! لا تصرخي… لا تطلبي الموت… أرجوكِ، تحمّلي قليلًا… أنا سأُنقذك… سأُنقذك!"
اهتز قلب إياد وهو يرى رفيقه ممزقًا بين ماضٍ لا يزول وواقع يحاول الإمساك به، شدّه إلى صدره محاولًا أن يوقظه من الغرق، لكن مالك ظلّ يردد في لا وعيه كلمات متقطعة، أقرب إلى أنينٍ طويلٍ ينهش روح السامع.
وصوته يعلو متهدجًا:
"أمي…! أمي، لا تتركيني… أرجوكِ، اصبري…! لا تموتي…!"
كان صراخه يتكسر بين شهقات متلاحقة، فيما عيناه المغلقتان ترفضان الاستيقاظ، ويداه ترتجفان كطفلٍ يصدّ أشباحًا لا يراها أحد سواه.
أمسكه اياد من كتفيه هذه المرة وهو يهزه بعنفٍ يائس:
"مالك! افتح عينيك… هذا أنا، إياد! لا أحد يؤذيك الآن!"
لكن مالك ظل يصرخ في عالمه المظلم:
"أمي، سامحيني… كنت ضعيفًا… لم أستطع إنقاذك!"
في تلك اللحظة، شعر إياد أن صبره يتمزق، أن قلبه لم يعد يحتمل رؤية رفيقه غارقًا في جحيم لا يستطيع الوصول إليه.
انفجر صوته مدوّيًا، يزلزل صمت الغرفة:
"مااالك!!!"
ارتجّ مالك مع الصرخة، كأنها اخترقت جدار لا وعيه للحظة، لكن عينيه بقيتا مغمضتين، وأنفاسه اللاهثة تنذر بأنه ما زال عالقًا في ذلك السجن المظلم.
إياد التصق به أكثر، كأن صراخه لم يكن نداءً فقط، بل وعدًا يائسًا:
"لن أدعك تغرق… حتى لو لم تسمعني، لن أتركك تضيع!"