خيوط الانتقام - الفصل 24 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 24

الفصل 24

لم يتحرك إياد للحظة، كأنه يرسم صمتًا محيطًا، يقفز فوق الزمان والمكان ليترك فقط هو وصديقه المنهار في غرفةٍ قد تكسرت جدرانها على وقع الألم. كان ينظر إلى تلك العينين الغارقتين في الظلام، العينين التي تحملان بحورًا من الخوف والرهبة، وكأنهما تخشيان أن تفضحا عمق الجراح المختبئة خلفهما، فتهربان عن أنظار العالم، أو ربما عن أعين ذاتهما. ببطء شديد، كأن كل حركة تحتاج إلى جهدٍ خارقٍ في هذه اللحظة، مدَّ ذراعيه ليحيط بمالك، ضامناً إياه كما لو كان يحمل زجاجة هشة، لا تحتمل أقل اهتزاز. شعر بردّ جسده يلامس حرارة مالك، وارتجاف الأصابع المذعورة التي تحاول أن تبتعد بينما لا تزال تحتاج إلى ذلك الحضن. ربت على ظهره بحركات خفيفة، منتظمة كنبض قلب يائس، كأنه يقول له: "أنا هنا، لست وحدك." صوته الهادئ، المليء بالدفء، رنّ في أذن مالك كهمس يعانق روحه المتعبة: "مالك… لا عليك الآن… أنا هنا، أسمعك… ولن أتركك." لكن في عمق ذلك الصوت، كان العقل المُنهك لم يفلح في التقاط تلك الكلمات كعادته. كان يغرق في متاهة ماضيه المظلم، حيث الجدران ليست سوى ظلالٍ قاتمة تحاصر روحه وتخنقها، وكان صوت إياد، رغم قربه، يبدو وكأنه صادر عن بعد بعيد، يختنق في الضباب الكثيف الذي يغطي صدره ويكتم أنفاسه. قبضة ثقيلة ضاق بها حلقه، بينما تسارع أنفاسه، في كل شهيق كانت مشاعر متضاربة تندفع داخله: الرغبة في الانسحاب، والفرار من كشف ما خبّأه، والضعف الذي أجبره على البقاء، وهواجس العار التي أغلقت بواباته. حاول أن يزيح يدي إياد برعشة خفيفة، وصوته خرج على هيئة همسة مبحوحة تكاد تختنق بها الكلمات: "اتركني… أرجوك." لكن إياد لم يتراجع، بل زاد ضمّه حتى أصبح حضورًا لا مفر منه، وقال له بهدوءٍ عميقٍ يختلط فيه الحزم والحنان: "لن أتركك، مهما حاولت الابتعاد." كان قلب مالك يطرق صدره بعنف، ليس من عناق إياد، بل من الخوف الذي استيقظ من سباته العميق. جزء منه يتشبث بهذا الأمان، ويريد أن يعلق به كطفل صغير يبحث عن حضن أمه، وجزء آخر منه يصرخ في الظلمة، يذكره بأن الأمان قد يكون وهمًا قاتلًا، وأن الاقتراب قد يعريه أمام كل ما يحاول أن يدفنه. أخيرًا، ارتخى قبضته، لكن ارتجاف جسده لم يتوقف، حتى كاد إياد يشعر كأنه يحمل بين ذراعيه رجلاً يذوب في برد لا يرونه، بردٌ ينبع من الجراح المجهولة التي تخفيها تلك الندوب الداكنة على جسده وروحه. رفعت يد إياد بلطف، ومدّت كفها نحو شعر مالك المبلل، ومسحته بهدوء كأنه يرسل رسالة صامتة تقول: "أنا هنا، لن أتركك تواجه وحدك هذا البرد." ثم قال بهمسٍ شفيف، كأنه يهمس لأعمق جزء في نفس مالك: "لا بأس… مهما كان ما تحمله، لن تحمله وحدك بعد الآن." لكن مع كل كلمة، كان جدار الحماية الذي بناه مالك عبر السنين يتصدع ببطء، ليس صلداً كما ظن. انحنى رأس مالك أكثر، وأطلق أنفاسًا متقطعة مرتجفة، ثم بدأت الدموع تخترق حاجز كتمانه، تتسرب عبر الأصابع إلى قماش القميص الذي يحتضنه الآن كآخر ملاذ. كان انهيارًا عميقًا، صوت انكسار روحه، لأول مرة منذ زمن بعيد، تسمح لنفسه بأن يكون هشًا، ضعيفًا، مكشوفًا، لا يخفي ألم قلبه خلف صمت أو برد. وقفت الدموع على صدر إياد، وكأنها تعيد دفء إنسانيةٍ كانت في غياب طوال تلك الأعوام. وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك سوى ضوء خافت ينبعث من رحم الظلام، وعدٌ صامت بأن هذا الألم لن يكون وحيدًا بعد اليوم. رفع إياد رأسه ببطء، وهو يحاول أن يتحرّك بهدوء كي يترك مالك يستلقي على السرير، متلمّسًا توازن نفسه بعد ساعات من القلق والتعب. همس بنبرة خافتة: "دعني أضعك على السرير، عليك أن تستريح أكثر." حاول مالك أن يستجيب، لكن عينيه بقيتا مغلقتين نصف غلق، ووجهه يشوبه الألم العميق. رفع جسده ببطء، لكن سرعان ما اجتاحه دوار شديد، وأحسّ كأن الأرض تلف حوله. ارتبك مالك، صوت صرير خفيف خرج من بين شفتيه: "لا… لا أستطيع… الدوار يقتلني..." ارتجف جسده فجأة، وانهار مرة أخرى على صدر إياد، ممسكًا بقميصه بشدة، وكأنه يبحث عن شيء يبقيه واقفًا. حاول إياد أن يواسيه، وهو يربت على ظهره برفق: "مالك، لا تجبر نفسك على شيء الآن، لا تهرول نحو الضعف." تنهد مالك بتعبٍ عميق، صوته يشوبه الضعف: "كل مرة أحاول النهوض، يزداد الألم… يزداد الدوار… أشعر أنني أفقد نفسي..." قال إياد، بصوت مليء بالعطف: "خذ وقتك… لا تستعجل. هذه اللحظات هي بداية التعافي، لا نهايته." تمتم مالك بعيون مغلقة: "لكن… أريد أن أكون قويًا… حتى لو كان ذلك يعني أن أموت على قدمي..." ابتسم إياد بحزن: "القوة ليست في أن تتحمل الألم وحدك… بل في أن تسمح لأحد أن يقف بجانبك." غاص مالك في الصمت، وهو يشعر بثقل جسده يزداد، وابتلعت الهواجس صوته. ببطء، مدَّ إياد يده نحو مالك، حاملاً بحنان دفء الصديق الحقيقي، ليمنحه الدعم الذي يحتاجه. لمس كتف مالك برقة، وهمس له بصوت مملوء بالاهتمام: "دعني أساعدك، يا صديقي، استرخِ قليلاً، عليك أن تستريح." مالك، الذي كانت أنفاسه تتقطع ويداه ترتجفان، حاول المقاومة، لكن الضعف غلبه، فارتكز على يد إياد دون مقاومة، كأنه يسلم جسده المثقل إليه. توقف للحظة، شعر بنظرة إياد الحانية، ولم يستطع إلا أن يستسلم لتلك اليد التي تمسك به بحنان، وعيناه تنظران إلى الفراغ، تعكس متاعب النفس وثقل الجسد. بخطوات بطيئة، قام إياد بمساندته حتى جلس على حافة السرير، ثم ساعده على الاستلقاء برقة متناهية، وكأنّه يخشى أن يكسر زجاجة ثمينة. جلس إلى جانبه، يراقب أنفاسه المتقطعة، ونبض قلبه السريع، وهو يهمس: "الآن، استرح، يا مالك، لا تحاول أن تقاوم أكثر، أنا هنا." مالك لم يُجب، لكنه سمح لجسده أن يستلقي، مغلقًا عينيه بهدوء، كأنه يبحث عن ملاذ من عذابه الداخلي. في ذلك الصمت، تجمعت كلمات لم تُقال، وأحاسيس لم تُعبر، لكن اللحظة حملت معها وعدًا خفيًا بأن هذا الوجع لن يكون وحده بعد الآن.