خيوط الانتقام - الفصل 23 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 23

الفصل 23

ببطءٍ شديد، مدَّ إياد يده نحو مالك، وكأن كل حركة منه تخشى أن تكسر هذا الجسد المرهق الذي بدا وكأنه على وشك الانهيار بالكامل. كانت أنفاس مالك قصيرة ومتقطعة، وصدره يعلو ويهبط باضطراب، وعيناه نصف مغلقتين، تحملان في أعماقهما مزيجًا من الإنهاك والخوف المخبأ. لم يقاوم حين أحاط إياد أصابعه بذراعه، لكن جسده ارتجف مع أول محاولة للرفع، ارتجافة تشبه تلك التي تراود من يواجه البرد والحمى في آن واحد، وكأن عضلاته تتوسل التوقف. بدا وكأنه يحارب ثقل الألم المترسب في عظامه، وثقل الذكريات التي تسحقه من الداخل قبل الخارج. همس إياد، وصوته مزيج من الحنان والحزم: "دعني أساعدك، يا مالك… أرجوك، لا تُثقل على نفسك أكثر." اقترب أكثر، وضع يده الأخرى على كتفه بحذر، وشعر بحرارة جسده العالية وكأنها نار خامدة تحت الجلد. شد عليه برفق، محاولًا رفعه، لكن قدمي مالك تهاوتا في أول محاولة، وكاد أن يسقط، لولا أن إياد أحاطه بسرعة بذراعيه، داعمًا ظهره وكتفيه بثبات. خطوة… ثم أخرى… كانت المسافة بينهما قصيرة، لكن الطريق إلى السرير بدا وكأنه ممر طويل يختبر صبرهما وقوة تحملهما. كل خطوة كان يخطوها مالك تُثقل على إياد أكثر، ليس لثقل الجسد، بل لثقل الشعور بأنه يمسك بروح على وشك الانطفاء. حين وصلا أخيرًا، جلس مالك على حافة السرير وكأن عضلاته تخلت عن أي مقاومة. أسند مرفقيه إلى فخذيه وانحنى قليلًا، يلهث وكأن الهواء بات صعب المنال. كان جبينه يلمع برذاذ العرق، ووجهه شاحبًا إلى درجة مقلقة، بينما عيناه الزائغتان تائهتان في نقطة ما على الأرض. جلس إياد على ركبتيه أمامه، واضعًا يده على كتفه بثبات، وقال بنبرة تمزج القلق بالعزم: "استرح هنا… أنا معك، ولن أتركك." رفع مالك عينيه ببطء نحو صديقه، نظرة تحمل مزيجًا من الشكر والإنكار، وكأنه يريد أن يقول شيئًا لكنه فقد القدرة على النطق. لم يجد سوى أن يرمش ببطء، ثم يومئ برأسه في استسلام، وكأن كل حواجزه انهارت أمام الحاجة الماسة إلى أن يُترك بين يدي من يثق به. جسده ينهار ببطء، لكن عقله لم يكن أكثر تماسكًا منه. كان يشعر وكأنه محاصر داخل جلده، كل نفس يأخذه يذكره بأنه ما زال عالقًا هنا… في هذا العالم الذي لم يعد يريد أن يكون جزءًا منه. لماذا أحيا وأنا مكسور بهذا الشكل؟ كان السؤال يطرق رأسه بإصرار. لم يكن الألم الجسدي هو ما يثقل عليه، بل ذلك الغليان الصامت في أعماقه، ذلك الإحساس بأنه قطعة زجاج مكسورة يحاول الجميع الإمساك بها دون أن ينزفوا، بينما هو ينزف من كل جانب. حاول أن يركز عينيه على الأرض، يتجاهل يد إياد التي ما زالت على كتفه، لكنه شعر بثقل تلك اللمسة… ثقلها لأنه لم يعتد أن يَسمح لأحد أن يكون قريبًا منه بهذا الشكل. إنه لا يفهم… لا أحد يفهم… هكذا حدث نفسه، لكنه في أعماقه كان يعلم أن إياد يحاول، وربما هو الوحيد الذي يحاول بصدق. كانت صورة الجرح في معصمه، ذلك الذي صنعه بلا وعي، تلمع في ذهنه كإدانة صامتة. حتى جسدي لم يعد ملكي… إنه ساحة معركة بين ما تبقى مني وبين كل ما يحاول إسكاتي. أراد أن يقول شيئًا، أن يطلب من إياد أن يتركه، أو ربما أن يبقى… لم يكن يعرف أيهما يريد حقًا. لكن لسانه بقي ثقيلًا، وكل ما خرج منه كان صمتًا طويلًا، يخشى أن يكسره فينهار كل شيء من حوله. مدَّ إياد يده نحو زرّ قميص مالك، بنبرة حازمة ولكنها حريصة قال: "قميصك مبلل، إن بقيت به ستزداد حالتك سوءًا… دعني أساعدك." شدّ مالك القماش من عند صدره، وأزاح يد إياد بعيدًا، ملامحه متوترة وعيناه تلمعان برفض قاطع. "لا… لا تلمسني." كان صوته ضعيفًا لكنه حاد، يحمل ارتعاشة لم تأتِ من البرد فقط، بل من شيء أعمق، شيء يرفض الانكشاف أمام أي عين. حاول إياد التراجع خطوة، لكنه رأى كيف كانت قطرات العرق تلتصق بخصلات شعر مالك على جبينه، وكيف كان القميص يلتصق بجلده المتعب. اقترب مرة أخرى، محاولًا التحدث بصوت أكثر لينًا: "مالك… أنا لا أحاول جرحك، فقط أريد أن أريحك." لكن قبل أن يكمل، شعر مالك بتيار حاد من الدوار يضرب رأسه، تمايل جسده فجأة، وكاد أن يهوي إلى الأمام. اندفعت يد إياد بسرعة، تمسكت بذراعيه بقوة، وجذب جسده إليه قبل أن يسقط. إياد، جاثٍ على ركبتيه أمامه، أسند راس مالك إلى كتفه وهو يشعر بحرارته المرتفعة تخترق القماش بينهما. أحاطه بذراعه بثبات، محاولًا إبقاءه جالسًا. "اهدأ… لا تتحرك، أنا هنا." أما مالك، فعينيه نصف مغمضتين، أنفاسه تتلاحق، وكل جزء منه يصرخ بأنه لا يريد أن يكون في هذا الوضع، لكن جسده الخائن لم يعد يملك القوة ليبعد إياد أو يقاوم دعمه. أخفض إياد نظره قليلًا، فرأى أصابع مالك متشبثة بالقميص بقوة، حتى كادت أن تحفر في القماش، لكن ما لفت انتباهه أكثر هو الارتجاف العنيف الذي يسري فيها. كانت أصابعه تتحرك بلا انتظام، كأنها تعكس اضطرابًا داخليًا أكبر من قدرة الجسد على احتماله. ابتلع إياد ريقه ببطء، وهمس بصوت بالكاد يُسمع: "مالك… أنت ترتجف… ليس فقط من الحمى، أليس كذلك؟" لكن مالك ظل صامتًا، شفتاه منطبقتان بقوة، عيناه زائغتان نحو الأرض، وكأنه يخشى أن يلتقي بنظرات صديقه. ومع كل محاولة لإرخاء قبضته على القميص، كانت أصابعه تعود وتنكمش أكثر، وكأن نزع هذا القميص هو انتزاع آخر ما تبقى له من جدار حماية. مد إياد يده برفق، ملامسًا أصابعه المتصلبة، محاولًا أن يفكّها واحدة تلو الأخرى. لم يقل شيئًا، لكنه شعر بثقل كل ارتعاشة، وكأنها تحكي قصة لم يُسمح له بسماعها بعد. "أنا هنا… لن أؤذيك." قالها إياد ببطء، متعمدًا أن تمر كلماته كدفء خفيف في الأجواء الخانقة. لكن مالك، رغم الدوار الذي يزداد، شدّ قبضته مرة أخرى، رأسه يميل ببطء نحو كتف إياد، ليس اختيارًا، بل لأن قوته كانت تذوب من جسده قطرة بعد قطرة. بينما كانت أصابع إياد تحاول برفق فك قبضته عن القميص، كان عقل مالك يغلي بأفكار متشابكة، تتصادم كما تتصادم الأمواج في ليلة عاصفة. لا… لا يمكن… إن نزع هذا القميص، سيرى… سيرى ما لا يجب أن يراه أحد… شعر بقطرات العرق تنحدر من جبينه، لكنها لم تكن فقط من الحمى. كانت من الخوف. هذه الندوب… ليست مجرد علامات على جلدي… إنها تاريخي القذر، كل لحظة إذلال، كل ألم لم أنسه… إذا رآها، سيعرف… وسيبتعد… أحس بيد إياد الدافئة على أصابعه، لكنها لم تمنحه الأمان… بل ذكّرته بيد أخرى، بقبضة أخرى، أجبرته يومًا على الانكسار. قلبه بدأ يخفق أسرع، وكأن جسده يصرخ: احمه… اخفِه… لا تدع أحدًا يرى هذا الخراب. ازدادت قبضته على القماش حتى شعرت أصابعه بالخدر، وصوت داخلي يصرخ: القميص هو آخر جدار… إن سقط، سيسقط كل شيء. أحس بالدوار يشتد، وبثقل رأسه يميل رغمًا عنه، لكنه ظل يقاوم حتى آخر لحظة، يحاول أن يبقي ذلك الجدار بينه وبين نظرات إياد. توقف إياد لحظة، وهو يثبت نظره على ملامح مالك الشاحبة، يلتقط من ارتجاف أصابعه ورفضه القاطع أن الأمر أكبر بكثير من مجرد وعكة صحية أو حمى. في داخله كان صوت يقول بإلحاح: هناك ما يخفيه… شيء أعمق بكثير. لكن ضعف جسد مالك بدأ يغلبه، وحرارته المرتفعة جعلت حركته بطيئة ومرهقة. استغل إياد اللحظة، وأمسك بحافة القميص المبلل، ثم بحذر… وبقليل من القوة، حرر أصابع مالك منه. لم تكن هناك مقاومة قوية هذه المرة، فقط أنين خافت وحركة يائسة لشد القماش مجددًا. ببطء، سحب إياد القميص عن جسده… وفي اللحظة التي انكشف فيها الكتف والصدر، تجمد مكانه. عيناه اتسعتا، وكأن الهواء انقطع من حوله. كان جسد مالك خريطة من الندوب: خطوط طويلة ومتعرجة، آثار حروق متفرقة، وكدمات قديمة اندمجت ألوانها مع جلده. كتفه الأيسر عليه أثر عميق، كأنه جرح لم يلتئم تمامًا رغم مرور الزمن. حتى صدره وضلوعه لم يسلما، وفي بعض المواضع كان الجلد مشوهًا، شاهداً صامتًا على سنوات من العذاب. انكشفت الحقيقة فجأة أمام إياد: لهذا رفض الطبيب… لهذا لم يخلع القميص أبدًا… ولهذا تحمل حرارة الجو بكمّين طويلين ووشاح خانق. لم يكن الأمر مجرد عادة، بل درع يحمي أسراره من العيون. شعر إياد بمزيج من الغضب والحزن يتصاعد في صدره، غضب على من فعل هذا، وحزن على أن مالك عاش كل هذا وحده. نظر إلى صديقه، الذي كان يشيح بوجهه بعيدًا، عينيه مطأطئتين في الأرض، وكأنه يحاول أن يختبئ حتى بعدما انكشف كل شيء لم يحتج مالك أن يسمع من إياد حرفًا واحدًا… فالنظرة وحدها كانت كافية لتمزقه. عينان تتأرجحان بين صدمة غاضبة وشفقة جارحة، كأنهما مرآة كشفت كل ما حاول أن يدفنه. شعر بثقل الهواء يتضاعف، وكأن جدران الغرفة ضاقت عليه فجأة، وحبلًا غير مرئي يلتف حول صدره، يخنق كل نفس. ها هي اللحظة… اللحظة التي كنت أهرب منها، اللحظة التي يتصدّع فيها الجدار الذي بنيته من صمتٍ وجمود… ارتفع صدره وهبط في ارتجاف سريع، والحرارة في جسده اشتعلت، لكن ما كان يحرقه حقًا هو ذلك الشعور المذلّ بالانكشاف، بالعري أمام عينين تعرفان أكثر مما أراد. حاول أن يتكلم، أن يصرخ، أن يدفع إياد بعيدًا، لكن الكلمات ذابت في حلقه، ثقيلة كالرصاص. وبدلًا منها، سالت دموعه فجأة، حارقة، وكأنها تشق طريقها من قلبه قبل أن تصل إلى عينيه. مدّ يده نحو الوشاح الملقى بجانبه، متشبثًا بفكرة أن يختبئ ولو بشيء، لكن أصابعه كانت ترتجف بجنون، فسقط الوشاح أرضًا بصوت خافت لكنه بدا في أذنيه كصفعة. وكأن سقوطه إعلان هزيمة نهائي… هزيمة أمام ماضيه، أمام ضعفه، أمام نفسه. لم يتحمل جسده أكثر، فانحنى فجأة، كتفاه يثقلان بثقل سنوات من الألم، وظهره ينحني كغصن لم يعد يحتمل العاصفة. إياد ظل جامدًا لحظة، وكأن المشهد أمامه ضربه في قلبه هو أيضًا، ثم اندفع نحوه، وضمّه بقوة. ارتطم جسد مالك بصدره وكأنه يغرق ويتمسك بآخر قشة نجاة. لم يقاوم… لم يحاول أن يبتعد. فقط دفن وجهه في كتف إياد، وأنفاسه المقطوعة تختلط بنشيج مكتوم، فيما ارتجفت يداه كطفل تائه وجد حضنًا بعد ليل طويل من البرد. ثم… صمت. صمت ثقيل، لا يقطعه سوى ارتعاش أنفاسهما. لم يكن صمت راحة، بل صمت اعتراف، صمت انكسار. كان إياد يسمع دقات قلب مالك تتسارع تحت أذنه، كما لو أن قلبه يحاول القفز من بين ضلوعه هربًا من كل ما يحمله. وفي ذلك الصمت، انطلقت الصور في رأس مالك كشرر مشتعل: صرخة أخيه الأخيرة وسط ألسنة اللهب… يد أمه الممدودة وهي تُسحب بعيدًا… أنفاس أخته التي انقطعت فجأة، وسط برود الطبيب ولامبالاته… ذلك الحبل الذي شدّ حول معصميه يوم عُلّق في الظلام… واليد التي امتدت لتنقذه، ثم رحلت، تاركةً فراغًا أبرد من الموت. ضغط جفنيه أكثر، وكأن ظلام عينيه قادر على حجب كل ذلك، لكن الصور لم تتوقف، بل ازدادت وضوحًا حتى شعر أن صدره سينفجر. كم كنت أحمق… كم كنت أحمق حين صدقت أنني قادر على حمل هذا كله وحدي… تذكّر مالك اليد التي امتدت إليه، أنقذته في يومٍ قاتم، ثم رحلت فجأة، تاركة فراغًا لا يُحتمل. قفز قلبه من جديد، وخطر في ذهنه خوفٌ غريب: ماذا لو فقد إياد أيضًا؟ ماذا لو كانت هذه اللحظة الأخيرة التي يقف فيها إلى جانبه؟ حاول أن يبتعد، أن يترك حضن إياد ويواجه وحده ذكرياته المؤلمة، لكنه اكتشف أن دوارًا غريبًا يسري في رأسه، يثقل قدميه، ويجعله كمن تاه في ضباب لا يُفكك. إياد لاحظ ارتعاش جسده، ولم يتركه ينجو من نفسه. شدّ عليه بحنان وقوة، ومنعه من الابتعاد. نظر إليه بعينين لا تعرفان التردد، وصوتُه جاء حازمًا لكن ملؤه دفء مطمئن: "مهما كان ما يجول في ذهنك… مهما كانت مخاوفك… لن أتركك تبتعد." وقف مالك محتارًا بين خشيته من فقدان آخر من يهمه أمره، وبين دفء هذا الحضور الذي يرفض أن يتركه يسقط وحده. قلبه ارتجف، لكن شيئًا ما بداخله بدأ يخفف من ثقل الألم، رغم أنه لم يزحزح الجرح القديم. حتى انسكبت الدموع بلا توقف، وكأن كل جزءٍ من جسده يصرخ بما لم يستطع التعبير عنه طوال السنوات. شعر مالك بثقل الماضي كله ينهال عليه دفعة واحدة، كل الصرخات المكبوتة، كل الخيبات، كل الخوف والخذلان، كلها تتراكم في هذه اللحظة الواحدة. كان يتمنى أن يختفي، أن يذوب في حضن إياد، أن يختفي عن العالم الذي طالما جرحه، لكن في الوقت ذاته كان يشعر بالطمأنينة لأول مرة منذ زمن طويل. حضن إياد لم يكن مجرد دعم جسدي، بل كان رسالة صامتة تقول له: أنت لا تحمل وحدك ما يجتاح قلبك. بين ارتعاشات جسده وانكسارات صوته المكتومة، بدأ مالك يهمس بكلماتٍ قليلة، مبحوحة، تتخللها انقطاعات البكاء: "لم… أعد… أستطيع… كل هذا… وحدي…" لم يكن يريد أحدًا أن يسمع، لكنه كان بحاجة لأن يسمع نفسه يخرج ما بداخل قلبه. كل كلمة خرجت من جوفه كأنها حجر ثقيل يُرفع عن صدره. ظل مستندًا على صدر إياد، كل دمعة تتسرب كأنها جزء من ركام سنواته المكسورة، وكل ارتعاشة في جسده تقول بصوت أعلى مما تستطيع الكلمات قوله: أنا منكسر… أنا حزين… وأنا خائف… وفي تلك اللحظة، لم يعد الخوف من كشف ذاته وحده هو المسيطر، بل بدأ شعور خافت بالراحة يتسلل إلى روحه، شعور غريب لكنه مألوف: أنه ليس وحده بعد الآن… وأن هذا الألم، مهما كان كبيرًا، سيحمله شخصٌ آخر معه.