خيوط الانتقام - الفصل 22 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 22

الفصل 22

لم يكن في نية إياد أن يتأخر أكثر. منذ أن لاحظ غياب مالك عن المحل وغياب ردوده على اتصالاته، بدأت الهواجس تشتعل في صدره كألسنة نار، لا تهدأ ولا تخبو. وبين قلقه المتنامي وصمته الثقيل، لم يجد أمامه سوى أن يسلك الطريق نحو منزل صديقه، علّه يطمئن... أو على الأقل يفهم. وصل إلى المنزل بخطى متسارعة، أنفاسه تتقطع، وعيناه تجولان بين النوافذ المغلقة والستائر الثقيلة. حين وقف أمام الباب، وجده مواربا. لم يطرقه، بل دفعه ببطء، وصوت المفصلات القديمة أطلق صريرا خافتا بدا وكأنه صرخة في وجه السكون. "مالك؟" نادى بصوت خافت، لكنه لم يتلق جوابا. "مالك، أأنت هنا؟" صوته علا قليلا، يائسا أكثر منه متسائلا. تقدم أكثر، وقلبه يخفق بخوف لم يعهده. مر عبر الرواق المظلم كأنّ جدرانه تضيق عليه، حتى بلغ الغرفة التي تنبعث منها رائحة رطوبة خانقة ونسمة باردة غريبة. وحين دخل، كادت قدماه تتجمدان في مكانهما. كان مالك مستلقيا على الأرض، جسده ملتو بطريقة غير مريحة، كأن الألم أنهكه قبل أن يسقط. كان يلبس قميصا بأكمام طويلة، ملتصق بجسده المبلل، وشعره الأسود يتدلى على وجهه الشاحب. تقطعت أنفاس إياد، وارتمى على ركبتيه بجانب صديقه. "مالك! مالك!" هتف وهو يلمس جبينه. حرارة فظيعة! جسده كالجمر، ومع ذلك، كان يرتجف كمن يسكنه البرد. "مالك، أجبني!" هزه برفق، رأى عينيه تفتحان قليلا، نظرة تائهة، نصف وعي، ونصف كابوس. "سأتصل بالإسعاف فورًا!" قالها إياد وهو يخرج هاتفه المرتجف من جيبه، ضغط الرقم بعجلة، لكن قبل أن يكمل، أحس بيد باردة تلتف على معصمه. التفت بسرعة، ليجد مالك، رغم ضعفه، يمسكه بقوة غير متوقعة. "لا..." همس مالك بصوت بالكاد يسمع. "لا... تتصل..." "ما الذي تهذي به؟! حالتك خطيرة! حرارتك تكاد تحرق يدي!" "قلت لك... لا تتصل..." ضغط أكثر، ونظراته، رغم التعب، كانت ممتلئة برجاءٍ يائس. "مالك، إن لم أفعل، ستموت!" "اذا دعني اموت..." همس بصوت خافت، ثم أدار وجهه كأنّ التعب غلبه من جديد. تردد إياد، قلبه يتصارع بين خوفه من فقدان صديقه، وبين احترامه لرغبته الغريبة. لكنه لم ينس ملامحه، ولا الرعشة التي أصابته وهو يرى عينيه تلك، التي تشبه عيون المذنبين... لا المرضى. "مالك..." همس إياد، وصوته ينكسر. لم يردّ مالك. فقط ارتجافٌ خافت، وزفير ساخن يتقطع كأنّه اعتراف مؤجل. بقي إياد إلى جانبه، الهاتف في يده، والحيرة تلتهم صدره. ساد الغرفة صمت ثقيل، لم يكن يُقاس بالثواني، بل بثقل القلق الذي أطبق على صدر إياد وهو يراقب مالك يتلوّى بصمت. حرارة جسده، البلل الغريب الذي غمر ملابسه، النظرة الشاردة في عينيه، كل ذلك كان كافيًا ليشعل إنذارًا داخليًا في عقل إياد... لكن شيئًا آخر، شيء صغير، هو من فجّر ذلك الشعور الرهيب داخله. حين هم إياد بالنهوض ليجلب بطانية أو منشفة ما، وقعت عينه على طرف الغرفة… وعلى الأرض، على بعد خطوات، كانت سكين مطبخ صغيرة مرمية بطريقة عشوائية، وكأنها سقطت من يد مرتعشة أو رُميت في لحظة ارتباك. تجمّد إياد، وعيناه انتقلت سريعًا من السكين… إلى يد مالك اليُسرى، حيث ظهر جرحٌ طويل، غائر، محمرّ الحواف، كأنه نُكئ بعنف. تقدّم إياد بخطوات سريعة، جاثيًا بجانبه، رفع كمّ قميصه الطويل دون إذن، ليظهر الجرح كاملاً. لم يكن مجرد خدش… كان عميقًا، وكأن صاحبه أفرغ فيه شيئًا من روحه، لا مجرد دم. "يا إلهي..." تمتم إياد بصوت بالكاد خرج، "أنت... فعلت هذا بنفسك؟" لم يكن هناك حاجة لإجابة، فصمت مالك، ونظراته الزائغة، وانقباض أصابعه على نفسه… كانت كلها تؤكّد. اتّسعت عينا إياد، وازداد خفقان قلبه، وهو يقول بانفعال متصاعد: "مالك… لماذا؟ لماذا لم تخبرني؟ ما الذي تمر به؟ أنت تؤذِي نفسك ولا تريد حتى مساعدة؟!" مالك أغلق عينيه، وأدار وجهه بعيدًا، وكأن كلمات إياد كانت خناجر لا يملك طاقة لتلقّيها. "لأنك… لن تفهم، إياد. لا أحد سيفهم." "جربني!" قالها إياد وهو يمد يده يمسك بها كتف مالك بقوة، "لا تتركني أكتشف كل شيء متأخرًا… لا تجبرني أن أراك تُنهك نفسك وتكسر جسدك، بينما أنا أقف عاجزًا." ظل مالك على حاله، يرتجف بصمت، وأنفاسه ثقيلة كأنها تُخرج معه كل ما تبقّى فيه من قوة. لم يكن ردّه سوى همسة بالكاد تُسمع: "أنا… أستحقّ هذا الألم." كانت الجملة كافية لتجعل إياد يتراجع ببطء، مذهولًا، عاجزًا، والدم يتقاطر داخله بردًا ووجعًا. جلس إلى جانبه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم همس بنبرة مُختنقة: "حتى لو كنت ترى نفسك مستحقًا للعقاب… أنا لن أتركك تحترق وحدك، مالك." الصمت في الغرفة أصبح أخطر من أي صوت. حتى دقات القلب، وحتى تنفس الهواء، بدت وكأنها تنتظر وضع اياد يده مجددا على جبين مالك، فاحتدت حرارته وكادت أن تلهب يده. بقلق واضح قال: "مالك، عليك أن تسمح لي أن أتصل بالإسعاف… وضعك خطير جداً." نهض مالك بصعوبة، عيناه مغمضتان، لكنه رد بصوت مبحوح متقطع بين أنفاسه: "لا… لا أريد… لا أحتاج… أنا بخير… فقط… فقط دعني أرتاح." تكرر إياد محاولاته، صوته صار أشد إلحاحًا: "مالك، أنت تضعف… أنت بحاجة للمساعدة، لا يمكنك أن تستمر هكذا." تراجع مالك متكئًا على الحائط، وكأنّ كل حركة تؤلمه، ثم نظر إلى يده التي ترتجف بشكل واضح، جرح عميق يخطف أنفاسه، لكنه رفع يده المرتجفة ليمنع إياد: "لا، لا تتصل… لا أحد… لا أريدهم… أرجوك، دعني أتحكم في نفسي." عيون مالك الممتلئة بالألم والهلع تحاول إخفاء ضعفها خلف برودة مزيفة، لكنه كان ينهار داخليًا. كأنّ الخوف من فقدان السيطرة أعظم من الخوف من الموت نفسه، وهكذا ظل يرفض رغم تدهور حالته، متحديًا الجميع، متحديًا حتى جسده المنهك، يرسم حدودًا خفية بينه وبين النجدة التي يرفض أن يقبلها. إياد، مكسور القلب، لكنه مصمم، لم يكن ليتخلى، فهو يعلم أن هذه المعركة مع الذات هي الأصعب على الإطلاق. نهض إياد ببطء، تسللت إليه مشاعر القلق والرهبة، يحمل في قلبه ثقل الخوف على صديقه مالك. راقب خطواته المترددة وهو يحاول الابتعاد عنه ليتحرر من قبضته على قميصه، محاولًا الاتصال بالإسعاف، لكن مالك، رغم وهنه الشديد، نهض فجأة كجسد مثقل بالألم والضعف، وأمسك بمعصم إياد بيد مرتجفة، يردده بلهفة وصوتٍ مختنق: "أرجوك، لا تتصل... لا تدعهم يأتون..." تملكه ذاك الرجاء اليائس، في عينيه لمعة حزن عميقة، يرفض تسليم نفسه للمصير المحتوم، يخشى أن يكون الاتصال بالإسعاف بداية النهاية التي لا يريد مواجهتها. حاول إياد مرارًا أن يثنيه، بنبرة صارمة تمزجها الرقة، قائلاً: "مالك، أنت مريض، لا يمكنك الاستمرار هكذا... أنت بحاجة إلى مساعدة." لكن مالك كان ينهار أكثر فأكثر، حاول الاقتراب، لكنه لم يكد يثبت على قدميه، إذ انسلّ دوار مفاجئ وأوقعه أرضًا، فتهاوى بلا حول ولا قوة، مستسلمًا لعجزه. اندفع إياد بسرعة، استقبل جسده وهو يستند عليه بكل ما تبقى من قوة، وأمسك بيديه المرتجفتين وكأنه يتمسك بآخر ذرة أمل. قال بصوت متهدج، مُختنق بمشاعر الغضب والحزن: "لا تدعني أفقدك يا مالك... ارجوك." ظلّ ينظر إليه، يتأمل ملامحه المتعبة، وجهه الشاحب الذي يحكي قصص الألم، والتنفس المتقطع الذي يخبر عن صراع داخلي لا ينتهي. وسط هذا المشهد المؤلم، كان يعلم أن هذا الرفض للنجدة ليس سوى صراع بين الحياة والموت، وأن عليه أن يبقى صامدًا، صديقًا ورفيقًا، لعل الأمل يعود من جديد إلى مالك. اما مالك فانكسر كالغصن الهش تحت وطأة ثقل لا يُحتمل، وانهار على صدر إياد الذي احتضنه. كان جسده يغلي بحرارةٍ هائلة، تنبعث منه رُعشةٌ لا تتوقف، كأن لهبًا داخليًا يشتعل ولا ينطفئ. شعر إياد بحرارة مالك المشتعلة تنتقل إلى جلده، تكاد تحرق يده التي تمسك به، لكنه لم يخف، بل أرخى ذراعيه ليحفظه من السقوط، يحاول بث بعض الراحة في جسده المهزوز. رغم الحرارة التي تزداد وتزداد، كان مالك ينطق بصوتٍ مبحوحٍ متقطع بين أنفاسٍ متلاحقة: "أشعر... أن جمرًا يشتعل في صدري... لا أستطيع... لا أستطيع التنفس..." صوت بقايا قوته يختلط بأنين خافت، ويداه المرتعشتان تحاولان التمسك بما بقي من أمل. كلما زادت حرارة جسده، ازداد ارتجافه، وزادت رغبته في الاختباء داخل صدر إياد، وكأن حضنه هو الملاذ الأخير من حرارته التي تكاد تحرقه من الداخل. لم يكن انهيارًا عاديًا، بل كان انصهارًا بين ألم الجسد وتيه الروح، حيث اختلط العجز بالوجع، والخوف بالضعف، في تماهي مؤلم بينهما. إياد، وهو يحس بحرارة مالك المتصاعدة، لم يستطع سوى أن يتمسك به أكثر، ويهمس كلماتٍ لا تكاد تُسمع: "ابقَ معي، فقط...ارجوك...يجب ان يحضر طبيب." كان قلبه يتسارع، يتألم من حرارة صديقه وارتجافه، لكنه وقف ثابتًا كجدار صلب، يأوي مالك في أحلك لحظات انهياره. لم يكن في استطاعة مالك أن يخفي الضعف الذي تجلّى في كل حركة من حركاته، فقد أنهكه التعب حتى صارت أنفاسه تتقطع وتتنفس جسده بنهجان ثقيل. لكن رغم ذلك، كان رفضه للحضور الطبي قاطعًا، لا رجعة فيه. صوت إياد يرتجف وهو يحاول إقناعه: "مالك، لا تتحامل على نفسك أكثر من ذلك، يجب أن يأتي الطبيب، حالتك لا تحتمل التأخير." رفع مالك رأسه ببطء، عينيه الثاقبتان تملؤهما آلام لا توصف، وقال بنبرةٍ حادةٍ رغم الضعف: "لا... لا أريد الطبيب. لا حاجة له... لا يمكنني أن أتحمل أن يراني هكذا... لا يمكن أن يعرفوا ما في داخلي." تراجع إياد قليلاً، وهو يشعر بثقل كلماته التي اصطدمت بجدار الرفض القاسي. حاول مرة أخرى، صوته يملؤه القلق: "مالك، أنت تتعب كثيرًا، هذا ليس رفضًا، هذا خطر عليك... هل تريد أن تموت وحيدًا؟" تشبث مالك بالقميص الذي يرتديه إياد، وأمسك بيده المرتعشة بقوة غير متوقعة، وصوته كأنه همس يتخلله الرعب: "لا... لا يمكنني... لا أستطيع أن أسمح لهم... أرجوك، لا تجعلني أذهب إلى هناك." صارت حركاته أكثر ضعفًا، ورغم ذلك، ازداد إصراره على رفضه. كانت كلماته تُخرج من بين شفتيه متقطعة، كما لو كانت تقاتل آخر أنفاسه، لكنه كان مصرًا: "لن أذهب... لا… لا يمكن أن يعرفوا ما فعلته... لن أخونهم... ولن أذل نفسي أكثر...لا اريد ان يتكرر الخطا." تقلّصت عيناه متجهمتين، وجسدُه كاد أن ينكسر تحت وطأة الإرهاق، لكنه لم يزل متمسكًا برفضه، كأنه يقاتل شبحًا داخليًا لا يطيقه. وقف إياد أمامه، ينظر إلى وجهه المنهك، يرى كم هي عميقة الجروح التي يخفيها مالك، لكنه لم يجد إلا الصمت يرافقه. تنهد إياد ببطء، قائلاً بحنان يكاد يكسر قلبه: "حسنا يا مالك، فقط لا تترك نفسك تنهار. أنا هنا معك، لن أدعك تواجه هذا وحدك." وبينما مالك ينهار على صدره، أدرك إياد أن الرفض لم يكن مجرد خوف من المرض، بل خوفٌ أعمق من المواجهة مع ذاته التي تئن تحت وطأة الأسرار والندم.