الفصل 21
داخل مركز الشرطة، خيّم الصمت الثقيل على الغرفة التي جلس فيها المحقق كمال يتفحص أوراق الجريمة الجديدة. دخل أحد الضباط مسرعًا، يحمل ملفًا في يده وصوت خطواته يعكس التوتر الواضح.
قال وهو يمد الملف للمحقق:
"سيدي... تم العثور على جثة رجل محترقة بالكامل في أحد الأحياء المهجورة. تقرير الطب الشرعي الأولي يقول إن الحريق متعمد."
رفع كمال نظره نحوه بحدة:
"معلومات الضحية؟"
"رجل خمسيني، سجله مليء بالسوابق... كان متهما سابقا في قضايا عنف... ويبدو أنه أخو أحد ضحايا قضية قديمة، لكنها أغلقت."
صمت كمال لثوان، ثم سأله بهدوء مشوب بالتركيز:
"وهل هناك شهود؟ كاميرات؟"
هز الضابط رأسه:
"لا شيء. تم كل شيء بدقة وبلا أثر... كما في الجريمة الأولى."
كمال وهو يفتح ملفا آخر بجانبه:
"جثة الرجل الآخر... الذي قال الطبيب إنها سكتة قلبية... راجعت تقريره أمس. شيء ما لم يكن مريحا فيه. موت مفاجئ، بلا سوابق مرضية حقيقية... ولا أي علامات تدل على أزمة قلبية حقيقية."
أطرق برأسه قليلاً، ثم رفعه:
"هات لي تقرير التشريح الكامل. وأبلغ الطب الشرعي... نعيد فتح القضية."
تبادل النظرات مع الضابط للحظة، ثم أضاف بصوت منخفض كمن يحدث نفسه:
"القاتل لا يترك عبثا خلفه... لكنه أيضا لا يكتفي."
في غرفة التحقيق، خريطة كبيرة معلقة على الجدار، محاطة بصور الضحايا وخيوط حمراء تربط بينها. كان المحقق كمال واقفا أمامها، ذراعه مشدودتان خلف ظهره وعيناه تحدقان في تفاصيلها كأنما يبحث عن ندبة في الزمن.
دخلت المحققة مريم، وهي تحمل بضع أوراق مطبوعة، وقالت:
"راجعنا تسجيلات الكاميرات القريبة من مكان الجريمة الأولى والثالثة... لا شيء. لا ظل، لا حركة مشبوهة. كأن القاتل شبح."
زمّ كمال شفتيه وقال:
"وشيء آخر مشترك؟ دوافع؟ علاقة مباشرة بين الضحايا؟"
هزت رأسها:
"لا صلة مباشرة... الضحية الأولى معروف بتاريخه العنيف، والثالث معروف بقسوته وسوء معاملته لأولاده. كلاهما مكروه من محيطه كما علمنا سابقا لا جديد، ولا يوجد رابط صريح."
اقترب المحقق من المكتب، وقلب الملفات أمامه بعصبية واضحة. قال بصوت منخفض يشوبه الغضب:
"في كل مرة نعتقد أننا اقتربنا من الإجابة، نجد أنفسنا نعود لنقطة الصفر. لا دليل، لا بصمة، لا شهود. القاتل يخطط بدقة... ويعرف كيف يهرب."
صمتت مريم للحظة ثم قالت بشيء من التردد:
"سيدي... هل من الممكن أن يكون هذا... انتقاما؟"
نظر إليها كمال ببطء، ثم أشار إلى الأوراق وقال:
"إذا كان انتقاما، فنحن أمام شخص لا ينتقم من شخص واحد، بل من حياة كاملة... ونحن لا نملك سوى الظلال."