خيوط الانتقام - الفصل 19 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 19

الفصل 19

المشهد – ما بعد الجريمة الأخيرة: عاد مالك إلى المنزل متأخرا… أغلق الباب خلفه، وأسند جبهته عليه طويلا. يبدو وكأن الجدران أصبحت أضيق من ذي قبل، وكأن السقف يوشك أن يسقط عليه. مشا ببطء، حافي القدمين، صامتا… خلع معطفه، وضعه فوق الكرسي، ثم جلس على الأرض بدلًا من السرير. مرت دقائق دون أن يتحرك، عيناه تحدقان في لا شيء… ثم فجأة، شهق شهقة قصيرة، كأن صدره انكسر من الداخل، ودفن وجهه بين يديه. ارتعاش خفيف بدأ في يديه… تبعه صوت بكاء مكتوم. ليس بكاء ندم، ولا رحمة… بل بكاء من لم يعد يعرف إن كان حيًا، أم ميتًا منذ زمن. رفع رأسه فجأة، وصرخ… صرخة واحدة، كسرت السكون، حادة، قصيرة، مخنوقة بالألم. ثم سقط على جانبه، جسده يهتز، يتلوى، يتنفس بصعوبة. القلادة التي كانت في جيبه سقطت على الأرض… نظر إليها. همس بصوت يكاد لا يسمع: "سامحوني… كنت ضعيفا… كنت صغيرا… كنت وحدي." تخيل ظل أخيه يحترق، تخيل أمه وهي تتوسل، تخيل أخته تتألم وحدها… تخيل نفسه، ذاك الطفل، محبوس في العتمة، في الصمت، في الدم. ثم تخيل من انقذه ورحل ضرب الأرض بيده. ضربها ثانية، وثالثة، ثم جثا على ركبتيه يلهث. "لماذا لم انقذهم؟! لماذا؟!" صمت… ثم فجأة، سحب سكينا كان تحت الطاولة، وجهه انعكس على نصله… لكنه لم يعد يعرف من هو. يده ارتجفت، اقتربت من رقبته، ثم تراجعت… ببطء، سقط السكين من يده. جثا أرضا، وكل ما تبقى فيه… انهار. كان الظلام قد استقر في أركان البيت، والصمت أثقل من أن يحتمل. جلس مالك على الأرض، قرب الحائط البارد، ويداه متشابكتان بين ركبتيه، وعيناه متسعتان كأنهما تريانهما… وجوههم. الذين قتلهم. وقفوا أمامه… في أماكن متفرقة من الغرفة، بلا حراك، وجوههم باهتة، تنزف دماء وهم يحدقون فيه بصمت مرعب. شهق مالك، حاول أن ينهض، لكن ساقيه لم تسعفاه. تراجع زحفا إلى الخلف، وهم يقتربون. "ابتعدوا… أنا… لم أكن أملك خيارا…انتم سبب" لكن لا أحد منهم نطق. صمتهم كان أشد قسوة من أي صراخ. ثم نظر إلى يديه… فوجئ بهما مغطاتين بالدم، كأن لحم الجريمة قد التصق بجلده. أطلق صرخة مفزعة، وقف مسرعا، واندفع نحو الحمام. فتح صنبور الماء بأقصى قوته، وبدأ يغسل يديه بجنون. فرك… فرك… فرك… حتى احمر الجلد. لكن الدم لا يزول. في عينيه، كان الماء يتحول إلى أحمر، والدم يزداد رغم محاولاته المحمومة. "لاااا… يجب أن يزول… يجب أن يزول!" بأظافره، بدأ يخدش راحتيه… ببطء أولًا، ثم بعنف متزايد، حتى انغرست أظافره في الجلد ومزقته. جرح عميق انفتح، والدم الحقيقي بدأ ينزف هذه المرة. توقف فجأة… نظر إلى الجرح، إلى الدم الحقيقي، ثم ضحك… ضحكة متكسرة، مشوهة، ممزوجة بالبكاء. جلس على الأرض، يداه ترتعشان، والدم يقطر منهما. "إنه لا يزول… لا من يدي… ولا من داخلي…" ظل جالسا على الأرض، يحدق في الدم الذي يسيل من يده… لا يحاول إيقافه، لا يفكر في ضماده، كأن الألم الجسدي صار أهون من صدى الصراخ في رأسه. نهض بتثاقل، كأن جسده أثقل من أن يُحمل، مشى بخطى غير متزنة نحو باب الحمام، وأغلق الباب  ببطء، كأنه يحبس نفسه عن العالم… أو عن شيء داخله. فتح صنبور الدش، فاندفع الماء باردا، قاسيا، لكنّه لم يبال… لم يخلع ثيابه… دخل كما هو، بجراحه، بدمه، بهمه. الماء البارد اخترق القماش والتصق بجلده، ارتجف، لكنه لم يتحرك. أسند جبهته إلى البلاط، والماء ينهمر فوق رأسه. صوت قطراته القاسية فوق جسده اختلط بأنفاسه المتقطعة. صوته الوحيد في ذلك المكان… شهقات خافتة، ممتزجة ببكاء مكتوم… كأنّ شيئًا فيه يتحطم بصمت. "اصمت… اصمت… اصمت…" همس لنفسه، يضغط بأصابعه على صدغيه. لكن الصرخات لم تختف من رأسه، ولا الصور، ولا الدم، ولا نظراتهم الأخيرة. ظل تحت الماء حتى لم يعد يشعر بشيء، لا ببرد، ولا بحرارة، وكأن جسده لم يعد يخصه. اغلق صنبور وخرج من الحمام بخطى واهنة، مبللا من رأسه حتى قدميه، والماء يقطر من ثيابه ويترك أثرا خلفه في الممر... لكنه لم يلتفت، لم ينظر، كأنه يفر من مرآة لا يطيق رؤيتها. دلف إلى غرفته، والبرودة تعض أطرافه، جلس على طرف السرير، ثم انزلق ببطء كأن السرير يبتلعه. أسند ظهره إلى الجدار، ورفع ركبتيه إلى صدره، يعانقهما بذراعيه المرتجفتين. عيناه مفتوحتان، لكنهما فارغتان، ترتعش شفتاه دون صوت… كأن الصمت هو صراخه الوحيد. الظلمة تحيط به، وأصوات خافتة لا يسمعها سواه بدأت تهمس في رأسه. وجوه مرت، ثم تثبتت، ابتسامات ماتت، دماء تنزف، جمل قيلت في آخر لحظات، وسؤال لا يفارقه: "هل تغيرت… أم أنني كنت دوما هكذا؟" رفع يده، ونظر إلى أصابعه… تخيلها ما تزال ملطخة بالدم، رغم أن الماء البارد غمرها طويلا. شد قبضته فجأة، ثم صرخ داخليا، دون صوت، ثم همس لنفسه بصوت أجش: "لا تنكسر… لا ليس الآن." لكن جسده لا يطيع… ارتجافة باردة أخرى سرت فيه، عيناه بدأت تغرقان، لكن الدموع أبت أن تسقط. لم يكن يعرف من ينتصر… ألمه؟ أم ذنبه؟ لكنّه، في تلك الليلة، لم يعد مالك الذي يعرفه أحد. تقدَّم بخطى متثاقلة نحو سريره، بالكاد يحمل جسده المتعب، كأن الأرض تثقل عليه شيئًا فشيئًا. جلس على ركبتيه، ووضع يديه المرتجفتين على وجهه، يحاول أن يهدئ العاصفة التي تعصف في صدره، أن يلتقط أنفاسه، أن يقنع نفسه أن كل ما يراه ويسمعه ليس إلا خيالات. همس بصوت مبحوح: "تماسك… يجب أن أتماسك… لا يحق لي أن أنهار الآن…ابدا." لكن الكلمات كانت خاوية، لا سند فيها ولا دفء. كانت أشبه بمحاولة يائسة لإصلاح كسر عميق بشريط لاصق رخيص. وفجأة، انفلتت أنفاسه من صدره كأنها تنهيدة مختنقة، وتسارعت ضربات قلبه حتى كادت تصم أذنيه. ضغط على رأسه بكلتا يديه، وأغمض عينيه بقوة، لكن الصور لم ترحل… الوجوه، الصرخات، الدم… كلها تهاجمه بلا رحمة. تمايل جسده إلى الأمام، ثم إلى الجانب… ثم فقد التوازن. سقط أرضًا. سقط كأن جسده لم يعد يحتمل ثقله، كأن كل ما فيه انهار دفعة واحدة. ارتطم كتفه بأرض الغرفة، ويده امتدت تلقائيًا لتتشبث بشيء… لكن لا شيء كان هناك. لا جدار، لا أمان، لا شيء. استلقى على جانبه، وارتجف. بدأ صدره يهتز بنشيج خافت، لا صوت له سوى الوجع العالق في صدره. لم يكن بكاء… بل انهيارا صامتا، موجعا، كأن جدرانه الداخلية تتداعى لبنة لبنة. رمى بصره إلى السقف، عيناه زجاجيتان، لا تدمعان، فقط تسبحان في فراغ لا يحتمل. كل ما فيه يصرخ، لكن الصرخة محبوسة في داخله، خانقة، تأبى الخروج. همس من بين شفتين مرتجفتين: "أنا… تائه… غارق… ولا يوجد مخرج." وسكنت الغرفة من حوله… إلا من أنفاسه المكسورة.