خيوط الانتقام - الفصل 17 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 17

الفصل 17

في صبيحة اليوم التالي… أشرقت الشمس بخفوت، كأنها تواطأت مع المدينة في كآبتها. فتح مالك باب المحل بصمت، دخله كمن يحمل على كتفيه عبء أعوام، لا مجرد يوم. كان وجهه شاحبًا، متعب الملامح، كأن النوم قد خاصمه طويلًا، وترك آثاره جليّة تحت عينيه. بدأ يومه كعادته، إلا أن كل حركة منه كانت متثاقلة، وكل نظرة شاردة، وكل تنهيدة مخنوقة. يداه ارتجفتا حين أمسك بزجاجة العطر ليضعها على الرف، وكادت تسقط منه لولا أنه تداركها في اللحظة الأخيرة. دخل إياد بعده بقليل، وما إن وقعت عيناه على مالك، حتى توقّف لحظة في مكانه، متفحصًا صديقه في صمت. اقترب منه، وقال بهدوء: "مالك… تبدو متعبًا، هل نمت ليلتك؟" هزّ مالك كتفيه بإهمال، دون أن يلتفت: "لم أذق النوم، لا شيء يدعو للقلق." لكن صوته كان أجوف، واهن النبرة، كأن الكلمات نفسها تخرج من قاع روحه المنهكة. على مدار اليوم، لاحظ إياد كل شيء… صمت مالك المبالغ، نظراته الشاردة، طريقته الغريبة في الرد على الزبائن، وحتى ابتسامته هو لم يكن يبتسم ولكن اليوم ابتسم وبدت متكلفة، واهنة، كأنها مرسومة على وجه لا يعنيها. بل إن بعض الزبائن لم يخفوا ملاحظاتهم: "مالك… تبدو شاحبًا هذا الصباح، هل أنت بخير؟" "وجهك مرهق، لعلك مريض؟" وكان كل ما يقوله هو: "بعض الأرق، لا شيء أكثر." لكن لا أحد صدّقه، لا الزبائن، ولا إياد. فجسده كان يصرخ بالتعب، وعيناه كانتا تعجّان بصور لم ترو بعد. أما إياد، فكان القلق ينهش صدره ببطء. لم يعد ما يراه في صديقه يشبه التعب العابر… بل بدا كمن ينهار بصمت، قطعة بعد قطعة. مرت ساعات اليوم ببطء خانق. ورغم محاولات مالك لأن يبدو طبيعيا، كان جسده يخذله بين الحين والآخر. وفي لحظة خفية، بينما كان يمد يده ليرفع علبة صغيرة من على الرف العلوي، فقد توازنه للحظة، واهتزت العلبة بين يديه، فسقطت أرضا وانفتح غطاؤها، وتناثر ما بداخلها. انتبه إياد بسرعة، وركض نحوه. "مالك!" أمسكه من ذراعه قبل أن يفقد توازنه تماما، ثم انحنى ليجمع محتويات العلبة. لكن ما كان يشغل باله أكثر من العلبة، هو يدي مالك المرتجفتين… وبرودة جلده التي شعر بها حين لمسه. رفع إياد رأسه نحوه، وحدّق في وجهه مباشرة، وقد ضاق صدره: "مالك… هذا ليس أرقا. أنت متعب أكثر مما تقول." لم يرد مالك، واكتفى بالنظر إليه لحظة ثم صرف بصره. التقط العلبة من الأرض، وأعاد ترتيب ما تناثر، وهمس بصوت خافت: "كل ما في الأمر أنني لم أعتد النوم مؤخرا… جسدي يحتاج لبعض الوقت ليتأقلم." لكن إياد لم يقتنع. اقترب منه خطوة إضافية، نبرة صوته ازدادت جدية: "مالك، أنا أراك كل يوم، وأعرف متى تتظاهر. منذ متى وانت تبتسم للزبائن، جسدك يرتعش، ووجهك يذبل… حتى صوتك تغير." ثم صمت لحظة، وغمغم: "إذا كان هناك شيء تخفيه عني… فقط أخبرني. لا أريد أن أقف متفرجا عليك وأنت تنهار." توقف مالك عن الحركة، ظل محدقا في الرف دون أن يرد، كأن كلمات إياد اخترقت جدار الصمت داخله، لكنه لم يسمح لها أن تدخل. ثم، بهدوء مبالغ، قال: "أنا لا أنهار، إياد… أنا فقط أُعيد ترتيب فوضى جسدي." ابتسم ابتسامة باهتة، ثم انصرف نحو الزبون الذي دخل لتوه، تاركا إياد في موضعه، بنظرات قلقة لم تشبعها تلك الكلمات القليلة. انحسر ضوء النهار رويدًا رويدًا، وتحول الشارع أمام المحل إلى لوحة هادئة تكسوها ظلال الغروب. أنهى مالك آخر تفاصيل يومه، يضع أدواته بعناية مع ابتسامة باهتة لم تستطع إخفاء التعب العميق الذي طال وجهه. وقف إياد بجانبه، ينظر إليه بنظرات ملؤها القلق والتساؤل، لكنه احترم صمت مالك ولم يجرؤ على إزعاجه بالكلمات هذه المرة. أطفأ مالك الأضواء، وأغلق الباب ببطء، كأنّه يودع عالمًا متعبًا لا يريد العودة إليه. تبع إياد خطواته، وخرج الاثنان إلى الطريق المتجه نحو منازلهما. كان الهواء باردا قليلا، محملا برائحة المساء، ولكن لا أحد منهما نطق كلمة. سارت خطواتهما ببطء، وكان صمت الليل أثقل من أي حديث. إياد يراقب صديقه بحذر، يحاول قراءة ما وراء تلك الجدران الصامتة التي أغلقها مالك حول نفسه. وعلى الرغم من كل ذلك، ظل الأمل يلوح في قلبه، أن مالك سيجد القوة ليواجه ما يؤرقه، وأن هذا الصمت لن يطول. وفي قلب كل خطوة، كانت هناك دعوة صامتة للنجاة… لكنها دعوة لم يجب عليها مالك بعد.