الفصل 16
في عمق الليل، والبيت غارق في السكون، كان مالك ممدّدًا على السرير، لا ينام… بل يختنق من الداخل.
عتمة الغرفة بدت أثقل من المعتاد، كأنها تتنفس معه… وتضغط على صدره.
أغمض عينيه.
مجبرًا، لا راغبًا.
تسللت همسات خافتة إلى أذنه، ناعمة كأنها نسيم، لكنها حملت شيئًا كريهًا، غامضًا.
صوت امرأة.
"مالك..."
ثم بكاء خافت، ناعم… كأنه صادر عن طفلة.
ارتعشت أطرافه، لكنه لم يفتح عينيه، جسده متجمّد، والظلام خلف جفنيه صار أكثر وحشية.
صوت خطوات…
خفيفة، غير منتظمة، كأن أحدهم يزحف على الأرض.
ثم ضحكة صغيرة، بريئة، لكن مشوّهة، فيها شيء من الألم.
"كنتَ تضحك، مالك… تتذكّر؟"
فُتحت عيناه، لكنه لم يرَ الغرفة.
بل رأى نفسه واقفًا في ممرّ ضيق، الجدران متصدّعة، والأبواب مغلقة، وكل باب خلفه حكاية لا يريد تذكّرها.
ثم…
انفتح باب في نهاية الممر، خرج منه دخان أسود، وأصوات همسات متقطعة.
وقف هناك.
وفي الظلّ... ظهرت هي.
امرأة بعباءة رمادية، شعرها مبلّل، عيناها دامعتان، تنظر إليه بنظرة كأنها تُعاتبه دون صوت.
اقتربت خطوة… وخطوة… ثم رفعت يدها وأشارت إلى صدره.
قالت:
"كنتَ هناك، ولم تمنعهم."
ثم اختفت.
تجمّدت أنفاسه، لم يقدر أن يصرخ.
تسلّل ظلّ جديد من الجدار.
صبي صغير، عاري القدمين، يحمل بين يديه علبة كبريت.
وجهه محترق جزئيًا، لكنه يبتسم له.
قال:
"أردت أن تجرب، اليس كذلك؟"
ثم أشعل عود الكبريت… والغرفة احترقت دفعة واحدة، جدرانها تشتعل، وأصوات صراخ تُسمع من كل جهة.
مالك سقط على الأرض، يزحف، يصرخ، يضع يديه على أذنيه… لكن الصراخ أقرب من أن يُمنع.
رأى ظلاً لأنثى صغيرة تجلس في الزاوية، رأسها مائل، وجهها لا يرى… لكنها تغني أغنية طفولية مشوهة، لحنها مشروخ.
قالت فجأة بصوت بالغ:
"لو لم تتركنا... لنجونا."
استفاق مالك وهو جالس، يده تضغط على قلبه بقوة، عرقه يغمر جبينه، أنفاسه متقطعة.
الجدران كانت كما هي.
الغرفة كما تركها.
لكن داخله... محترق.
وقف، لم يجد نفسه في نفسه.
مشا نحو الحائط، ضربه بكفه المفتوحة، مرة، مرتين، ثم تراجع، جلس أرضًا، وغطّى وجهه بكفيه.
لم يبكِ.
لم يصرخ.
لم يتكلم.
فقط… جلس هناك.
وكأنّ الكوابيس تركت ظلالها داخله، ولن تخرج.
ظل جالسًا على الأرض، ظهره مسنود للجدار، ووجهه بين كفيه.
أنفاسه بدأت تهدأ… شيئًا فشيئًا.
مرّت لحظات، قبل أن يهمس بصوت خافت، أقرب للرجاء منه للاعتقاد:
"مجرد كابوس… مجرد كابوس، مالك...انها اوهام كابوس فقط."
رفع رأسه ببطء، عيناه متورمتان، ووجهه شاحب كأن الدم غادره.
نظر إلى الغرفة… لا دخان، لا أصوات، لا ظلال.
الحقيقة الوحيدة: الظلام، وصوت ساعته القديمة التي لا تتوقف عن العدّ، كأنها تذكّره أن الوقت لا يرحمه.
نهض بصعوبة، كأن جسده يرفض الطاعة.
اتجه الى الحمام واقترب من المغسلة، فتح الماء البارد، وغسل وجهه بقوة.
ظل يكرر الحركة، مرارًا، إلى أن خدرته برودة الماء… أو ربما هربت أفكاره لحظات.
نظر حوله… نظرة طويلة، يائسة.
ثم تمتم:
"أنا بخير... انه مجرد حلم."
"حلم، ولن يعود اجل لن يعود"
لكن عينيه خانتاه… ظل فيهما ذاك الوميض المرتعش، ذاك الشكّ، أن شيئًا ما عاد يتحرك بداخله، شيء كان يعتقد أنه دفنه من سنين.
عاد الى الغرفة وجلس على حافة السرير، أخد نفسًا عميقا، وراح يربّت على فخذيه كأنه يواسي نفسه، أو يقنعها بالبقاء.
ثم رفع بصره نحو السقف، وتمتم:
"ليس وقت الانهيار...ليس الان."