خيوط الانتقام - الفصل 14 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 14

الفصل 14

مقر الشرطة – غرفة التحقيقات. كانت الملفات مبعثرة على الطاولة، صور الجثة الأخيرة موضوعة بجانب صور لجرائم سابقة، لكن شيئًا ما كان مختلفًا… مختلفًا إلى درجة مربكة. وقف المحقق كمال، رجل في الخمسينات من عمره، بعينين مرهقتين من السنوات التي قضاها في مطاردة القتلة، يُقلّب الصور واحدة تلو الأخرى. قال وهو يشير إلى صورة الجثة الأخيرة: – "طريقة القتل هنا ليست مجرد تصفية… هذا الشخص كان… يستمتع." ردّ عليه مساعده الشاب، وهو يحاول أن يُظهر الحزم: – "لكن يا سيدي، هناك تشابه بسيط في زاوية الطعن… وفي أسلوب تقطيع البطن… قد يكون نفس الفاعل." هز كمال رأسه ببطء، ثم قال وهو يجلس بثقل: – "التشابه لا يكفي. الجرائم السابقة كانت نظيفة. طعنات سريعة، من دون تمثيل بالجثة، وكأن القاتل كان يُنفّذ مهمة… أما هنا؟" أشار بإصبعه إلى صورة الجثة، وأضاف: – "هنا... الألم مقصود. الألم هو الهدف." سادت لحظة صمت مشحونة بالتوتر. ثم دخلت الرائد نسرين، تحمل ملفًا جديدًا بين يديها، وقالت وهي تنظر إلى الجميع: – "تقرير الطبيب الشرعي وصل. الضحية توفي بعد دقائق طويلة من التعذيب، ولم يفقد وعيه إلا في اللحظة الأخيرة." أضافت بنبرة متوترة: – "الجثة نظيفة من أي بصمات. القاتل لم يترك خلفه شيئًا… كأنه شبح." همهم كمال وقال: – "أو كأنه محترف يعرف جيدًا ما يفعله… ويعرف كيف يَمحُو أثاره." أردف: – "والأهم… أنه لا يترك نمطًا ثابتًا. يغيّر طريقته كل مرة، ويأخذ وقته… هذا يجعلنا في نقطة الصفر مع كل ضحية." نسرين حاولت أن تتمسك ببصيص أمل: – "لكن لماذا يفعل هذا؟ ما الهدف؟" كمال نظر إليها بعينين جامدتين، ثم قال بصوت منخفض كأنه يتحدث إلى نفسه: – "أحيانًا… لا يفعلونها للقتل… بل للتنفيس عن شيء أقدم… وأعمق من أن نفهمه." سكت لحظة، ثم تابع وهو ينظر إلى الصور: – "ربما هذا القاتل لا يبحث عن ضحاياه فقط… بل عن نفسه." مكتب المحقق كمال – مساءً. كان الضوء الخافت ينعكس على جدران الغرفة، وصوت الساعة على الجدار يقطّع الصمت بدقات منتظمة. جلس كمال وحده، أمامه فنجان قهوة لم يمسّه، وعيناه مشدودتان إلى صور الضحية الأخيرة. أخرج من درج مكتبه دفترًا صغيرًا، فتحه على صفحة جديدة، وكتب في أعلاها: "القاتل – ملامح أولية" ثم بدأ يحدث نفسه بصوت خافت وهو يدون: – "لا يقتل من أجل المال… الضحايا لا يسرق منهم شيء." – "ولا يقتل بعشوائية… يختارهم." توقّف لحظة، حدق في الصورة التي تظهر الضحية ممزقًا من الصدر حتى البطن، ثم تمتم: – "هذا النوع من التمثيل… لا يصدر عن شخص عادي." أضاف في الدفتر: "شخص يعرف الألم… عاشه… تشرّب تفاصيله." نهض من كرسيه، وبدأ يتمشى داخل المكتب، يمرر يده على وجهه، ثم قال بصوت متوتر: – "أغلب القتلة المحترفين ينهون الضحية بسرعة. أما هو؟ هو يتلذذ بتلك اللحظات... كأنه يفرغ شحنة ماضيه على أجسادهم." عاد إلى المكتب، جلس، وكتب: "انتقامي. متعلق بالماضي. الضحية ليست الهدف… بل تمثيل الدور." ثم أضاف، بعد لحظة تفكير: "يحمل حقدا عميقا… موجها. هذا ليس جنونا عابرا، بل خطة." فتح أحد الملفات القديمة، تطلّع في الجريمة السابقة، وبدأ يقارنها بهذه: – "أغلب الضحايا رجال في منتصف العمر… وربما بينهم قاسم مشترك لم نكتشفه بعد." أغمض عينيه، تنفّس ببطء، ثم قال: – "ما يُخيفني ليس ما فعله… بل ما قد يفعله لاحقًا." دون في أسفل الصفحة: "إذا لم نوقفه… سيتحول إلى ظل يطارد المدينة… وسيتقن إخفاءه حتى النهاية." جلس المحقق كمال في مكتبه، تتراكم أمامه تقارير التشريح ومحاضر التحقيق، لكنه لم يكن يقرأها بقدر ما كان يحدق فيها، كأنّه يبحث بين السطور عن روح القاتل التي اختبأت خلف تفاصيل الجريمة. تنفّس بعمق، ثم دون على ورقة بيضاء: "الضحية الأولى: خمسيني... متزوج... ماضٍ مليء بالعنف، طُرد من منزله مراراً من قبل زوجته، لكن لم تسجل أي شكوى رسمية. عنف صامت خلف الجدران، ضحية كانت في وقتٍ ما جلادا." انتقل إلى الملف الثاني: "الضحية الثالثة: خمسيني، أرمل... أولاده هجروه منذ سنوات... يُقال إنه كان قاسيًا، متسلّطًا، عنيفًا... لا أصدقاء، لا زيارات، لا حب في حياته... فقط بقايا بيت خالٍ من الدفء." أغلق الملفين بقوة خفيفة، وأسند ظهره إلى الكرسي، يربت بأصابعه على المكتب وهو يهمس: "القاسم المشترك؟ العنف. كلاهما عرف بقسوته. لكن القاتل لم يكتف بالقتل، بل قدّم عرضا من الوحشية... كأنّه ينتقم... كأنّه يحاكمهم على أفعالهم." "حتى الضحية الثانية عرف بماضيه القذر لكن حسب التقرير مات بسكتة قلبية، هل يعقل انه سبب في موته؟." وقف وتوجّه نحو اللوح المثبت على الجدار، حيث صور الضحايا ومواقع الجريمة، خطوط حمراء تربط بين العناصر، لكنها لا تشكل بعد أي صورة واضحة. "الطريقة؟ مختلفة، لكنها متقنة. ذكية، مدروسة... دم بارد... لكن فيه ألم. ألم واضح. القاتل يُعاني... يعرفهم؟ أو ربما... يشبههم؟" قرر كمال في النهاية أن يطلب مقابلة أقارب الضحيتين الاولى والثالثة فقط. تنقّل بين بيوت مهجورة من الدفء، وجد زوجة الضحية الأولى التي لم ترد قول شيء سوى: "من عاش حياة عنف، لا يموت بسلام." أما أولاد الضحية الثالثة، فرفضوا الحديث بادئ الأمر، قبل أن يُصرّح أحدهم بجفاف: "ما دمت تبحث عن من قتله، فابحث أولًا عن من قَتل فينا الطفولة." عاد كمال إلى مكتبه، خالي الوفاض من المعلومات، لكنه ممتلئ بالأسئلة. نظر إلى الورقة البيضاء مجددًا، ثم كتب في أسفلها بخط متوتر: "القاتل لا يقتل عبثا... القاتل يحكم... القاتل عاش شيئا يشبه ما فعلوه."