خيوط الانتقام - الفصل 8 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 8

الفصل 8

صباح اليوم التالي – أمام محل العطور والأعشاب الشمس لم تكن قد ارتفعت تمامًا، والطرقات ما زالت شبه خالية. إياد لم يعتد أن يأتي بهذه الباكرة، لكن شيئًا ما في صدره لم يمنحه راحة، وكأن صورة مالك البارحة ظلّت تحاصره حتى في نومه القلق. وقف أمام المحل المغلق، ألقى نظرة على الباب الحديدي وكأنّه يتأكد أنه ما يزال هناك. أخرج مفاتيحه، فتحه بخفة، ودخل بهدوء. كان المكان ساكنًا، برائحة الأعشاب المعتادة، لكن الجوّ مختلف... خانق. اقترب من الطاولة التي اعتاد مالك الجلوس إليها، لمس الكرسي بيده، ثم جلس. عقله يعيد شريط الأمس… النظرة في وجه مالك، التغيّر المفاجئ، ارتباكه، إغلاقه للمحل دون كلمة. همس بصوت خافت: — "ما الذي يحدث معك يا مالك؟" عينيه تجوّلت في المكان… كل شيء في مكانه، لكن الشعور الذي يملأ قلبه لا يزول. بعد دقائق، سمع خطوات تقترب من الخارج. نهض بسرعة، متوقعًا مالك. فتح الباب، فإذا به يراه… مالك، بملامح باردة، كما عهدها دومًا، لكن إياد… رأى ما خلف العيون. — "صباح الخير،" قالها مالك بصوته الرتيب المعتاد. ردّ إياد، لكن بصوت يحمل نبرة حذرة: — "أنت بخير؟" مالك لم يُجب مباشرة، أومأ برأسه فقط، ثم تجاوز إياد ودخل، بدأ يفتح النوافذ ويُرتب المكان بصمت. إياد ظل يراقبه، ثم اقترب ببطء، وقال: — "مالك… أنا أعرفك. البارحة لم تكن بخير، واليوم… حتى صمتك يصرخ." مالك توقف لحظة، يده معلقة في الهواء وهو يمسح الغبار عن أحد الرفوف، ثم قال بهدوء: — "أحيانًا، الصمت دواء يا إياد." إياد قطّب حاجبيه: — "وأحيانًا يكون سمًّا." ابتسم مالك، دون أن ينظر إليه: — "لكلٍ طريقته في النجاة." أراد إياد أن يسأله عن الورقة، عن الألم الذي رآه في عينيه، عن البارحة… لكنه تراجع. هناك شيء… شيء عميق لا يُقال. لكنه أقسم في داخله أنه لن يتركه يغرق انهمك مالك في ترتيب الزيوت والأعشاب، يحاول التركيز في تفاصيل بسيطة تُلهيه عن كل شيء. أما إياد، فكان واقفًا في الخلف، يراقب كل حركة، وكل نفس يصدره رفيقه بصمتٍ ثقيل. لكن فجأة… وقعت عيناه على يد مالك اليمنى حين رفعها قليلاً… قطعة قماش بيضاء مُلتفة بإهمال حول كفّه، وعند طرفها خيطٌ رفيع من الدم اليابس، كأنّه خُفي بعجلة. زمّ إياد شفتيه، ثم تقدّم خطوتين وقال بصوت خافت لكن حازم: — "مالك… يدك." توقف مالك لحظة، كأنّه تجمّد. ثم أكمل ما كان يفعله متعمدًا تجاهل الملاحظة: — "جرح بسيط." إياد عبس، اقترب أكثر، نظر إلى اليد مجددًا، ثم إلى عيني مالك: — "هذا ليس بسيطًا. أنت تنزف، والضماد لا يبدو جيدًا… متى حدث هذا؟" مالك خفض نظره للحظة، ثم تمتم: — "ليلة أمس." — "وكيف؟" — "انكسر شيء، لا أكثر." قالها ببرود، كأنّه يغلق باب النقاش. لكن إياد لم يتراجع. نبرة القلق في صوته تعاظمت: — "أنت تتصرف بغرابة منذ البارحة، ملامحك، تصرفاتك، والآن يدك مصابة وتنكر الأمر كأنه لا يعنيك… مالك، ما الذي يحدث بحق الله؟" رفع مالك رأسه، نظر إليه للحظة بنظرة غريبة… فيها شيء من الحزن، وشيء من الغضب… لكن أكثر ما فيها، كان الصمت. قال بهدوء: — "بعض الجراح لا تحتاج تفسيرًا، إياد." — "لكنها تنزف، يا مالك… وأنا صديقك، لا تنسَ ذلك." لم يردّ مالك، بل سحب يده إلى الخلف، وأعاد لف القماش حولها بإحكام، دون أن ينبس بكلمة. ثم استدار فجأة، وأخذ نفسًا عميقًا: — "أقدر قلقك… لكن لا تسأل أكثر من اللازم. لست مستعدًا للكلام." إياد شعر بأن قلبه ينقبض، لكنه أومأ برأسه بهدوء، كمن ينسحب من ساحة معركة لا يريد خوضها: — "حسنًا… لن أسأل. لكن فقط… إن احتجتني، أنا هنا." هزّ مالك رأسه دون أن يلتفت، وعاد إلى صمته المعتاد. لكن إياد، حين جلس في ركن المحل، ظلّ يراقبه بعينٍ لا تعرف الطمأنينة، وذهنه لم يكفّ عن التفكير: ما الذي يحدث مع مالك؟ ولماذا اشعر وكأن شيئًا أعمق بكثير… يوشك على الانفجار؟ شيء ما ليس على ما يرام. بل إن كل شيء في مالك بات يصرخ بأنه ليس بخير. مرر يده في شعره، ثم أسند ذراعيه على الطاولة وتنهد ببطء، وهو يهمس في داخله: — "ما بك يا مالك؟ أنت لست كما كنت... لا كما أعرفك. منذ متى تنزف وتتجاهل الألم؟ منذ متى يكسرك شيء فلا تعترف به؟" رفع بصره إليه مجددًا... مالك كان واقفًا خلف الرفوف، يعيد ترتيب الزجاجات الصغيرة بدقة مريبة، كأنه يحتمي خلف نظام الأشياء ليهرب من فوضى روحه. تابع إياد بصمت، ثم هزّ رأسه وهو يُفكّر: — "أعرفك جيدًا... أعرف أن هذا الهدوء ليس إلا قناعًا. وجهك شاحب، يداك ترتجفان من حين لآخر، وصوتك... لا دفء فيه." ثم عقد حاجبيه، وهمس بنبرة حائرة في قلبه: — "وماذا عن الورقة؟ تلك النظرة التي غزت وجهك فور قراءتها؟ كأنك رأيت شبحًا من ماضٍ دفنته ذات ليلة ولم يُدفنك." أدار نظره إلى يد مالك الملفوفة بالضماد، ثم نظر إلى الوشاح السميك حول رقبته، رغم الحرارة الخانقة داخل المحل، وتمتم داخله مجددًا: — "لماذا تخفي جسدك بهذا الشكل؟ هل تخشى أن يراك أحد؟" صمت للحظات، ثم غامت عيناه بشك مرير: — "هل تخفي مثلا الندوب... أم تخفي شيئًا أعمق؟" فجأة، رفع مالك رأسه ونظر إليه مباشرة. تجمّد إياد للحظة، كأنّه ضبط متلبسًا بالتفتيش في دواخل رفيقه. لكن مالك اكتفى بنظرة قصيرة، ثم عاد لعمله كأن شيئًا لم يكن. أما إياد، فقد انكمش في مكانه... لكنه أدرك شيئًا واحدًا: هناك جدارٌ سميك بينه وبين مالك، وكل يوم يزداد ارتفاعًا.