الفصل 7
منزل مالك – مساء اليوم ذاته
فتح الباب بصوتٍ خافتٍ لا يشبه العاصفة التي كانت تعصف بصدره.
المنزل غارق في ظلامٍ هادئ، لكنه لم يكن بحاجة إلى نور...
فكل شيء في داخله مظلم بما يكفي.
دخل، وأغلق الباب خلفه ببطء، كما لو أنه يخشى أن تُسمع ضجّته.
استند عليه للحظة، وأسند رأسه إليه...
أنفاسه مثقلة، قلبه يئن... وروحه تنزف دون دماء.
تقدّم بخطواتٍ واهنة نحو غرفة المعيشة، خلع وشاحه، ثم قميصه، ورمى الورقة على الطاولة الخشبية القديمة.
جلس على الأريكة، انحنى بجسده إلى الأمام، وأخفى وجهه بين كفّيه.
كان الصمت يُطبق عليه كقيد، لكن داخله كان يصرخ.
مرت ثوانٍ، ثم بدأ صوته يتسلل…
شهقة صغيرة أولًا، ثم أخرى، ثم انفلتت دموعه كأنها كانت محتجزة منذ زمن.
غطّى وجهه بكفّيه، وانحنى أكثر، جسده كله يهتز، صدره يعلو ويهبط كمن كان يغرق.
همس بصوتٍ متهدّج:
— "أنين النار... لا يُنسى..."
ارتجف جسده كله.
تلك الليلة… تلك الجريمة… ذلك الصراخ…
كلها عادت، بضربة قلمٍ على ورقة.
كان يظن أنّه دفنها… أنّها ماتت مع من ماتوا…
لكنها عادت، أقوى، أشرس، تنبش جروحه وتفتحها كأنها لم تلتئم قط.
مدّ يده إلى الورقة، نظر إليها من جديد، وتمايلت في عينيه الكلمات.
كأنها لهب حقيقي، يشتعل في صدره.
ضرب الطاولة بقبضته، ونهض فجأة كمن يريد الفرار من جسده نفسه.
دار في الغرفة، يعود، يجلس، ينهض، كأن الأرض تضيق عليه، كأن العالم كله يريد خنقه.
وفي النهاية…
جلس على الأرض، مسنودًا إلى الجدار، عينيه على السقف، والدموع لا تزال تشق طريقها في صمت.
وبصوتٍ كأنه صادر من عمق القبر، تمتم:
— "كلهم سيعودون… كلهم... واحدًا تلو الآخر."
ثم سقط رأسه إلى امام، مرهقًا، محطمًا…
بين يديه ذكرى، وفي قلبه نار...
نار لا تنطفئ.
ظلّ جالسًا أرضًا، مسنودًا إلى الجدار، والنور الخافت المنبعث من النافذة يلقي ظلالًا باهتة على وجهه المبلل بالدموع.
أنفاسه بدأت تهدأ، لكن روحه ما زالت تصرخ.
نهض ببطء، كأن قدميه لا تحملانه، وسار بخطى متثاقلة نحو الحمّام.
فتح الباب، دخل، وأشعل الضوء.
المرآة أمامه لم ترحمه…
انعكاسه كان هشًّا، متعبًا، كأنها تعكس شبحًا لا إنسانًا.
وقف يتأمله…
طويلاً.
بيدٍ مرتجفة، نزع ما تبقى من ملابسه العلوية،
ظهر جلده…
وعليه حكايات من الألم، محفورة بندوبٍ عميقةٍ على صدره، وكتفه، ورقبته.
مدّ يده ولمس إحداها…
خدش قديمٌ فوق قلبه تمامًا.
ضغط عليه بأصابعه، كأنّه يريد أن يوقظ الألم القديم… أو يقتله.
همس لنفسه:
— "هذا ما تبقّى منك..."
ثم ابتسم بسخريةٍ باهتة.
لكن تلك الابتسامة لم تدم.
عادت الذاكرة، عاد الصوت…
صرخة أخيه، صدى الحريق، وجه والدته وهي تُسحب… نظرة أخته وهي تموت.
تسارعت أنفاسه فجأة…
أمسك حافة المغسلة بكلتي يديه، حاول أن يتماسك، لكن عينيه امتلأتا دموعًا، وصدره انتفض مجددًا.
صرخ فجأة، ضربة واحدة بقبضته كانت كافية لتحطيم المرآة.
تفتّت الزجاج، تناثرت الشظايا، وبعضها التصق بكفه.
نظر إلى يده… دماء.
دماء تتسلل من راحته ببطء، تنزف كما ينزف قلبه.
لكن… فجأة، وكأنّ شيئًا ما انكسر بداخله وانطفأ…
وقف مستقيمًا، نظراته تجمدت، ملامحه أصبحت جامدة كالصخر.
بلا أي تعبير.
فتح صنبور الماء، غسل يده الملطخة وهو يسحب زجاج من يده دون ان يتاوه
لفّها بمنشفة صغيرة، وكأن الجرح لا يعنيه، وكأن الألم عاد شيئًا مألوفًا.
نظر إلى بقايا المرآة المحطّمة، وانحنى، جمع بعضها في كيس، ثم رماها في الزاوية بصمت.
خرج من الحمّام، يرتدي وشاحه من جديد، ثم قميصه ذو الأكمام الطويلة.
ثبت أزراره بإحكام، وكأنّه يبني حول نفسه جدارًا جديدًا.
وقف وسط الغرفة، وتنهيدة باردة أفلتت من صدره…
— "لا مجال للضعف... ليس بعد الآن."
نظر إلى الباب، عيناه جامدتان، ونبرته ميتة.
كان الألم قد انفجر…
والآن عاد الرجل البارد.
عاد مالك… الذي لا يرحم.