خيوط الانتقام - الفصل 5 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خيوط الانتقام
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

صباح جديد كان الصباح هادئًا كعادته، أشعة الشمس تنسلّ على استحياء من بين ستائر المحل، تُضفي دفئًا خفيفًا على رفوف الأعشاب والزيوت المرتبة بدقة. وقف خلف الطاولة الخشبية، ينظف قنينة زجاجية بعناية، حركاته بطيئة، متقنة، كأن لا شيء في هذا العالم يُستحق العجلة. رنّ جرس الباب بخفة. دخلت زبونة، تحمل بين يديها كيسًا صغيرًا، وعلى وجهها ابتسامة دافئة. قالت بنغمة صباحية: — "جلبت لك ما طلبته من السوق." أومأ برأسه بصمت، مدّ يده وأخذ الكيس منها دون أن ينبس بكلمة. سألته برقة وهي تتأمل ملامحه الباردة: — "هل نمت قليلا هذه الليلة؟ يبدو عليك التعب." لم يرد. فقط أنزل نظره إلى القارورة بين يديه وبدأ يسكب بها بضع قطرات من زيت البنفسج. ابتسمت بخفة وقالت: — "سأرحل، لا أريد أن أزعج صمتك الموقر." غادرت بهدوء، تاركة وراءها رائحة خفيفة من عطر الياسمين. لم تمضِ سوى دقائق، حتى دخل إياد، يرتدي قميصًا صيفيًا، ونظارته الشمسية مدلاة على قبة عنقه. قال مبتسمًا وهو يصفق بيده مرة واحدة: — "صباح الخير أيها الصامت! أراهن أنك لم تذق النوم الليلة." رمقه بنظرة عابرة دون تعليق. تابع إياد، وهو يدور في المكان يتأمل القوارير: — "هل سمعت بالحادث؟ الرجل الذي وجدوه ميتًا في شقته. لا جرح، لا صوت، لا كسر… والشرطة في حيرة." لم يتغير شيء في ملامحه. اقترب إياد منه، مسح على إحدى القوارير بإصبعه وقال بفضول: — "أحيانًا أشك أن هذا العالم أصبح مليئًا بالأشباح أكثر من البشر." ظل الصمت سائدًا… حتى قاطعه صوت جرس الباب مجددًا. دخلت امرأة شابة، تبدو مرهقة، تحمل بين ذراعيها طفلة صغيرة لا تتجاوز الرابعة من العمر. كانت الطفلة تصرخ، تصرخ بجنون، دموعها تنهمر، ووجهها محمرّ، تصرخ وترفس الأرض وتلوّح بذراعيها بعنف هستيري. قالت الأم معتذرة، بنبرة خجل: — "آسفة جدًا… أردت فقط زيتًا مهدئًا… إنها لا تتوقف عن البكاء منذ البارحة." تقدّم إياد فورًا محاولًا تهدئة الطفلة، جثا على ركبتيه وأخرج من جيبه قطعة شوكولاتة صغيرة، مدّها لها قائلًا بلطف: — "هيه… هل تحبين الحلوى؟" لكن الطفلة صرخت بقوة أكبر، ركلت يده، ودفعت رأسها إلى صدر أمها كأنها تهرب من كابوس لا يراه أحد. الأم بدت عاجزة، على وشك البكاء. عندها… تحرّك هو. خرج من خلف الطاولة، خطا بهدوء إلى حيث تقف الأم وطفلتها، وانحنى قليلًا، حتى صار وجهه بموازاة وجه الطفلة. لم يقل شيئًا. فقط… نظر. نظرة طويلة، صامتة، جامدة… لكنها لم تكن قاسية… بل عميقة، مثقلة بشيء غريب لا يُفهم. سكتت الطفلة. فجأة انقطع صراخها كما لو قطعت سكين خيط الصوت. فتحت عينيها، تنظر إليه بصمت، ثم مدّت يدها نحوه، تمسّك بطرف وشاحه الرمادي، وهمست بصوت خافت: — "أنت… لا تخيفني." تجمّدت الأم في مكانها، شهقت، ثم نظرت إليه بدهشة: — "ماذا… كيف؟! إنها لم تفعل هذا من قبل أبدًا!" إياد بدوره وقف مذهولًا، نظر إلى مالك وكأنه يراه لأول مرة. سأل بصوت منخفض: — "ما الذي قلته لها؟" لم يجب. فقط عاد أدراجه إلى طاولته، وأمسك بزجاجة زيت أخرى، كما لو أن شيئًا لم يحدث. وقفت الأم عاجزة عن الفهم، تحمل طفلتها الهادئة، بينما الأخيرة لم ترفع عينيها عن الرجل الصامت. وفي الركن… تمتم إياد دون أن يسمعه أحد: — "يا هذا… من أنت بحق السماء؟" وقفت المرأة في مكانها للحظات، تحدّق في طفلتها التي سكنت فجأة، وفي الرجل الذي لم ينبس بكلمة، كأن بينهما سحرًا لا يُرى. تنحنحت بخفة، محاولة أن تستعيد صوتها: — "أ... كنتُ أريد فقط زيتًا مهدئًا... للبكاء والنوم، كما سمعت من بعض الجارات. لكن... هل... هل من الضروري أن أعطيك اسم الزيت، أم أنك تختار ما يناسب؟" لم يرفع نظره نحوها. كان مشغولًا بإعادة قارورة إلى مكانها، بصمت تام، وكأن سؤالها لا يحتاج إلى إجابة بالكلمات. ثم، دون أن ينظر، مدّ يده إلى أحد الرفوف، التقط زجاجة صغيرة بنية اللون، ذات سدادة خشبية، اقترب منها بهدوء، وناولها إياها. همس بصوت خافت، بالكاد سُمِع: — "قطرتان في راحة الكف… ثم دلكي بها الصدغين، قبل النوم." أخذت الزجاجة منه بحذر، وكأنها تخشى أن تُفسد شيئًا في هذا السكون الغريب. نظرت إليه، ثم إلى إياد، الذي كان يراقب المشهد بصمت ممزوج بالدهشة. قالت الأم بابتسامة مرتبكة: — "أشكرك… حقًا… لم أكن أتوقع أن تهدأ بهذه السرعة." رمقها إياد مبتسمًا: — "ولا أنا، صدقيني." ثم أردف، وهو يوجه نظره إلى مالك: — "لو كنتُ مكانك، لافتتحت عيادة نفسية بدل هذا المحل." لكن مالك لم يرد. فقط عاد إلى مكانه، كأن كل ما جرى ليس إلا لحظة عابرة في يومٍ عادي. خرجت الأم من المحل وهي تحتضن ابنتها، التي ما زالت تتطلع إلى الوراء، تبحث بعينيها الصغيرتين عن ذاك الوجه الصامت. وما إن أُغلق الباب، حتى ساد الصمت. إياد تنحنح، اقترب من الطاولة، وأخذ نفسًا طويلًا. قال بصوت منخفض، أقرب إلى نفسه: — "أحيانًا… أظن أن بداخلك شيء لا يشبهنا." لكن الآخر… كالعادة… لم يُجبه. وقف إياد في زاوية المحل، يمسح جبينه المتصبّب عرقًا، ثم التفت إلى مالك الذي كان يصفّ الزجاجات على الرفوف بدقة باردة، وكأن لا حرارة في الجو ولا عرق يتصبب منه. قال إياد بنبرة حاول أن يُخفي فيها انزعاجه: — "ألا تشعر بالحر؟ الجو خانق، وأنت ترتدي كأننا في عزّ الشتاء." رفع مالك عينيه نحوه للحظة، ثم أعاد بصره إلى الزجاجة بين يديه، وقال بهدوء دون أن يرفع نبرته: — "اعتدتُ الأمر." زمّ إياد شفتيه، اقترب أكثر، نظر إلى الوشاح الذي يلف عنقه بإحكام، ثم قال: — "لكن الوشاح؟ ألا يكفي القميص؟ ما الذي تخفيه يا مالك؟" توقفت يدا مالك، لم ينظر إلى إياد هذه المرة، فقط ظل صامتًا، وكأن السؤال اخترق جدارًا لم يرد لأحد أن يلمسه. قال إياد، وقد خفّ صوته: — "أنا لا أفتش في ماضيك، ولا أطلب منك أن تروي لي شيئًا لا تريده… لكنك تغرق في هذا الجليد، حتى وأنا بجانبك لا أشعر بك." أدار مالك رأسه ببطء، نظراته لم تكن غاضبة ولا باردة، بل… فارغة. ثم قال بصوت خافت كأنما يحدث نفسه: — "حين يحترق جسدك مرة، تتعلّم كيف تغطي رمادك." رمش إياد، لم يفهم تمامًا، لكنه شعر بثقل الكلمات تسقط في صدره. تابع مالك، بصوت لا يشبهه: — "وهذا الرماد... لا يُطفئه صيف، ولا يُداويه شتاء." صمت الإثنان. لا الموسيقى الهادئة في المحل، ولا صوت الزبائن في الخارج، استطاع أن يملأ الفراغ الذي زرعته تلك الجملة. اقترب إياد، وضع يده على كتف مالك بلطف، وقال: — "أنا هنا... إن أردتَ يومًا أن تزيح عنك هذا الرماد." لم يرد مالك، ولم يرفض، فقط نظر إليه بعينين فقدتا الضوء… لكنّ شيئًا صغيرًا، بالكاد يُرى، لمع فيهما للحظة.