الفصل 2
كان النهار في بدايته، شاحبًا كوجه مدينة أُنهكت من الأسرار.
الهواء ثقيل، والغبار يتسلل من النوافذ رغم أنها مغلقة بإحكام.
وفي زقاق شبه منسي، وقف محل صغير تفوح منه روائح الزعتر والقرنفل والميرمية...
محل الأعشاب والعطور الذي يديره شاب لا يُشبه أي أحد.
في الداخل، وقف مالك خلف الطاولة الخشبية، يعبئ زجاجات صغيرة بخليط من الزيوت، حركاته هادئة، دقيقة، خالية من أي تردد.
يرتدي قميصًا بأكمام طويلة يغطي بها ساعديه، وشالًا داكنًا يلف عنقه رغم حرارة الجو، كأن جسده يخفي أكثر مما يُظهر.
رنّ جرس الباب.
دلف إياد، بخطوات سريعة ونَفَسٍ مضطرب، وقد بدا أن شيئًا ما يثقل صدره.
— "مالك!"
نادى بصوت خافت، لكنه ممتلئ بالقلق.
رفع مالك بصره إليه، دون أن يتغير شيء في ملامحه. عيناه ثابتتان، باردتان كأنهما لا تعرفان التوتر.
— "صباح الخير، إياد."
قالها بهدوء، وأعاد بصره إلى الزجاجة بين يديه.
اقترب إياد أكثر، واستند بكفيه على الطاولة، قال بصوت منخفض كأن الجدران تتجسس:
— "هل سمعت بما حدث الليلة الماضية؟"
— "لم أسمع."
أجابه مالك دون أن يرفع نظره.
— "رجلٌ عُثر عليه مقتولًا في مستودع مهجور، في الحي الصناعي القديم. قُتل بطريقة... مروّعة."
سكت لحظة، يترقب رد فعل صديقه، لكنه لم يرَ شيئًا.
تابع بصوت أكثر حدة:
— "لم يكن مجرد قتل. الجثة كانت مقيدة، مشوهة، والشرطة تقول إن القاتل استخدم أدوات تعذيب! لا بصمات، لا كاميرات، لا أثر واحد يدل على من فعلها. نظيف تمامًا، كأن القاتل شبح."
وضع مالك الزجاجة جانبًا، ونظر إليه أخيرًا، نظرة خفيفة، غير مستغربة، ثم قال بنبرة هادئة:
— "وهل عُرف من هو القتيل؟"
— "نعم... اسمه ضياء. تعرفه؟"
تأمل مالك للحظة، شبح ابتسامة خافتة عبر وجهه دون أن تكتمل.
— "لا أظنني قابلته."
قال إياد بنبرة تشكّك:
— "كان معروفًا بماضيه القذر... تورّط في أمور مشبوهة، قضايا عنف واختفاء، لكنه نجا من العدالة مرارًا. الكثيرون كرهوه، لكنه دائمًا يخرج سالمًا."
ثم أضاف وهو يشد قبضته:
— "لكن هذه المرة... لا يبدو أنه خرج بشيء سوى الألم."
توقف الكلام بينهما.
عاد مالك إلى عمله، كأن ما سمعه لا يعنيه، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
— "هناك من لا ينسى."
نظر إياد إليه مطولًا، كأنه يحاول اختراق ملامحه، لكن الهدوء الظاهر على وجه مالك بقي جدارًا لا يُخترق.
— "أحيانًا أظنّ أنك تخفي أكثر مما تقول، يا مالك."
أجاب دون أن يلتفت إليه:
— "وأحيانًا يكون الصمت هو النجاة."
أطلق إياد ضحكة خفيفة، ثم مال برأسه قليلًا وقال:
— "على كل حال، أحببت أن أخبرك. لا أعلم لماذا، لكن شعرت أن عليك أن تعرف."
توجه نحو الباب، وقبل أن يفتحه، التفت قائلًا:
— "وأنصحك، مجددًا... انزع هذا الوشاح، نحن نختنق من الحر، أما أنت فتبدو كأنك في شتاء لا ينتهي."
رد مالك بهدوء:
— "بعض الأجساد لا تشعر بالحرارة كما يشعر بها الآخرون."
خرج إياد، وأغلق الباب خلفه.
وساد المكان صمت ثقيل.
وقف مالك لحظة، ينظر إلى زجاجة صغيرة على الرف، مرر أصابعه عليها، ثم همس:
"ضياء… واحد من أربعة."
ثم عاد إلى عمله،
كأن شيئًا لم يكن.