الفصل24:مسارات متقاطعة
كانت فترة الاستراحة بين المحاضرات دائمًا مزدحمة في ساحة الكلية. جلستُ أنا وعبدو على طرف السور الحجري، نتقاسم كوب قهوة من آلة المقصف، بينما إيمان ومحمد يقفان على بعد أمتار، يتناقشان حول واجب عملي في مختبر الأحياء الدقيقة.
عبدو نظر إليّ وهو يقلب الكوب بين يديه:
ـ "تعرفين، فاطمة… أنتِ تجعلينني أرى الكلية بشكل مختلف."
ابتسمتُ:
ـ "كيف يعني؟"
ـ "كنت أظن أن كل ما يهم هو الدرجات، لكنكِ جعلتني أفهم أن هناك أشخاصًا… أهم من أي نتيجة."
كانت كلماته بسيطة، لكن الطريقة التي نظر بها لي جعلتني أنسى الزحام من حولنا.
وفجأة، انقطع المشهد بصوت مألوف:
ـ "إيمان!"
التفتنا جميعًا، فرأينا شعيب قادمًا بخطوات سريعة من جهة المكتبة. كان يحمل ملفًا سميكًا ويبتسم بعفوية، وكأن غيابه الطويل لم يكن شيئًا.
اقترب من إيمان مباشرة، مد لها الملف:
ـ "بحثت عنك… هذا الكتاب الذي كنتِ تريدينه عن علم المناعة."
محمد وقف بجانبها، يراقب المشهد بصمت. نظرته لم تكن غاضبة، لكنها مشوبة بحذر لم أره فيه من قبل.
إيمان أخذت الملف بابتسامة متوترة:
ـ "شكرًا يا شعيب… لم أتوقع أنك ستتذكر."
رد وهو يرفع حاجبيه:
ـ "بعض الأشياء لا تُنسى."
نظرت إلى محمد، الذي اكتفى بابتسامة صغيرة وكلمة واحدة:
ـ "واضح."
على الطرف الآخر من الساحة، رأيت نرجس واقفة مع لؤي، تتبادل معه حديثًا قصيرًا وهي تراقبنا جميعًا، وكأنها تضع خيوطًا في عقلها لمخطط قادم.
عبدو لاحظ نظرتي نحوها وقال بهدوء:
ـ "اتركيها لي… هناك طرق لإيقاف مثلها."
لم أعلق… لكنني شعرت أن الأيام القادمة لن تحمل صراعًا واحدًا فقط، بل عدة جبهات مفتوحة في وقت واحد