الفصل23:بين النبضات
كانت قاعة المحاضرات شبه فارغة بعد انتهاء درس علم الأمراض، أوراق الملاحظات متناثرة على الطاولات، والهواء مشبع برائحة القهوة من المقصف المجاور.
كنت أجمع كتبي ببطء حين سمعت صوت عبدو خلفي:
ـ "انتظري… نسيتِ دفتر التشريح."
التفتّ، فوجدته يمده لي بابتسامة خفيفة.
ـ "شكرًا… كنت سأعود لأخذه."
جلس على طرف الطاولة المقابلة، وكأنه يبحث عن عذر للبقاء:
ـ "كيف يدك اليوم؟ ما زالت تؤلمك؟"
ـ "أفضل… لكن لا أستطيع الضغط عليها كثيرًا."
صمت قليلًا، ثم قال وهو يحدّق في ملفاتي:
ـ "تعرفين… أحيانًا أراكِ تتعاملين مع كل شيء وكأنكِ لا تحتاجين لأحد… لكن لا بأس بأن تدعي أحدهم يساعدك."
كلماته جعلتني أشعر بحرارة غريبة في صدري، فابتسمت بصعوبة:
ـ "وأنت… هل تعتبر نفسك هذا “الأحد”؟"
ضحك بخفة، لكن عينيه ظلتا جادتين:
ـ "ربما."
في الجهة الأخرى من القاعة، كانت إيمان تشرح لمحمد شيئًا في أحد المخططات الطبية.
محمد أمال رأسه قليلًا وقال بمزاح:
ـ "أظن أنني أفهم الأمراض أفضل من فهم خطكِ في الملاحظات."
إيمان رفعت حاجبها بابتسامة:
ـ "على الأقل خطي أوضح من شرحك في الفسيولوجيا."
ضحكا معًا، ثم ساد بينهما صمت قصير… صمت لم يكن ثقيلاً، بل مليئًا بمعنى خفي لم أره بينهما من قبل.
بينما كنا نخرج من القاعة، مررنا قرب نرجس وهي تتحدث مع لؤي، نظرتها كانت كالسهم، لكن هذه المرة لم أشعر بثقلها… ربما لأنني بدأت أرى أن هناك من يقف بجانبي حقًا.