الفصل 15:تحت سقف واحد من نجوم
كانت ساحة المرصد الصغير في أعلى تلة الكلية مضاءة بخافت من المصابيح، والهواء البارد يلسع أطراف الأصابع. وقفت بجانب لؤي عند إحدى العدسات الكبيرة، وهو يشرح لي طريقة تثبيت المنظار، بينما كنت أخرج دفتري وألواني استعدادًا لرسم المشهد.
كان عبدو يقف غير بعيد، يحمل كوبًا من الشاي الساخن ويتظاهر بالحديث مع أحد زملائه، لكنه في الحقيقة لم يتركنا من عينيه. لمحته مرة يشيح وجهه عندما التقت نظراتنا، وكأنه يخشى أن يقرأ أحد ما بداخله.
محمد وصل بعد قليل برفقة إيمان، وكلاهما يضحكان على شيء قاله. كانت إيمان ترتدي معطفًا شتويًا وحجابها ملفوفًا بإحكام، لكنها بدت أكثر ارتياحًا مما رأيتها في الأيام الماضية. شعيب كان يراقبهما بصمت من طرف الساحة، يدّعي الانشغال بالعدسات لكنه لا يكف عن النظر إليهما بين حين وآخر، وكأن كل ضحكة منهما تجرحه.
أما نرجس، فكانت تتحرك بين المجموعات، توزع ملاحظاتها على كل من يقف في طريقها، وتلقي تعليقات مبطنة على هذا وذاك، حتى اقتربت منا وقالت بابتسامة صغيرة:
ـ "يبدو أن الرسم تحت النجوم أكثر رومانسية مما تخيلت."
رد لؤي بهدوء:
ـ "الأمر يعتمد على من يشاركك اللحظة."
نظرت إليّ نرجس نظرة خاطفة قبل أن تبتعد، وكأنها التقطت شيئًا أرادت الاحتفاظ به لنفسها.
مع مرور الوقت، بدأ البرد يتسلل أكثر، لكن دفء المشاعر المختلطة كان كافيًا ليجعل الجو مشحونًا. رسمت خطوط الجبال البعيدة والسماء المليئة بالنقاط اللامعة، بينما كان لؤي يهمس لي بأسماء بعض المجموعات النجمية.
في لحظة صمت، رفع عبدو عينيه من بعيد، لتلتقي بنظراتي للحظة طويلة، ثم أشاح بوجهه. أما محمد، فكان مشغولًا بمساعدة إيمان على تعديل المنظار، وشعيب يزداد انكماشًا في زاويته، كأن شيئًا داخله يتآكل ببطء.
كانت السماء مليئة بالنجوم، لكن ما شعرت به على الأرض كان أكثر تعقيدًا من أي خريطة فلكية. تحت هذا السقف من الأضواء البعيدة، لم تكن النجوم وحدها هي التي تتلألأ… بل القلوب أيضًا، بين من يقترب ومن يحاول أن يبتعد، ومن يتظاهر بالحياد وهو يشتعل من الداخل.