الفصل 9: اعترافات تحت المطر
لم نكمل جولتنا نحو الشلال بعد الحادث، فقد قرر المشرفون العودة إلى المعسكر فورًا. كانت الغيوم الرمادية تتكاثف في السماء، وقطرات المطر الخفيفة تتساقط على وجوهنا ونحن نسير في صمت.
إيمان تمشي بجانب محمد، خطواتها بطيئة، والامتنان واضح في نظراتها إليه. شعيب كان يسير خلفهما، يدفن يديه في جيبيه، وصمته أثقل من أصوات المطر على الأرض.
عندما وصلنا إلى المعسكر، انشغل الجميع بتغيير ملابسهم وتجفيف أغراضهم. أنا جلست قرب الخيمة أراقب المطر وهو يزداد، حتى سمعت خطوات عبدو تقترب. جلس بجانبي، وصوته منخفض وسط الضوضاء:
ـ "كنتِ شجاعة اليوم… حتى وأنتِ قلقة على إيمان."
ابتسمت بخفة:
ـ "هي صديقتي… لم أكن لأتحمل فقدانها."
ساد صمت قصير، قبل أن يقول بنبرة جادة:
ـ "هناك أشياء لا نريد أن نفقدها… حتى لو لم نعترف بذلك."
كلماته جعلت قلبي يتوقف للحظة، لكن قبل أن أتمكن من الرد، دوى صوت نرجس وهي تناديه من بعيد، تطلب مساعدته في أمر ما. نظر إليّ للحظة أطول، ثم نهض ومضى، تاركًا قلبي في فوضى.
في الجهة الأخرى من المعسكر، كان محمد واقفًا مع إيمان قرب شجرة كبيرة تحتمي من المطر. قال لها بصوت خافت:
ـ "إيمان… لما رأيتك تسقطين، شعرت أن حياتي كلها قد تنهار معك."
رفعت نظرها إليه، المطر يتساقط على وجنتيها:
ـ "محمد… لا أعرف ما أقول."
أجابه بابتسامة حزينة:
ـ "لا تقولي شيئًا… فقط كوني بخير."
لكن ما لم يسمعه أحد، هو أن شعيب كان قريبًا بما يكفي ليسمع كل كلمة. عيناه كانتا خليطًا من الغيرة والخذلان، وكأن المطر يغسل شيئًا من قلبه، لكنه يترك خلفه جرحًا أعمق.
في تلك الليلة، لم يكن المطر هو الشيء الوحيد الذي هطل… بل المشاعر أيضًا، بلا إنذار، بلا استعداد، لتغرقنا جميعًا في بحر من الاعترافات الصامتة.