الفصل 5: حين تبدأ اللعبة
كان الشتاء يزداد برودة، لكن داخل أروقة الكلية كانت الأجواء تشتعل على نحو آخر. لم يكن الأمر مجرد محاضرات وأبحاث، بل صارت العلاقات بيننا أشبه بلعبة شطرنج، كل طرف يحرّك قطعه بحذر، أحيانًا بخطوة ذكية وأحيانًا باندفاع.
جلستُ أنا وإيمان في ساحة الكلية، نحتسي الشاي الساخن ونتحدث عن الامتحانات المقبلة. الحجاب يلف رأسينا ويقي وجوهنا من البرد، لكن كلماتنا كانت تحمل حرارة الأحاديث العميقة. فجأة، ظهر عبدو ومعه محمد. جلس محمد بجانب إيمان مباشرة، ابتسامته واسعة وعيناه تحاولان الإمساك بعينيها.
لكن اللحظة لم تدم طويلاً… شعيب كان يقترب. خطواته بطيئة، وصوته منخفض وهو يقول:
ـ "إيمان… عندك وقت نتكلم شوي؟"
نظرت إيمان بتردد، ثم أجابت:
ـ "أكيد، بس بعد ما نخلص جلستنا."
لم تعجبه الإجابة، وظهر ذلك في شدّة خط حاجبيه قبل أن يجلس صامتًا، مراقبًا محمد بنظرات حادة.
على الطرف الآخر من الساحة، كنت أتحدث مع عبدو عن بحثنا المشترك، حين ظهر لؤي فجأة. كان يحمل دفترًا وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل شيئًا من التحدي:
ـ "فاطمة… عندي ملاحظات على المحاضرة الأخيرة، ممكن أشاركك فيها لاحقًا؟"
أومأت بالموافقة، لكنني شعرت بنظرات عبدو تراقب الموقف، وكأن لؤي يتعمد الظهور أمامه.
وفي تلك اللحظة، مرت نرجس بخطوات واثقة، شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها بلا حجاب، ترتدي معطفًا أنيقًا وعطرها يسبقها. ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي تقول لعبدو:
ـ "اليوم عندك وقت؟ لازم نحضر ورشة البحث العلمي مع بعض."
أجابه ببرود:
ـ "سأرى، عندي التزامات مع فاطمة."
لمحتُ الغضب في عينيها وهي تبتعد، وكأنها أقسمت ألا تترك الأمر يمر بهذه السهولة.
في ذلك اليوم، أدركتُ أن "اللعبة" بدأت… وكل شخص صار يحاول أن يكسب الجولة لصالحه، لكن أحدًا لم يكن يعرف إلى أين ستنتهي هذه المباراة.