مبارك لكما
عمر:
الأمر الوحيد الذي حال بيني وبين رفضي للذهاب لبيت المسيري هو رغبتي في لقاء مايا لتقدم تفسيرًا لهذا العبث الذي يحدث.
استقبلنا عزام المسيري بحفاوة بالغة لا تتناسب مع شخصيته الجادة التي رأيتها من قبل. دخلنا إلى غرفة الاستقبال، وهناك انهال علينا الخدم بأصناف شتى من المقبلات والمشروبات والحلويات. كان أبي وعزام منشغلين بتقديم المباركات لبعضهما البعض، بينما انشغلت أنا بشيء واحد؛ وهو البحث عن مايا. بحثت عنها بعيني منذ اللحظة التي دخلت فيها المنزل، لقد كانت المرة الأولى التي أود فعلًا رؤيتها فيها.
مرّ بعض الوقت ولم تظهر مايا بعد، وكان صبري قد نفذ، فأنا بحاجة ماسّة للحديث معها، فقلت قاطعًا سيل المجاملات:
- أين مايا؟
نظرت عمتي إلى أبي بخبث، ونظر إليها أبي بدوره وضحك. أشار عزام لإحدى الخادمات برأسه لتستدعي مايا، ثم قال:
- ستكون هنا بعد قليل.
مضت بضع دقائق أخرى أمضيتها في النظر لمدخل غرفة الاستقبال. وأخيرًا وبعد طول انتظار دخلت مايا إلى الغرفة وألقت التحية علينا جميعًا. نهضت عمتي من مكانها واحتضنت مايا بقوة وقبلتها على وجنتيها. بدى على مايا الانزعاج من حب عمتي المبالغ فيه، ولكنها اكتفت بابتسامة مجاملة.
نظرت لأبي نظرة حمدت الله أنه قد فهم معناها، فبعدها مباشرة طلب من عزام أن يجلسا على انفراد ليقررا تفاصيل العرس، بينما يتركان المجال لي ولمايا للحديث. رحّب عزام بالفكرة عكس ما توقعت، ودعا أبي لمكتبه لاستئناف الحديث، بينما انسحبت عمتي بخفة هي الأخرى مدعيّة أنها ستطلب من الخدم إخراج الهدايا من السيارة.
بقيت أنا ومايا وحدنا في غرفة الاستقبال. بدى على مايا اضطراب لم أعهده، وبدى وكأنها تحاول تجنب النظر إلي مباشرة. كنت أشعر بالغيظ والغضب منها. كل ما تبادل إلى ذهني أنها إما أن تكون مضطربة نفسيًا أو أن تكون منافقة، فلا تفسير آخر لتصرفاتها غير المنطقية.
---------------------------------------------------------------------
مايا:
لأول مرة في حياتي أشعر بهذا الاضطراب، وأشعر أنني غير قادرة على مواجهة الموقف. لا أعلم بماذا يفكر عمر بي الآن ولكنه يطعنني بنظراته الحادة. جالست على المقعد المقابل له، ولم أقوَ على النظر في عينيه، فجُلت في الغرفة بنظري لعلي أجد مهربًا من هذا الموقف. حتى فاجأني وقطع الصمت الطويل قائلًا:
- على أي أساس أبديتي موافقتك على هذه العلاقة؟ بل ووافقتي على الزواج أيضًا!
انزعجت من لهجته فأجبت في انزعاج:
- إن لم يعجبك الأمر، فيمكنك الانسحاب.
لم أعرف في هذه اللحظة أي الأمرين قد يكون أسوأ. أن أتعرض للرفض أو أن أتزوج شخصًا لا أعرف عنه شيئًا، ولم يسألني أحد عن رأيي بشأنه.
تفاجأ عمر من ردي، فقال:
- بهذه البساطة؟ أنا حقًا لا أفهمك. كيف يمكنكِ الموافقة على الزواج من شخص التقيته مرتين فقط! ونحن حتى لم نتحدث في شيء مهم ولم نتعرف على بعضنا البعض!
لم أعرف بماذا أجيبه، فكلامه منطقي للغاية، ولكن يصعب عليّ شرح موقفي وأن الأمر برمّته ليس من اختياري، وأن هذه الزيجة قد فُرضت عليّ. آثرت الصمت، فأنا لم أجد كلمات تسعفني.
زاد صمتي من جنون عمر الذي ظلّ يحدجني بنظرة كراهية لم أظن أنها قد تصدر من شخص مثله.
بعد بضعة دقائق أخذ عمر نفسًا عميقًا وقال:
- حسنًا لكِ ذلك.
التفتت إليه في تعجب فتابع:
- هل تظنين أنكِ ستكونين الفتاة المطيعة التي ستوافق على الزواج، وأنا العاق الذي سيرفض وستكونين أنتِ الضحية؟
تعجبت كثيرًا من تفسيره، بل وأغضبني أيضًا، ولكنني وللمرة الثانية لا أجد ما أقول. فقال هو:
- لن يحدث ذلك. لن أرفض هذا الزواج وسأستمر فيه ما دمتي لن تقولي شيئًا.
شعرت بأن آخر أمل لي قد ضاع، فأملي كان أن يرفض عمر هذا الزواج فأتخلص من هذا العبء.
نظر كل منا إلى الآخر في غضب. لم أعرف كم مرّ من الوقت علينا ونحن بهذا الحال. قاطعنا دخول الرئيس والسيد أنور إلى غرفة الاستقبال، فقال السيد أنور بعد أن جلس بجوار ابنه ووضع يده على كتفه:
- مبارك لكما يا أولاد.