الفصل 1
الساعة الثانية وأربعون دقيقة بعد منتصف الليل.
المدينة نائمة، خانعة، لا ضوء سوى من مصباح أصفر يتدلى من عمود صدئ يلقي بظلال مشوهة على أرض مبتلة.
شارع مهجور، لا أثر لأحد. لا كلاب، لا عابرين. فقط الصمت... كأنه يمهد لشيء ما.
رجل خمسيني، بجسد متعب، ملامحه قاسية ومرهقة، يسير مترنحا بعد أن أنهى سهرة رخيصة في حانة قذرة.
سيجارة تتدلى من زاوية فمه، ونظراته شاردة.
دخل زقاقا ضيقا، يجر قدميه، يلعن برد الليل، ويلعن زوجته التي طردته من البيت للمرة الثالثة.
في تلك اللحظة،
توقف الزمن.
شعور غريب اجتاح جسده. شعر أن شيئا... أو أحدا، يراقبه.
التفت خلفه. لا أحد.
نظر للأعلى. لا شيء.
ضحك بسخرية:
— "جبان... مجرد تخيلات."
أكمل سيره، ولكن خطواته بدأت تتسارع.
قلبه ينبض بقوة... وكأن جسده يشعر قبل عقله أن شيئا ما ليس طبيعيا.
وفجأة، من العدم،
ذراع غليظة سحبته من عنقه إلى زاوية مظلمة خلف الحاويات.
سقط أرضا، وأحس بيد باردة تضغط على فمه.
حاول الصراخ. لا فائدة.
حاول المقاومة. اليد التي أمسكت به لا ترتجف، لا تتردد.
رفع رأسه بصعوبة... وفي الظلام رأى عينين فقط.
عينان سوداوان، خاليتان من كل حياة.
القاتل لم ينطق بكلمة. لم يصدر صوتا.
سحب حبلا طويلا.
بهدوء مرعب، لفه حول عنق الرجل، وبدأ يشده ببطء... كمن يعزف على وتر آلة موسيقية.
الرجل يتخبط، يركل، يلهث... ولا صوت يسمع سوى خشخشة الحبل واهتزاز الحاويات بفعل العنف.
ثم،
سُحب إلى الداخل...
داخل المستودع المهجور.
الجدران ملطخة بالصدأ، والرائحة؟
خليط من العرق والدم القديم.
الضحية ملقى على الأرض، وجهه مزرق، لكنه ما يزال حيّا... يتنفس بشق الأنفس.
القاتل لم يتوقف.
فتح حقيبة سوداء، من النوع الذي يستخدم في الجراحة الميدانية.
صف الأدوات بجانبه:
مشرط جراحي – كماشة – مطرقة صغيرة – مثقاب كهربائي.
جلس القاتل على ركبتيه، رفع يد الرجل، وثبتها بمسمار معدني طويل، ثم ضربها بالمطرقة ضربة... فاثنتين... فثلاثا، حتى اخترق اللحم واستقر في الخشب تحته.
الرجل يصرخ... ولكن لا أحد يسمع.
ثم انتقل إلى الركبة.
المثقاب يشغل...
زززززززززززززززززززززززززززز
الرجل يجن. يتحول صراخه إلى شهقات. عيناه تنزف دموعا ودما.
القاتل؟
هادئ... ثابت... يراقب كأنه يدون النتيجة.
أخذ الكماشة، أمسك بإحدى أظافر اليد الأخرى، وبدأ ينتزعها واحدة تلو الأخرى.
لم يتسرع. لم يكتف بنزعها فحسب، بل كان يلويها قبل أن يقتلعها، ليطيل الألم.
وفي لحظة صمت،
اقترب من أذن الرجل، وهمس بكلمات لم يسمعها أحد، ثم مزق الأذن بسكين صغير، قطعة قطعة.
كان يمكنه قتله منذ البداية...
لكن لا.
كان يريد أن يذيقه كل شيء.
أخيرا، بعد أن انتهى من "عزفه الوحشي"،
وضع السكين على قلب الرجل، وضغط بقوة... ببطء...
حتى اخترقه تمامًا.
توقف قلب الضحية، وجسده ارتجف للمرة الأخيرة.
ثم،
أخرج القاتل قارورة صغيرة من جيبه، سكب سائلًا عديم اللون على الجثة والأدوات.
مسح كل شيء بدقة، مسح قطرات الدم من الأرض.
أخذ حقيبته، وخرج من الباب الخلفي، كأنه لم يكن هناك أبدًا.
وفي تلك اللحظة،
هبت ريح خفيفة، حركت باب المستودع فصدر صرير طويل...
ثم عاد الصمت.
**
لا كاميرات.
لا شهود.
لا أثر.
وكانت هذه... البداية فقط.