سجينة نفسي - لقاء مدبّر - بقلم أماني عماد | روايتك

اسم الرواية: سجينة نفسي
المؤلف / الكاتب: أماني عماد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: لقاء مدبّر

لقاء مدبّر

عمر: لم أذقك طعم النوم تلك الليلة، فكلما طردتُ الأفكار من رأسي لأنام، أجد الأفكار التي هربت منها تطاردني في أحلامي، فتفزعني وتيقظني. رأيت في المنام لقائي بمايا بعدة سيناريوهات مختلفة. فمرة ألتقي بها في القطب الشمالي و أتجمد من البرد بينما هي تنظر إلي بخبث، ومرة أخرى نجلس في مقهى عادي، فتتحول هي إلى إنسان آلي وتمد يدها وتمسك بعنقي، فاختنق وأستيقظ. أخذت الأحلام والأفكار السيئة تقذفني من فكرة إلى أخرةدى ومن حلم إلى آخر حتى طلع النهار. نهضت من الفراش مبكرًا، وتجهزت للذهاب للعمل. لم أشعر أن معدتي بخير، فلم أتناول الفطور حتى. ابتعت كوبًا من القهوة في طريقي إلى العمل حتى أستفيق. في طريقي هاتفت ماجد وأخبرته أنني أريد لقاءه؛ حنى يلحق بي ويلتقيني في الشركة. مرت ربع ساعة ق تقريبًا منذ وصولي إلى مكتبي، وإذ بماجد يطرق الباب ثم يدخل. فزع ماجد عندما رأى مظهري وقال: - يا إلهي! ما الذي جرى لك؟ هل تحولت إلى زومبي؟ - توقف عن المزاح وأجلس. جلس ماجد على المقعد أمام المكتب مترقبًا لما سأقوله. لم أتركه ينتظر كثيرًا، فأنا في أمس الحاجة للتعبير عما في داخلي. قلت: - مايا. - مايا المسيري؟ - نعم، يريد والدي مني أن أتزوجها. - أيها النذل! كيف لم تخبرني بذلك؟ هل تخطط لعدم دعوتي إلى زفافك؟ - ما الذي تتحدث عنه؟ من قال أنني سأدع الأمور تصل إلى حد الزواج؟ لقد ابتزتني سهير بالأمس لأقابل مايا اليوم. سألتقي بها ثم سأتحجج بأننا لم نرتح، وسينتهي الأمر. أريد فقط أن أجد حلًا مع أبي... قاطعني ماجد غاضبًا: - ماذا تقول؟ لديك الفرصة بالزواج من مايا المسيري وأنت ترفض؟ هل هناك خطب في عقلك؟ - لماذا يرى الجميع أنها شخص رائع؟ لا أرى بها ما يميزها عن غيرها، بل على العكس إنها مليئة بالعيوب. هز ماجد رأسه في أسف مصطنع ثم قال: - أعتقد أنك ستبقى عازبًا للأبد. - لا يهمني الأمر طالما لن أتزوج مايا. - مهلًا، هل قلت أنك ستلتقي بها اليوم؟ - نعم... - خذني معك. - ماذا؟ - خذني معك أرجوك. أريد أن أتعرف عليها. - سيكون من دواعي سروري أن تذهب أنت نيابة عني، ولكنني قلت لسهير أنني سألتقي بها، كما لو عرف والدي أنك ذهبت فعلى الأغلب سيقضي على كلينا. - حسنًا، احتفظ بالمتعة لنفسك. وصلني إشعار على هاتفي، فإذ بها رسالة من أبي كُتِب فيها موعد لقائي بمايا اليوم، كما عنوان المقهى الذي سنلتقي فيه. تساءل ماجد: - من المُرسِل؟ - إنه أبي، أرسل لي تفاصيل لقائي بمايا. - متى ستلقاها؟ - في الثانية ظهرًا. زفر ماجد وتظاهر بالشرود وقال: - كم أنت محظوظ. نظرت إليه باشمئزاز، ثم طردته من مكتبي كالعادة بعد أن أشارك معه ما يقلقني. المشكلة أن حديثي مع ماجد لم يفدني كثيرًا هذه المرة. جلست على مكتبي منكبًا على كمية هائلة من الأوراق التي تتطلب المراجعة أثناء احتسائي لقهوتي. انتبهت أن عقارب ساعة الحائط تشير إلى الواحدة ظهرًا، فأخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بقوة متذمرًا. توجب علي الانتهاء مما أعمل عليه حتى أصل في الموعد. نظرت إلى ساعة يدي بعد أن ركنت السيارة أمام المطعم. كانت تشير إلى الثانية ظهرًا. ترجلت من السيارة ودخلت إلى المطعم. تجولت بعيني أنظر هنا وهناك في محاولة البحث عن مايا حتى وجدتها. كانت تجلس على طاولة بجوار النافذة مرتدية ثيابًا رسمية أنيقة، وترتشف قهوة سوداء ببطء. بدت ملامحها هادئة، ولسبب ما شعرت لوهلة أنها تبدو جميلة ورقيقة كالأميرات. نفضت تلك الأفكار عن رأسي ورحت أقترب من الطاولة، فرأيتها تنظر إلى ساعة يدها التي لم أرَ لتصميمها مثيلًا من قبل وبدى أنها تتذمر. عرفت أنها من الأشخاص الدقيقين جدًا في مواعيدهم وأنها لن تتسامح معي لأن الساعة تشير الآن إلى الثانية وثلاث دقائق وهي لم ترني بعد. اقتربت قائلًا: - مرحبًا. آسف على التأخير. نظرت إلي بعدم اكتراث، ولم تنهض حتى لتحيتي كما تخيلت أنها ستفعل، بل اكتفت بالإشارة إلي بالجلوس في المقعد المقابل. قلت مبررًا: - لقد وصلت في الموعد، لكنني استغرقت بعض الوقت لإيجاد مكان لركن السيارة. نظرت إلي مجددًا بعدم اكتراث غير مصدقة لعذري. معها حق، فأنا من كنت أتلكأ حتى أصل متأخرًا ويفوتني الموعد لولا تدخل ماجد. حاولت كسر الجبال الجليدية بيننا قائلًا: - هل نطلب الطعام؟ فأجابت ببرود: - نعم، لا بأس بذلك. استدعيت النادل الذي أعطاني قائمة طعام بينما رفضت مايا القائمة قائلة: - أريد وجبتي المعتادة. أجابها النادل: - نعم آنسة مايا. فقلت موجهًا كلامي للنادل: - أريد شريحة لحم متوسطة النضج مع البطاطا المهروسة والبازلاء، وأرغب بعصير برتقال طازج من فضلك. أجابني النادل وقد دون طلبيتي: - نعم سيدي. انصرف النادل، فقلت: - يبدو أنكِ زبونة دائمة هنا. - نوعًا ما. - هل تأتين إلى هنا وحدكِ أم برفقة أحدهم؟ - آتي إلى هنا عندما أحتاج للقاء أشخاص خارج المكتب. هززت رأسي متفهمًا. ثم صمتُ أحاول البحث عما يجدر بي قوله، فوجدت نفسي أسألها بعفوية: - إذن، كيف يسير العمل؟ كم أنا أحمق! يا له من سؤال روتيني لا أهمية له. - إنه يسير على ما يرام. ارتشفت قليلًا من قهوتها ثم قالت: - بالمناسبة، لقد بحثت كثيرًا عن مقابلات لك على الانترنت، لكنني لم أجد إلا مقالات صغيرة غير مهمة. شعرت أنها تقصد إهانتي بذلك، وخصوصًا أنها عادت لارتشاف قهوتها ببرود والنظر إلي وكأنها تنتظر ردة فعلي، لكنني قلت بهدوء: - نعم معكِ حق، لم أُجرِ الكثير من المقابلات، فغالبًا ما يحب الصحفيون والإعلاميون الأسئلة الشخصية، وأنا بصراحة لا أحب الخوض في تفاصيل حياتي الشخصية على الملأ. ابتسمت ابتسامة باردة ثم قالت: - نعم ذلك يحدث عندما لا تمتلك الكثير من الإنجازات في مجالك، فيتطرقون لحياتك الشخصية. كنت على يقين هذه المرة أنها تقصد استفزازي، لكنني لم أُعِر ذلك اهتمامًا وابتسمت ابتسامة بلهاء. قالت بعد ثوانٍ من الصمت: - لقد قرأت عن شركتك بأي حال، ويبدو أنك تديرها جيدًا. أعني لم يكن هناك مشكلات مالية أو إدارية في الفترة التي توليت فيها منصبك و... قاطعتها قائلًا: - دعينا لا نتحدث عن العمل. صمتت قليلًا وبدت متعجبة قبل أن تقول: - ما الذي تريد التحدث عنه إذن؟ تعجبت من ردها، ولكنني أجبتها: - بالتأكيد تعرفين لمَ نحن هنا... أعني لقد أرسلنا أهلنا لنتعرف إلى بعضنا... قاطعتني بثقة: - ما الذي لا تعرفه عني وتريد معرفته؟ أقصد أن الجميع يعرف من هي مايا المسيري. قاطعتها أنا الآخر: - أعتقد أنك تدركين لما أرسلنا أهلنا إلى هنا. نحن هنا لنتعرف على بعضنا البعض، وإن سار الأمر بشكل جيد، فسنتخذ خطوة جادة و... قاطعتني في ملل: - هذا ليس جوابًا على سؤالي. ما الذي لا تعرفه و تريد معرفته؟ أجبتها في حنق من أسلوبها: - إن كنت سأتزوج فأنا لن أتزوج مايا المسيري، سأتزوج مايا. لا تهمني مايا التي تظهر للجميع في العلن، يمهني أن أعرف مايا التي سأقضي حياتي معها. لاحظت تغيّر تعبيرات وجهها، لقد كانت تعبيرات لم أفهمها. هل كانت صدمة من صراحتي؟ أم كانت غضبًا من نبرة صوتي؟ أم كانت حيرة من كلماتي؟ مرت بضعة دقائق ثم اعتدلت مايا في جلستها واستعادت وضعيتها الواثقة ووجهها البارد، ثم قالت: - اسأل ما تريد. شعرت بالاستفزاز في داخلي. شعرت أنها تعامل هذا اللقاء كمهمة يجب إنهاؤها. حسنًا أنا أيضًا جئت إلى هنا مجبرًا، وليس لأنني أريد قصاء الوقت معها. هكذا فكرت، حتى وصل منقذي أخيرًا. لقد كان النادل ومعه الطعام. كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بهذا القدر من الامتنان لوصول النادل. قلت: - وصل الطعام، لنأكل أولًا. انغمس كل منا في تناول طعامه لبضع دقائق حاول فيها كل منا تجنب الحديث مع الآخر. ولكن تبادر إلى ذهني بأن والدي وعمتي سيحققان معي بعد العودة من هذا اللقاء المشؤوم. أخذت نفسًا عميقًا وابتسمت ابتسامة مصطنعة وسألتها: - ماذا تفضلين أكثر أللحم أم الدجاج أم السمك؟ مضغت ما في فمها من طعام، ثم رفعت عينيها عن صحنها بهدوء ثم قالت: - آكلهم جميعًا. يبدو أنها تحاول إحباط محاولاتي في بدء أي حديث، ولكن لا بأس، فهذا اللقاء لن يجري كما تريد هي. سألتها مجددًا: - هل تعرفين ماذا أحب؟ عكس توقعاتي، جارتني مايا في الحديث وقالت غير مبالية: - ماذا تحب؟ فأجبت: - الدجاج، إنه رائع أيًا كانت طريقة طهوه. أما السمك، فأنا لا أحبه إطلاقًا. رائحته بشعة جدًا وقوامه ليس محببًا إلي. هزّت رأسها بغير اكتراث، فسألتها: - أي الطعام لا تحبين؟ أجابت: - أنا آكل كل شيء تقريبًا، لدي فقط حساسية تجاه الحليب. - هذا مؤسف، يبدو أنه لم تتسنّ لكِ الفرصة للاستمتاع ب"الكريم كراميل" أو مثلجات الفانيلا. ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قالت: - للأسف، لم يتسنّ لي ذلك.