الفصل الثاني
مرّت ثلاثة أيام منذ استلمت شريفة الورقة المجهولة التي وُضعت على سيارتها. لم تخبر أحدًا بها، لكنها لم تكن بحاجة للتفسير... لقد بدأ الضغط. خطوة إعادة فتح ملف سهيل فاضل كانت كأنها إشارة حرب. ومع ذلك، لم تتراجع.
في مكتبها، كانت تراجع الخطوات القانونية المطلوبة لإعادة النظر في القضية، لكن كل محاولة كانت تصطدم بجدار من الصمت أو التأخير البيروقراطي.
دخلت عليها سعاد، صديقتها وزميلتها: – "شريفة... هل قدمتِ طلب فتح الملف؟" – "نعم، لكنهم يؤجلونه بلا مبرر." – "النيابة ترفض إعادة الفتح لأن لا أحد تقدم بطلب رسمي من عائلة المتهم." – "لكنني القاضية التي أصدرت الحكم! ولدي دليل على وجود شهادة أُخفيت!" – "هذا لا يكفي... أنتِ تعرفين القواعد يا شريفة."
شريفة وقفت، ثم قالت بنبرة حادة: – "إذن سأتقدم بطلب نيابة عن المتهم. كمواطنة، لا كقاضية. وليفعلوا ما يشاؤون."
قبل أن تخرج، أضافت سعاد بهمس: – "احذري من فاضل هلال... إنه لا يسقط بسهولة."
---
في المساء، زارت شريفة عائلة سهيل من جديد. هالة استقبلتها بابتسامة متوترة، ووالدتهما العجوز جلست في الزاوية تبكي بصمت.
– "أريد منكم تقديم طلب رسمي لإعادة فتح القضية... لدينا ما يكفي من الأدلة لإجبار المحكمة على المراجعة."
هالة نظرت إلى والدتها، ثم إلى شريفة: – "لكنهم قالوا لنا إن لا أمل... وأن أي محاولة تعني تضييع وقت."
– "هذا ما يريدونكم أن تصدقوه. لكني سأقف معكم، حتى النهاية."
وقّعت هالة الأوراق الرسمية، وسلمتها لشريفة.
---
في اليوم التالي، استلم مكتب رئيس المحكمة طلب إعادة المحاكمة، مرفقًا بشهادة مختومة من النيابة، تحمل توقيع مهاب شوقي، ومذكرة داخلية من شريفة توضّح تناقضات الملف.
لم تمرّ ساعتان، حتى استدعيت شريفة إلى مكتب رئيس المحكمة.
رجل في الخمسين من عمره، أنيق، قليل الكلام، يُدعى المستشار عدنان الجندي. جلس خلف مكتبه الخشبي العتيق، يطالع الأوراق بهدوء.
– "القاضية شريفة، هل أنتِ واثقة من هذه الخطوة؟" – "كل الثقة، سيدي." – "تعلمين أن التشكيك في ملف صادر من النيابة بهذا الشكل قد يفتح النار علينا جميعًا؟" – "أنا لا أشكك في النيابة، بل في الإجراء الذي تم في هذه القضية تحديدًا. هناك ورقة أُخفيت عمداً، وأدلة لم تُدرج."
سكت لحظة، ثم قال: – "أعطيني أسبوعًا. سأراجع الملف شخصيًا."
خرجت شريفة من المكتب وهي تشعر ببعض الأمل... لكنه لم يستمر طويلاً.
---
في نفس اليوم، تلقت اتصالًا من رقم مجهول: – "عزيزتي القاضية... العدالة لا تحمي من يعبث بها."
قبل أن ترد، انقطع الخط.
وفي المساء، تلقت صورة على هاتفها. كانت صورة لسيارتها، مركونة أمام منزل عائلة سهيل. في الزاوية توقيع رقمي:
> "نراك قريبًا."
---
القلق بدأ يتسلل داخلها. لم تكن معتادة على التهديدات، لكنها الآن في منتصف نار لا تعرف من يشعلها. وبدأت تتساءل: هل كل هذا يستحق؟ هل من العدل أن تخاطر بحياتها المهنية... وربما حياتها الشخصية، لأجل قضية واحدة؟
لكنها تذكّرت شيئًا.
في بداياتها، قالت لها معلمتها الأولى في المعهد القضائي:
> "القاضي الذي يخاف الحقيقة، أخطر من القاتل نفسه."
نظرت إلى المرآة في مكتبها، ورأت التعب في وجهها، لكنها رأت أيضًا العزم.
---
في اليوم التالي، وبينما كانت تعدّ تقريرًا داخليًا لدعم فتح القضية، دخلت السكرتيرة إلى مكتبها مذعورة.
– "قاضية شريفة! هناك رجل في القاعة يريد رؤيتك فورًا... ويقول إن الأمر مسألة حياة أو موت!"
خرجت شريفة بسرعة، لتجد ياسين المعري واقفًا في الردهة، يحمل مظروفًا كبيرًا في يده، ووجهه شاحب.
– "وجدت شيئًا."
– "ماذا؟"
– "كاميرا مراقبة خلف المقهى الذي حصلت فيه الجريمة. كانت معطلة وقتها، لكن قبل يومين، كنت أبحث في ملفات الشركة المشغلة... وتبيّن أن أحد الموظفين احتفظ بنسخة من التسجيل. لم تكن الكاميرا معطلة كما زعموا."
– "وما فيها؟"
فتح ياسين اللابتوب، عرض التسجيل، وقال: – "شاهدي بنفسك."
شريفة حدقت في الشاشة.
في التسجيل، ظهرت رُبى ماضي تخرج من المقهى... ثم شخص يلاحقها... لكن لم يكن سهيل.
كان رجلًا آخر، طويل القامة، يرتدي معطفًا غامقًا... لم يكن وجهه واضحًا، لكن مشيته تختلف تمامًا عن سهيل.
صمتت شريفة للحظة، ثم قالت: – "أين كان هذا الفيديو كل هذه الشهور؟"
ياسين ابتسم بمرارة: – "كان محجوبًا... مثل الحقيقة.