الجزء الاول
روح في قماش
في أحد الأحياء القديمة، حيث تتزاحم الأبنية الصامتة كأنها تخفي أسرارًا لا تود البوح بها، كانت "ياسمين" تمرُّ يوميًا من زقاق ضيق، لم تنتبه أبدًا لوجود ذاك المتجر الصغير في نهايته. في أحد الأيام، وكأن قوة خفية جذبتها، توقفت.
كانت واجهة المتجر مغطاة بطبقة كثيفة من الغبار، ووراء الزجاج المتهشم قليلاً، رأت شيئًا غريبًا... دمية، ترتدي فستانًا أبيض قديمًا، شاحب الوجه، تبتسم ابتسامة لا راحة فيها، فقط شيء خفي كأنها تسخر من العالم.
فتحت الباب، فصدر عن الجرس المعلّق صريرٌ كأنّه صرخة روح، ودخلت.
لم يكن في المتجر سوى رجل مسنّ، عيناه لا تنظران مباشرة، بل كأنهما تحدّقان في زمنٍ آخر.
قالت بصوت خافت:
ــ كم سعر تلك الدمية؟
نظر إليها طويلاً، ثم تمتم:
ــ هذه الدمية ليست للبيع... هي عائدة لفتاة تدعى سيرين... لم يعد لها أحد...
ورغم رفضه، في الليلة ذاتها، وجدت ياسمين الدمية على باب منزلها، موضوعة بعناية، ملفوفة بقطعة قماش بيضاء، كُتب عليها بخط باهت: "أنا لم أختَر أن أموت."
ظنّت أن الأمر مجرد مصادفة غريبة. لكن بعد دخول الدمية إلى المنزل، تغيّر كل شيء.
بدأت ياسمين تسمع همسات في الليل...
"أنتِ تشبهينني..."
"أعيديني إلى مكاني..."
"هو لم يُعاقب..."
كانت الأصوات تأخذ شكل أنين طفل، ثم تتحوّل إلى صرخات خافتة.
صور على الحائط تسقط دون سبب، الأضواء تومض، والدمية...
كانت تظهر في أماكن مختلفة كل يوم.
وذات ليلة، استيقظت ياسمين على صوت بكاء مكتوم. فتحت عينيها... كانت الدمية جالسة عند طرف سريرها، رأسها مائل قليلاً، وفمها مفتوح كأنها تهمس باسمها:
ــ "ياسمين..."
ثم رأت الحلم الأول.
فتاة صغيرة، شعرها أسود طويل، ترتدي نفس الفستان الأبيض، تبكي في زاوية غرفة معتمة. كان هناك رجل، لا يظهر وجهه، يصرخ، ثم يمد يده... وبعدها صمت، فصرخة، فدم.
استيقظت ياسمين وهي ترتجف.
من تلك الفتاة؟ ولماذا تشعر أنها ليست غريبة عنها؟
في الأيام التالية، بدأت تكتشف رسائل مكتوبة بخط طفولي، تظهر في أماكن غريبة: تحت وسادتها، داخل دفاترها، على المرآة بعد الاستحمام...
"هو أبي... لكنه قتلني."
"أخبرهم أنني لم أهرب... أنا في القبو."
"ساعديني... لا أريد أن أبقى هنا."
لم يكن أحد يصدق ياسمين. أمّها ظنّت أنها تتخيل. لكن الدمية... كانت تزداد حياة.
وجهها بدأ يتغير، تفاصيله تصبح أكثر واقعية.
كأن الروح المحبوسة فيها تستيقظ.
وفي أحد الأيام، وجدت ياسمين بابًا خلفيًا في قبو منزلها، لم تره من قبل، خلفه غرفة صغيرة، رطبة، باردة، يكسوها العفن، وفي الزاوية...
كانت هناك بقعة دم قديمة... وعظام صغيرة.
وفوقها، لوحة مرسومة بألوان باهتة: وجه طفلة تبتسم، والدمعة في عينها لا تجف.
ركضت ياسمين مذعورة خارج القبو، قلبها ينبض بعنف كأنّه يريد الهروب من جسدها، والدمعة في عينها لا تعرف طريقها للنزول، كأن الرعب جفّف كل مشاعرها.
لكنّها كانت تعرف الآن: الدمية ليست مجرد شيء مسكون... بل شاهدة قبر.
في تلك الليلة، عادت إليها "سيرين" في الحلم. لكن هذه المرة، لم تكن تبكي.
كانت واقفة.
وجهها شاحب، ثوبها ممزّق، ودماء جافة تلطخ رقبتها.
قالت بصوت مكسور، لكنه غاضب:
ــ "أبي... قال إنني كنت السبب... قال إنني أنا من جرّه للخطيئة..."
ثم صمتت، وحدقت في ياسمين بعينين تملأهما الكراهية والخوف معًا:
ــ "أنا لا أريد الانتقام... أريد الحقيقة.
لكني... أحتاجك."
استيقظت ياسمين وهي تصرخ.
عرفت الآن أن هناك سرًا مدفونًا في بيتها، وأنها الوحيدة التي تسمعه.
بدأت تبحث في سجلات المدرسة، في الجرائد القديمة، وفي كل ما استطاعت الوصول إليه.
واكتشفت المفاجأة...
سيرين كانت ابنة صاحب المنزل القديم... وهو نفسه جدّ ياسمين من جهة الأم.
لكن لا أحد تحدّث عنها.
في العائلة، كانت تُوصف بـ"الفتاة المختلة التي هربت في ليلة عاصفة"، ولا أحد تجرأ على ذكر اسمها.
لكن الحقيقة كانت مدفونة، ومعها صرخة لم تُسمع.
جدّ ياسمين... كان هو القاتل.
**
في الليل، بدأت الدمية تتحرك أمام عيني ياسمين.
كانت تجلس بجانبها، تتحدث أحيانًا بصوت سيرين، وأحيانًا بصوت رجل كريه، مملوء بالغضب، يصرخ، يهدد، يشتم...
ياسمين كانت تنهار ببطء. كلما اقتربت من الحقيقة، كانت "سيرين" تسيطر على أجزاء من عقلها.
صوتها بدأ يخرج من فم ياسمين أحيانًا... دون أن تشعر.
ويديها ترتعشان عندما تمسك الدمية، كأن هناك من يسحب روحها شيئًا فشيئًا.
**
قررت ياسمين أن تواجه الحقيقة.
ذهبت إلى جدّتها، وصرخت فيها:
ــ "لماذا كذبتم؟ لماذا لم تنقذوها؟ جدّي قتلها، أليس كذلك؟!"
بكت العجوز، وانهارت، وقالت:
ــ "كنّا خائفين منه... كانت تصرخ، وتقول إنه لمسها... لكن لا أحد صدّقها. كنت جبانة، وسكتيت."
حينها فقط، ابتسمت الدمية...
ولأول مرة، أُغلقت عيناها.
لكن هذا لم يكن نهاية اللعنة.
**
في الصباح التالي، وجدت أمّ ياسمين ابنتها جالسة على الأرض، تمسك الدمية بشدة، وعيناها شاحبتان، لا رمش فيهما، ووجهها يشبه تمامًا وجه "سيرين" في الصور القديمة.
ويقال إن ياسمين... لم تستيقظ أبدًا.
أصبحت الوعاء الجديد للروح المعذبة.
وصارت تهمس ليلاً… لكل من يجرؤ على الاقتراب:
"أنا لم أختر أن أموت... لكنني اخترت أن أبقى."