لا شيء بالمجّان الفصل الثالث
في أول منعطف ضيق بين الصخور، لمحَت رميا ضوءًا خافتًا يشبه لهيب شمعة قديمة. تقدّمت نحو النور بخطوات حذرة، وكلّما اقتربت، بدأت تشعر أن الحجارة تتنفس، وأن الهواء... أثقل.
وصلت إلى قوس حجريّ، يتدلّى منه لوح رخاميّ كُتب عليه:
> "لكي تأخذي… أعطِ."
"لا يُفتح باب إلا إذا فُقد شيء."
همست لنفسها:
> "ما هذا؟ مدينة أم صفقة شيطانية؟"
فُتح الباب دون أن تلمسه، ودخلت.
الغرفة كانت دائرية، في وسطها طاولة من حجر أسود، وعلى الطاولة… كأس ماء.
سمعت صوتًا عميقًا، دون أن ترى أحدًا:
> "العطش يحرقك، أليس كذلك؟ خذي الكأس… لكن المقابل؟
أعطينا شيئًا منك: قدرتك على الغناء. لن تغني أبدًا بعدها."
سكتت رميا. يدها تشتاق للكأس، لكن قلبها يتردّد.
ثم قالت بثبات:
> "أُفضّل الجفاف على فقدان صوتي."
**
في مكان آخر، كان سراج أمام بوابة حديدية. أراد فتحها.
صوت غامض أخبره:
> "للدخول، أعطِنا ذكاءك في الحساب."
ضحك ساخرًا:
> "أنا مهندس. ماذا سأفعل دون حساب؟"
قال الصوت بهدوء:
> "هل دخولك أهم من منطقك؟ اختر."
وتردّد… لكنه في النهاية فتح كفّه وقال:
> "خذوه."
فانفتح الباب… وشعر فجأة كأن الأرقام لم تعد مفهومة.
كأن العالم صار لغةً بلا مفاتيح.
**
أما علي، فجلس أمام تمثال رخاميّ لامرأة مغمضة العينين.
قال له التمثال:
> "تبحث عن الخروج؟ أعطنا أعزّ ما تملكه."
فكّر طويلاً… ثم سأل:
> "وما هو؟"
ردّ الصوت:
> "أنت مَن يُقرّر."
---
هكذا عرفوا جميعًا أن هذه ليست مدينة… بل ميزان كبير، يحاسبك لا على ما تفعل، بل على ما تقدر أن تُضحي به.
مدينة التبادل.
مدينة الثمن.
وكلّما أرادوا الخروج، ازدادت الكلفة.