الفصل السادس عشر
الفصل السادس عشر:
"أنا جنبك... ومش ناوي أمشي"
الهدوء كان خانق… مش زي هدوء الليل العادي، لا… ده كان نوع تاني، كأن اللحظة دي بالذات قررت توقف الزمن، وتمدّها شوية كمان.
داليا كانت قاعدة على الكرسي، عينها في الأرض، وإيدها على جنبها اللي لسه بيوجعها، بس مش الألم الجسدي هو اللي مقلقها… لا… ده كان آخر همّها.
كريم وقف قدامها، ساكت، وكل جزء فيه بيقول إنه عايز يطمنها… بس برضه كان خايف يضغط عليها.
هي رفعت عينيها بصعوبة، وشافته بيبص لها بنفس النظرة اللي دايمًا كانت بتخلي قلبها يخبط… نظرة كلها حنية وخوف وشوق.
قال بهدوء وهو يقرب منها شوية:
ـ "أنا آسف… لو خوفتك أو زودت عليك حاجة… بس… كنت محتاج أطمنك، حسيت إنك محتاجة الحضن ده أكتر من أي حاجة تانية."
داليا حركت عنيها بسرعة بعيد عنه، وكأنها مش قادرة تبصله. خدودها كانت محمرة، وشفايفها بتترعش شوية.
ـ "كريم… إحنا… ما ينفعش…"
قالتها بصوت واطي، صوت بين الغربة والخجل.
كريم قرب أكتر، لكنه ساب مسافة بينهم، واحترم توترها.
ـ "أنا عارف… وعشان كده مش هقرب أكتر من كده. بس داليا، اسمعيني… أنا مش ناوي أضغط عليك، ولا أتجاوز حدودي."
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت أهدى:
ـ "أنا بس عايزك تكوني عارفة إنك مش لوحدك… وإن لو فعلاً مش مصدقاني… مكانش زمانك هنا دلوقتي، في وسط الليل، ودمك بينزف."
داليا بصت له تاني… المرة دي عنيها كانت مختلفة. في دموع في طرف الرموش، بس كمان في حاجة تانية… ارتياح. يمكن لأول مرة من زمان، حست إن فيه حد فاهمها… مش بيحاكمها… حد بيحبها فعلاً، من غير شروط.
ـ "أنا مش عارفة أصدق إني هنا… ولا إني لسه عايشة بعد كل ده…"
قالتها وهي بتحط إيدها على جبينها.
كريم جاب فوطة صغيرة ومسح الدم اللي كان عند جنبها بحذر، وقال بنبرة هادية:
ـ "إنتي هنا، ولسه عايشة، ولسه فيكي حياة كتير… وأنا مش هسيبك تمشي لوحدك فيها."
داليا شردت شوية، وافتكرت اليوم كله… القفزة من الشباك، الجري، الشوارع، الألم… وبعدين حضنه.
ابتسمت بسخرية وقالت:
ـ "أنا عملت مصيبة… صح؟"
كريم ابتسم، أول ابتسامة حقيقية من ساعات:
ـ "مصيبة؟! لا يا مجنونة… إنتي بس عملتي خطوة شجاعة… خطوة لإنقاذ نفسك. وأنا فخور بيكي."
سكتت، وسابته يشوف الدموع وهي بتنزل بصمت، بس من غير انهيار… كانت دموع فيها حاجة شبه الراحة.
وبهدوء قالت:
ـ "أنا خايفة يا كريم… خايفة جدًا."
هو قعد جنبها، بهدوء تام، وقال:
ـ "بس مش لوحدك."
وساد الصمت…
بس ماكانش صمت خوف… لأ، كان صمت بداية جديدة.