الفصل الثاني والثلاثين:
الساعة كانت مأخرة جدًا...
المطر بينزل بغزارة، صوته بيملى الشوارع الفاضية، والإضاءة الخافتة من أعمدة النور بتترعش تحت الرياح.
عربية ناجد الـSUV السودة واقفة على جنب الطريق، المية مغرقاها من فوق ومن تحت، وكأن المطر جاي مخصوص يغسل الغضب اللي جواه… لكن الحقيقة إن الجرح أعمق من إنه يتغسل.
ناجد واقف برا العربية، المطر بينزل على جسمه كأنه مش حاسس بيه، ماسك سيجارة في إيده وبيدخن بشراهة، النفس ورا النفس، والدخان بيختلط ببخار المطر كأنه هروب فاشل من اللي جواه.
عينيه ثابتة في الفراغ… مش شايف الطريق ولا شايف الشجر اللي بيتهز من الرياح، شايف حياته وهي بتتقلب، اللحظات اللي من ساعة كانت مسيطرة عليه… دلوقتي بقت دخان زي السيجارة اللي في إيده.
حس بوجع في صدره مش من السجائر، من الخيانة اللي حس بيها، من الحيرة اللي مخليه مش قادر يصدق إزاي حياته كلها اتشقلبت في وقت قصير.
وفي نفس اللحظة، في البيت، ربى خارجة من الحمام، شعرها لسه مبلول، ماسكة الفوطة وبتجففه وهي ماشية ببطء ناحية التسريحة.
لابسة بيجامة حرير بلون هادي، ملمسها ناعم جدًا وبارد على بشرتها، كأنها بتحاول تعوض نفسها عن التوتر اللي عاشته طول اليوم.
وقفت قدام المراية، بصت على نفسها لحظة… نظرة فيها تعب وفيها عزيمة في نفس الوقت. مدت إيدها للتليفون اللي على الكومودينو، ضغطت على الشاشة، فتحت التقويم وبصت على التاريخ، صباعها ضغط عليه وهي بتتمتم
"شوية وقت بس… بس شوية."
اتنهدت، سابت التليفون، وسحبت البطانية على السرير.
غرفت في السرير بهدوء، عينيها قفلت بسرعة وهي بتهمس لنفسها إنها محتاجة تنام… محتاجة تاخد حتى ساعات قليلة من الهدوء قبل ما اليوم الجاي يبتدي.
بره، صوت المطر مكمل، والرياح كأنها شاهدة على الاتنين: واحد بيدخن تحتها بيحاول يفهم إزاي حياته وقعت، والتانية نايمة في دفء البيت ومستنية التاريخ اللي ممكن يغير كل حاجة.
______
كانت الدنيا ساكتة إلا من صوت المطر الخفيف على الشبابيك، وربى نايمة على ضهرها، شعرها مفرود على المخدة. فجأة، إحساس غريب جدًا صحاها، زي حد بينادي روحها مش ودنها… إحساس يخليك تصحى وأنت مش فاهم ليه.
فتحت عنيها ببطء، ولسه شهقتها ماكملتش، حسّت كف خشن وساخن بيكمم بقها بإحكام. عنيها اتسعت فجأة، النَفَس اتقطع، وقلبها دق بسرعة لدرجة إنها حسّت صوت دقات قلبها بيملأ القوضة.
هشام… واقف فوقها، منحني، عنيه كلها جنون ووشه متغطي بجروح ولسه آثار الدم عليه، وسكينة بيلمع نصلها وهو حاططها على رقبتها. برودة النصل لمست جلدها… إحساس الموت نفسه لمسها.
عنيها كانت مليانة رعب صافي… الرعب اللي بيشل الجسم كله. عضلاتها متجمدة، حتى إيدها مش قادرة تتحرك. عينيها بس اللي بتقول كل حاجة: خوف، رجاء، صدمة.
هشام بصوت بارد ومخيف
"دلوقتي هسألك سؤال واحد… لو كدبتي، هنحر رقبتك بالسكينة دي حالًا."
شال إيده من على بقها ببطء، عنيه مركزة عليها وكأنه بيقولها: جربي تصرخي وهتشوفي اللي هيحصل.
ربى هزت راسها بسرعة، ايماءة مرتعشة، عينيها فيها دموع محبوسة.
"إنتي اللي قولتي لناجد إن الشرطة جاية؟"
صوت هشام كان زي حد بيدق مسمار في دماغها، والهواء البارد في الأوضة حسسها إنها خلاص مش موجودة هنا.
ربى بسرعة نفت، صوتها متكسر وخايف
"لا… لا… أنا ماعملتش كده!"
رجعت بظهرها لورا تستند على السرير، عايزة تهرب منه حتى وهي محبوسة في مكانها.
هشام ضيق عنيه
"طب مين؟"
ربى، ولسه صوتها بيرتعش
"أنا أعرف منين؟ إسأل رجالتك… أنا من إمتى بدخل في حاجتك؟ وبعدين، إنت مش بتثق فيا؟ أنا دايمًا بساعدك علشان ليّا مصلحة معاك… ليه أساعد ناجد؟ ده طردني من حياته!"
هشام وقف لحظة، كأنه بيفكر، وبعدين صوته بقى أهدى لكن أخطر
"يمكن بتحاولي تكسبِيه تاني… يمكن بتلعبي لعبة أكبر من دماغك."
ربى ردت بسرعة، صوتها مليان رجاء وخوف
"إنت عارف ناجد ما بيسامحش الخونة… إزاي تتخيل حتى إنه ممكن يقبلني؟"
هشام ضحك ضحكة قصيرة، فيها سخرية، وقال
"معاكي حق… هو فعلًا ما بيسامحش الخونة. بس الغريب إنك لسه عايشة… وده لوحده مدهش."
بص عليها بنظرة طويلة نازلة على جسمها، وبصوت فيه خبث
"يمكن عرفت السبب دلوقتي."
ربى على طول شدت البطانية عليها، غطت نفسها بسرعة وقالت بصوت عالي
"اخرج برا يا هشام! روح دور على الخاين بتاعك بعيد عني."
هشام ابتسم ابتسامة كلها سخرية
"ما تخافيش… هادور. بس لو لقيت أي دليل عليكي… هقتلك من غير ما أفكر."
صوته في الجملة الأخيرة نزل نغمة تهديد بارد، ما فيهوش أي انفعال، كأنه بيتكلم عن قرار محسوم.
مشيت رجليه ناحية الباب، وخرج، بس من طريقة مشيته ونظراته، كان واضح إنه مش مقتنع إنها بريئة. هشام طول عمره ما بيصدقش الكلام… لكنه المرة دي اختار يسيبها، يمكن لأنه شايف إنها ممكن تنفعه في وقت قريب.
أول ما الباب اتقفل، ربى انهارت، نفس طويل جدًا خرج منها وهي مش مدركة إنها كانت حابسة نفسها طول الوقت. دموعها نزلت من غير ما تقدر توقفها… دموع خوف وذل وغضب من نفسها ومن الحياة اللي وصلتها للحظة إنها تتحط تحت سكينة حد زي هشام.
إحساس البرد كان مغرقها رغم إن السرير دافي… إحساس إن الموت كان واقف جنبها من شوية ولسه ريحته معلقة في الأوضة.
ربى وهي لسه بتحاول تستوعب اللي حصل مع هشام من شوية، سمعت صوت باب البيت بيتفتح تاني. قلبها وقع في رجليها، أول حاجة خطرت في دماغها: هشام رجع!
نزلت السلم بسرعة، عينيها مليانة خوف وغضب في نفس الوقت. المرة دي مش هتسيبه، مش هتسمحله يدخل بيتها وقت ما يحب.
لكن أول ما شافت الشخص اللي واقف في الصالة… اتجمدت في مكانها.
"…ناجد؟"
هو واقف هناك، واقف بصعوبة… مبلول بالكامل، هدومه لازقة على جسمه من المطر، ووشه شاحب جدًا، عينيه تايهة كأنه مش هنا أصلًا.
ربى نزلت جري
"ناجد! إيه اللي جابك هنا؟ إنت كويس؟"
هو بص لها بنظرة غريبة، نظرة كلها شوق ووجع في نفس الوقت، زي حد محروم من الهوى.
مدت إيدها علشان تسنده، لكنه أبعدها بحركة ضعيفة من إيده.
ربى اتعصبت من الموقف
"مش إنت اللي قلت مش عايز تشوف وشي تاني؟ مش ده كلامك؟! طيب إيه اللي جايبك هنا دلوقتي؟"
هو واقف ساكت، بس نظراته ليها مليانة حاجة غير اللي متعودة عليها، نظرات حنين وعشق قديم مكبوت.
"ناجد… مالك؟"
قبل ما يكمل خطوة… رجله خانته وكاد يقع. ربى جريت بسرعة، لحقت تمسكه. لمست إيده… نار! حرارته عالية جدًا.
"يا نهار أبيض! إنت سخن كده إزاي؟ إزاي سايق وجاي هنا؟ وزين فين؟"
وبعدين افتكرت بنفسها: "آه… صح… زين مش موجود أصلاً."
سندته بصعوبة، خدته فوق، خطوة ورا التانية لحد ما وصلوا الأوضة. حاولت تحطه على السرير لكنه تقيل، وهي وقعت فوقه في الآخر من التعب.
اتقابلت عنيهم، ولحظة صمت غريبة سادت… قلبها بدأ يدق بسرعة. قامت بسرعة تحاول تبعد نفسها، لكنه مسكها من وسطها، مش بقوة… مسكة مليانة تعلق، زي حد بيغرق ومسك طوق نجاة.
ربى قالت بسرعة، صوتها بيرتعش
" ناجد… إنت مش في وعيك!"
فكت إيده وراحت للخزانة، طلعت له لبس جاف، ورجعت تساعده. وهي بتفتح أزرار قميصه المبلول، حسّت نظرته المثبتة عليها… عينه مش بتتحرك، وكأنه بيحاول يحفظ كل تفاصيلها. خدودها احمرّت، قلبها لسه بيرتعش، وبلعت ريقها وهي تحاول تركز في شغلها مش في عينيه.
بعد ما خلصت، جريت تجيب دوا ومية. رجعت، ساعدته يشربه، وهي بتقول بصوت متوتر لكن مليان حنان
"إنت مجنون ولا إيه؟ واقف تحت المطر بالمنظر ده… ليه بتعمل في نفسك كده؟"
هو بعد ما شرب، صوته خرج مبحوح وضعيف، مليان وجع
"ليه عملتي كده…؟ أنا كنت شايفك ملاك… شايفك الحياة اللي نورت عتمتي."
بص لها بعينين حمر من الحرارة والتعب
"ليه يا ربى؟ أنا أذيتك يوم؟ أنا غلطت فيكي إمتى؟"
ربى اتجمدت مكانها، الكلام كأنه سهم دخل قلبها.
هو كمل، صوته بيتكسر
"أنا كنت مستعد أسامحك على أي حاجة… أي حاجة… إلا دي. ومع ذلك… معرفتش أكرهك… حتى بعد كل اللي حصل، معرفتش أؤذيكي."
ضحك ضحكة قصيرة فيها مرارة
"شوفتي عامل إزاي؟ جاي هنا… بس علشان أحس بحنانك...عشان مش قادر امنع نفسي عنك"
ربى حست دموعها بتتجمع، قلبها اتخبط بالذنب والحنين مع بعض. ساعدته يستلقي أكتر، غطته وهي بتكتم شهقاتها
"ناجد… إنت محتاج ترتاح… تنام شوية."
كانت هتقوم تسيبه، لكنه بصوت واطي
"رايحة فين؟"
ردت بسرعة تطمنه
"هعلّق هدومك وراجعالك."
هو سكت، مسك طرف البطانية وشدها عليه.
ربى رجعت بعد دقائق، لقت عينه مقفولة، تنفسه بقى أهدى. حطت إيدها على جبينه، تحسست حرارته اللي بدأت تقل شوية. حاولت تتحرك بعيد، لكن فجأة… إيده مسكت إيدها وشدها ناحيته، واحتضنها.
حضن مليان تعب واحتياج، مش قوة. حضن حد مكسور.
ربى وقفت لحظة مش عارفة تتصرف… بس في الآخر، سابت نفسها للحظة وسندت راسها على صدره، ودمعة نزلت من عينيها.
فجأة، ربى لقت نفسها تحت ناجد… جسمه فوقها، وإيده محاوطاها، وعينيه مثبتة فيها بشكل خلاها ترتعش.
الارتعاشة دي ماكانتش خوف… لأ، كانت شوق، حنين، إحساس كان مدفون من زمان وظهر فجأة. بس في نفس الوقت عقلها بيقول: "هو مش في وعيه… هو تعبان وسخن، ده مش وقته."
ناجد مال عليها، بدأ يقبلها… قبلة فيها جوع غريب، جوع راجل مفتقد حضن مراته، مش بس حب، لكن احتياج. صوته في تنفسه كان مسموع، دافي وضاغط على ودانها.
ربى حست بأنفاسه الحارة بتلمس رقبتها وهي نازلة لجسمها، فحاولت توقفه، صوتها واطي مهزوز
"ناجد… لأ… ده مش صح… إنت هتندم بكرة."
لكن لما رفعت وشه ناحيتها، وبص في عينيها، شافت حاجة مختلفة… ملامحه مش غضبانة ولا تايهة، لأ… دي ملامح راجل مشتاق، راجل بيقول بعينيه "أنا محتاجك دلوقتي".
وبدون ما يرد، رجع يقبلها تاني.
ربى، رغم محاولاتها، لقت نفسها بتبادله القبلة… كأن جسمها سبق عقلها. حضنها، قبلاتها، كل حاجة بتقول إنها هي كمان مفتقداه. لكن قلبها اتقبض لما حسّت حركته بتتغير… طريقته بقت مليانة "ملكية"، كأنه بيعلّم على جسدها… كأنه بيأكد إنها ليه هو وبس.
همست بنبرة ضعيفة وهي تمسك الغطا على السرير
"ناجد… بالراحة ..."
هو وقف لحظة، قرب من ودنها، صوته خافت جدًا
"أنا آسف…"
الهمس ده كان كأنه كهربا لمست قلبها… دمها كله سخن فجأة، ارتعشت أكتر، بس المرادي من تأثير صوته.
هي لقت نفسها، من غير تفكير، بتساعده يخلع قميصه… أصابعها بترتعش وهي بتحاول تتحكم في نفسها. في المقابل، هو بدأ يفك أزرار بيجامتها، وإيده مش ثابتة اوي من التعب لكن عزيمته واضحة.
رجعوا يقبلوا بعض، قبلة ورا التانية، كأنهم بيعوضوا شهور من البُعد والجفاء في لحظة واحدة. صوت أنفاسهم هو الوحيد اللي مالي المكان، ومع كل لحظة الشوق بيتحول لدفء أكبر.
ربى من جواها كانت عارفة: "هو بكرة هيصحى ويندم… هيشوف الليلة دي غلط."
لكن هي؟
هي مش هتندم… دي ليلة هي محتاجاها من زمان، ليلة ممكن تعيش على ذكراها حتى لو كل حاجة راحت بعد كده.
________
نور الصبح كان خفيف داخل من الشبابيك، وهدوء المكان بيتكسر بس بأنفاس اتنين…
ناجد فتح عينيه، حس بحرارة جسم تاني قريب منه. أول ما بص حواليه، اكتشف إنه نايم في حضن ربى. للحظة اتجمد مكانه، عقله مش قادر يستوعب هو فين وبيعمل إيه هنا. لكن ثواني قليلة وكأن الشريط بيرجع… الليلة، قبلاته، حضنه ليها… كل حاجة رجعت مرة واحدة.
بص ليها وهو على وشه علامات صدمة وندم. ربى كانت نايمة ببراءة، شعرها نازل على وشها، شفايفها متورمة شوية من قبلاته، ورقبتها… مطبوعة بعلاماته.
ناجد ضغط على أسنانه، وسب نفسه بصوت واطي:
"إيه اللي أنا عملته… أنا مجنون."
وقف بسرعة من السرير، بيلبس هدومه كأنه بيهرب من جريمة. إيده كانت بترتعش من التوتر. وهو بيحاول يلم هدومه بسرعة، خبط في ترابيزة التزيين، وقعت منها إزازة عطر واتكسرت، صوتها مزّق الهدوء.
ربى صحيت بفزع، قعدت بسرعة وهي بتبص حواليها
"ناجد… إنت كويس؟"
هو لف ليها بسرعة، صوته حاد بسبب توتره
"أنا بخير، مش محتاج قلقك عليّا."
ربى بصت ليه بنظرة حزينة، وكأنها كانت متوقعة ده
"عارفة… كنت متوقعة ردك اساسا"
ناجد مسح وشه بإيده، صوته متوتر
"اطمني… اللي حصل مش هيحصل تاني."
الجملة وقعت عليها تقيلة جدًا. قامت من السرير، لابسة قميصه اللي كان باين منه أكتر ما مخبي، وبصوت عالي شوية
"إنت بتتكلم كده ليه؟ أنا مراتك… واللي حصل بينا مش خطأ!"
ناجد ضحك بسخرية
"مراتي؟! عمرك شُفتي واحدة تخون جوزها ولسه بتسمي نفسها مراته؟ ولا إنتي شكلك صدقتي إنك مراتي عشان أنا ما طلقتكيش لحد دلوقتي؟"
الكلام كان جارح زي السكينة. ربى شدّت نفسها علشان ما تبكيش
"ناجد… بلاش الكلام ده."
لكن ناجد انفجر وكأنه يقنع نفسه
"أنا مش فاهم إزاي قربت منك وأنا مش حاسس بيكي أصلاً… إنتي بالنسبة لي بقيتي ولا حاجة… فاهمة؟! إنتي ما بقاش ليكي أي تأثير عليّا…ولا إنتي اللي قرب…"
ماكملش الجملة… صوت الصفعة قطع الكلام. ربى ضربته بإيدها بكل قوتها، عينيها فيها دموع وغضب
"إوعى في حياتك تتكلم عني بالشكل ده تاني."
ناجد اتجمد مكانه، مش مصدق إنها صفعته. ورغم إنه عارف إنه غلطان، إيده تحركت بعصبية ودفعها بعيد عنه.
ربى وقعت على الأرض بإيدها، لكن صرخت فجأة بصوت وجع لما رجلها دست على الزجاج المكسور.
ناجد اتصدم ولعن نفسه ازاي نسى الزجاج وازاي دفعها
"يا نهار أسود… الزجاج!"
جرى عليها بسرعة، شالها من الأرض من غير ما يفكر، حاططها على السرير
"استحملي… استحملي معايا بس."
جاب علبة الإسعافات الأولية بسرعة، وهو بينظف رجلها كان صوته مليان خوف حقيقي
"أنا آسف يا ربى… سامحيني، استحملي شوية، الجرح مش كبير."
ربى كانت ساكتة، لكن عينها فيها دمعة نازلة من غير صوت. الدمعة دي مش عشان الجرح، لكن عشان كل اللي بينهم.
ناجد وقف لحظة، بص في عينيها، صوته مكسور
"أنا آسف… والله آسف."
بعد ما خلص تضميد جرحها، ربى بصت له وقالت
"بجد يا ناجد… أنا ما باثّر فيكش؟ طب واللي حصل امبارح؟"
ناجد قفل عينيه، تنهد وقال بصوت واطي جاد
"كنت تعبان… سخن ومش في وعيي. مش عارف إزاي حصل."
ربى قلبها اتقبض
"يعني لو عييت هتروح لأي واحدة وخلاص؟"
هو ما ردش… كان نفسه يقول "لأ، عمري ما أقرب لحد غيرك"، لكن لسانه ما نطقش.
ربى، دمها فار، حاولت تقوم
"خلاص يا ناجد، سيبني أنا عايزة أنام."
هو مسكها برفق
"استني… ما ينفعش تمشي عليها"
ربى شدّت نفسها وقالت بعصبية
"قلتلك عايزة أنام."
ناجد زفر وقال بغيظ
"تمام… فهمت"
شالها وحطها على السرير، ولما كان بينزل من فوقها، نظراتهم اتقابلت. لحظة صمت طويلة بينهم.
فجأة ربى مسكته وسحبته ليها، وقبلته قبلة سريعة. ناجد اتجمد مكانه.
ربى أبعدت نفسها شوية وسألته بعصبية
"إيه… ما تأثرتش؟"
هو رسم جمود على وشه، بيحاول يخدع نفسه قبل ما يخدعها
"لا."
ربى ابتسمت ابتسامة انتصار صغيرة، وقربت منه تاني، قبلته، وإيديها فتحت أزرار قميصه اللي لابسهم بالعافية، وحطت كفها على صدره
"ودي دقات إيه؟ مش تأثر؟"
ناجد بلع ريقه، لكن ما نطقش. ربى فهمت من صمته أكتر ما فهمت من كلامه.
ابتسمت وقالت بدلع
"أنا عايزة أشرب ميه… ومافيش ميه هنا."
هو زفر، مد إيده يلبس الجاكيت
"هجيبلك ميه من تحت."
وهو نازل، ربى وهي على السرير، لمحت في نفسها ابتسامة سعيدة
"لسه ناد… ولسه هتفضل جنبي… مهما حصل."