الفصل الثلاثين :
ربى فضلت طول الليل مش قادرة تنام، دماغها شغّالة على جملة ناجد اللي قصفت قلبها
"انا مستحيل اقربلك ...انا مااقربش للخاينين."
حاولت تقنع نفسها إنّه قال كده بس عشان فاكر إنها خانته… بس الحقيقة كانت مُرّة
لما جوزك، الراجل اللي بتحبيه، يرفض يقربلك أو حتى يبص في وشك، الإحساس ده بيكسرك من جوا.
تاني يوم
كانت قاعدة كالعادة في نفس الركنة، سايبة التلفزيون شغال لمجرد الصوت، وهي سرحانة.
فجأة سمعت خناقة برّه وصوت حد بيعلي صوته قدام البيت.
قامت بسرعة، راحت للباب وفتحته حتة صغيرة الأول تشوف إيه اللي بيحصل…
وهنا المفاجأة: عمها إسماعيل ومراته بسمة واقفين، وبيتكلموا بعصبية واضحة مع زين اللي واقف قدام الباب كأنه حاجز.
ربى اتجمدت ثواني: هو إيه اللي جابهم هنا؟ وإيه اللي جاب زين أصلاً؟ هو حصلت حاجة لناجد؟!
فتحت الباب على وسعه وهي حايرة وقلقانة
بسمة بابتسامة فيها استنكار
"شُفت يا إسماعيل… طلعت قاعدة هنا بجد!"
ربى بصدمة
"عمي؟ في إيه؟"
إسماعيل وهو يبلع ريقه بعصبية
"إنتي بتعملي إيه هنا؟"
ربى بصدق
"ده بيتي."
بسمة بصوت عالي وتهكّم
"بيتِك؟ إنتي جاية هنا تهربي بعد ما جوزك طلّقك؟"
وبصوت فيه لدغة زيادة
"إزاي تسيبي بيت العيلة وتستخبي هنا؟ كإن مفيش راجل في حياتك يلمك!"
ربى اتصدمت… إزاي عرفوا؟ مين قالهم حاجة زي كده؟
إسماعيل ضيّق عينيه
"يعني هو فعلاً طلّقك؟!"
بسمة ما استنتش ردّها وقالت بسرعة وهي عاملة نفسها عارفة كل حاجة
"كنت متوقعة ده يحصل… وبدل ما تيجي تشرّفينا وتقوليلنا إيه اللي حصل، قاعدة مستخبية هنا وكأننا مالناش لازمة! كأنه عمك موجود لاسمح الله! "
إسماعيل حاول يسيطر على صوته عشان الحي راقي والناس بتبص من بعيد
"اسمعي يا ربى، جهّزي نفسك… هترجعي معانا البيت. الستات مكانهم مش لوحدهم، إنتي راجعة معانا وخلاص."
الكلام ده رجّعها لحياتها الأولى، لما ناجد مات وعمها إسماعيل خدها بيته بالعافية، وحاول يجوزها لراجل كبير أول ما عدتها خلصت.
هو نفس القدر هيعيد نفسه هنا؟
لكن لأ… ناجد لسه عايش… هو مش ميت ! هو هنا!
ربى ردّت بسرعة وبصوت واضح
"ناجد ما طلقنيش."
زين لاحظ إن الجو بيولّع، فطلع تليفونه بسرعة واتصل على ناجد
"الباشا… عيلة المدام ربى هنا، وعايزين ياخدوها معاهم."
لكن ناجد أول ما سمع، قفل الخط من غير كلمة.
بسمة ضحكت بسخرية وهي تبص لإسماعيل
"شايف؟ لسه مش قادرة تصدق الحقيقة."
ربى باصرار وهي تدافع عن نفسها
"أنا ما اتطلّقتش… والبيت ده بيتي أنا. مش هروح أي حتة."
إسماعيل اتعصب، مدّ إيده وكأنه هيمسكها من دراعها، لكن زين وقف قدامه فورًا، صوته جاد
"معلش يا حج … حضرتك ما ينفعش تمد إيدك عليها. هي تحت حماية سيدنا."
إسماعيل بصله بحدة
"تنحّى… دي بنت أخويا."
زين نظراته ثابتة
"أنا هنا أنفّذ أوامر سيدنا ناجد، ومش هسمح لحد ياخد المدام من غير إذنه."
ربى سألتهم بحدة وهي بتحاول تسيطر على رعشة صوتها
"عرفتوا منين إن أنا هنا؟"
بسمة بضحكة مستفزة
"الناس كلها بتتكلم… وإحنا اتبعنا الكلام لحد ما وصلنا هنا. يا عيب… ده بيتك ومخبية عنوانه حتى عن عيلتك!"
إسماعيل بصوت آمر
"يلا يا ربى… حضّري شنطتك."
ربى وهي بترجع خطوة ورا
"آسفة… مش رايحة أي مكان."
إسماعيل فقد أعصابه، ووشه احمرّ من الغضب.
بسمة قررت تتدخل
"أنا هدخل أجيب حاجتها بإيدي… بدل ما نضيّع وقتنا."
وحاولت تخش البيت، لكن زين وقف قدامها، جسمه سد الطريق
"ممنوع الدخول يا هانم."
صوتهم علي، الناس بدأت تبص من الشرفات والشارع.
إسماعيل زعق
"أنت شغال عند جوزها اللي طلقها… وهي في حمايتي انا دلوقتي يعني أنا أقول تمشي، تمشي!"
زين بصله بثبات
"أنا شغال عند الباشا، وحماية مراته أوامر منه."
الموقف ولّع أكتر، والأصوات بقت مسموعة في الشارع كله.
_______
ربى كانت بتحاول بكل قوتها تفلت دراعها من قبضة عمها إسماعيل، اللي مسكها بعنف لدرجة إنها حسّت بنفس الألم اللي لسه موجود من مسكة ناجد امبارح.
إسماعيل كان بيزعق
"إنتي جاية معايا دلوقتي… وإلا هتصل بالشرطة!"
ربى صوتها بيرتعش من الألم والخوف
"سيبني يا عمي… سيبني!"
حاولت تتراجع لورا، لكن قبضته كانت قوية، والوجع في دراعها بقى غير محتمل.
الصوت اللي جمّد الكل
فجأة، صوت جه من وراهم، ثابت، تقيل، ملوش أي نبرة نقاش
"حضرتك هتطلب الشرطة على إيه؟"
الكل اتجمد في مكانه…
إسماعيل لفّ بسرعة، لقى ناجد واقف برا البيت، لابس نفس بدلة سودة، ووشه جامد مافيهوش تعبير.
ربى أول ما شافته، تنفست براحة وابتسمت من غير وعي، كأنها أخيرًا لقت أمان.
سحبت دراعها بسرعة ورجعت ورا ناجد، تخبت شوية وراه، وإيدها ماسكة على مكان الوجع.
ناجد لمّح بطرف عينه حركة إيدها، لكنه ما قالش حاجة دلوقتي.
إسماعيل بلع ريقه، صوته فقد حدة العصبية
"إحنا… إحنا جايين نطمن عليها ونتاكد لو بالفعل انت طلقتها وهي ماقالتش حاجة"
بسمة اللي كانت واقفة متسمّرة عند عتبة الباب ما نطقتش بكلمة.
ناجد خطا خطوتين لقدام، صوته منخفض لكن حاد
"هي تحت حمايتي… ولسه مراتي. ما طلقتهاش."
بسمة بسرعة سألت، نبرتها فيها تحدي
"طب لو لسه مراتك… إيه اللي مخليها قاعدة هنا مش في بيتها؟"
ناجد بص لها بنظرة حادة، فيها تحذير صريح
"إنتي شايفة إني محتاج أبررلك مكان مراتي؟"
بسمة اتكتمت فورًا، نزلت عينيها في الأرض.
إسماعيل حاول يستجمع نفسه، صوته أقل حدة
"يعني إنت متأكد… إنك ما طلقتهاش؟"
ناجد، بابتسامة باردة جدًا
"لو كنت طلقتها… كنت تفتكر هتكون قاعدة هنا؟"
إسماعيل بص لمراته ثم نفخ من ضيقه وقال
"تمام… هنمشي المرة دي، لكن المرة الجاية… الوضع هيبقى غير."
قبل ما يمشي، بص لربى بنظرة كلها غضب وتهديد، نظرة خلّت قلبها يقع في رجلينها وتجمّد مكانها.
بسمة اتبعته من غير ولا كلمة.
الباب اتقفل، والهدوء رجع للمكان، لكن قلب ربى لسه بيخبط بقوة، وناجد واقف ثابت، عينه لسه فيها لمعة غضب.
ربى وقفت قدام ناجد، لسه عايزة تشكره على وقفته قدام عمها، لكن فجأة هو لف ناحيتها بسرعة، نظرته حادة وصوته مليان غضب
"إنتي شايفة إني لسه لازم أدافع عنك… بعد كل اللي عملتيه؟"
الكلمة كسرت أي حاجة كانت هتقولها، سكتت واتجمدت مكانها.
هو كمل، صوته جامد وبارد
"حلّي مشاكلك مع عيلتك بنفسك… أنا مش هاجي هنا تاني أضيع وقتي في مهزلة… وفي خيانة."
ربى رفعت عينيها بسرعة وقالت بعصبية
"أنا ماطلبتش منك تيجي أصلاً… ولا طلبت منك تحطلي حارس!"
كانت تقصد زين اللي واقف مش بعيد، بيتابع الحوار من غير ما ينطق بكلمة.
ناجد ضحك ضحكة صغيرة فيها سخرية، وعيونه كلها استهزاء
"فاكرة إني حطيت زين هنا علشانك؟… لأ يا قلبي. زين هنا علشان يراقبك… علشان أي حركة من خيانتك دي أعرفها وأنا مرتاح. الله وحده عارف إنتي بتخططي لإيه مع الحقير ده!"
ربى اتقدمت خطوة وصوتها عالي
"أنا ما بخططش لأي حاجة!"
ناجد رفع إيده يأشر لها
"وطّي صوتك."
لكن هي ما اهتمتش واقتربت أكتر منه، نبرة صوتها كلها تحدي
"لو إنت شايفني كده… وشايف عيلتي ومشاكلهم معايا مهزلة… ليه ما تطلقنيش وتسيبني؟ ليه لسه أنا على اسمك؟"
كلامها نزل عليه زي السهم… وجهه اتبدّل، ملامحه بقت أقسى، صوته عميق وغاضب
"هعمل اللي أنا عايزه وقت ما أنا عايز… مش إنتي اللي هتقولّي إمتى أطلقك."
ربى ابتسمت ابتسامة فيها ثقة وسخرية
"إنت مش قادر تطلقني… مش قادر تبعدني عنك بسهولة زي ما فاكر."
ناجد عض على سنانه من الغضب، قرب منها خطوة وصوته فيه قهر كأنها ضربت على الوتر الحساس
"فاكرة نفسك مين؟ متعرفيش إني ممكن أنهيكي بكلمة؟"
ربى رفعت كتفيها ولا مبالية
"يلا… جرب."
الاستفزاز في نبرتها ولّد انفجار جواه، عينه لمع فيها غضب حقيقي.
قال باستنكار وهو متشنج
"دلوقتي قادرة تتحديني؟ طب ليه ما دافعتيش عن نفسك قدام عمك من شوية؟ ليه استنيتي لحد ما أنا أجي أنقذك؟"
ربى ردت بسرعة، نبرة صوتها فيها صدق غريب
"علشان إنت ناجد… مهما حصل، أنا عارفة إنك عمرك ما تأذيني. لكن عيلتي؟… دول يقدروا يدمّروني فعلاً."
الكلمة دي وقفت ناجد مكانه، حس بحرارة في صدره مش عارف يفسرها… غضب؟ ولا حاجة تانية؟
عينيه اتبدلت للحظة، بقى فيها صراع واضح بين الغضب وبين حاجة تانية أعمق.
لكنه لف بسرعة وخرج من البيت من غير ما يقول كلمة زيادة، الباب اتقفل وراه بقوة.
زين اللي كان واقف من بعيد تنهد وقال بصوت واطي وهو بيبص على ربى
"يا نهار أبيض… هي فعلاً… سيدة الوحش."
ربى وقفت عند الباب، عينيها فيها لمعة غريبة وكأنها قررت حاجة.
بصّت لزين اللي واقف قدام البيت على طول.
"زين… استنى هنا شوية، هابعتلك الأكل دلوقتي."
زين بص لها باستغراب، حاجبه اتعلا
"أكل؟ دلوقتي؟! "
ربى بابتسامة هادية بس فيها غموض
"آه، أكل… متتحركش، استنى هنا."
زين حاول يفهم
"طب ليه حضرتك؟… يعني في إيه حصل؟"
هي ما ردتش غير بابتسامة صغيرة، وبإيدها أشارت له إنه يقف مكانه.
وبدون أي كلمة زيادة، دخلت جوّه البيت وقفلت الباب وراها بقوة.
زين واقف، حاسس إن في حاجة مش طبيعية، بص حوالينه
"أكل إيه اللي هاتبعتلي دلوقتي؟"
_______
الليل كان ساكن بشكل يخوّف، والظلمة مغطيّة الحديقة اللي زمان كانت مليانة زرع وزهور… دلوقتي بقت مجرد أرض مليانة شوك وحشائش طالعة بشكل عشوائي حوالين الفيلا الكبيرة اللي شبه القلعة.
ناجد واقف هناك، ساكت… عينيه مركّزة في ولا حاجة. إيده ورا ضهره، ونفسه هادي، بس الهوا اللي حوالينه كان تقيل لدرجة تحس بيه وانت واقف جنبه.
رجالته واقفين في صف قدامه، مستنيين منه كلمة. الجو كان فيه رهبة غير طبيعية، خصوصًا إن ملامحه جامدة… هدوء يخليك تحس إن في عاصفة جوة عينه بس مش باينة.
فجأة، صوت خطوات جري بيكسر الصمت… أيوب ظهر من بعيد وهو لاهث
"باشا… باشا!… لقيناه… لقينا المكان اللي مستخبي فيه هشام!"
رجالته بصّوا لبعض، حسّوا إن لحظة كبيرة جاية، لكن عينيهم رجعت لناجد فورًا، مستنيين رد فعله.
ناجد ما اتحركش أول ثانية، وبعدها لف ببطء ناحية أيوب.
صوته كان هادي جدًا، لكن في نفس الوقت يجمّد الدم في العروق
"متأكدين؟"
أيوب وهو بيحاول يلتقط نفسه
"أيوة يا باشا… متأكدين مليون في المية."
ناجد سكت ثانيتين، ابتسامة صغيرة جدًا ظهرت على وشه… مش ابتسامة فرحة، أكتر شبه حد شاف النهاية اللي كان منتظرها.
رفع عينه على باقي رجاله، وصوته لسه بنفس الهدوء المرعب
"خَلّوا الناس تجهّز… بكرة الصبح… نتحرك."
أيوب هز راسه بسرعة
"حاضر يا باشا."
الرجالة اتبادلت نظرات صامتة، عارفين إن بكرة مش يوم عادي.
ناجد رجع يلف ناحيّة الحديقة تاني، بص في الظلام وهو ساكت… مفيش أي انفعال ظاهر على وشه، لكن الإحساس اللي طالع منه كان كافي يخلّي أي حد واقف حواليه يرتعش من شدّة الهدوء اللي قبل العاصفة.