الفصل التاسع والعشرين :
ربى بعد ما خرجت من الفيلا وهي دموعها لسه ماسحة وشها، حسّت بالبرد في جسمها، بس مش من الهوا ولا الجو… لأ، ده البرد اللي بيجي من جوة، من قلب موجوع ومكسور.
النهارده كان يوم مش طبيعي، يوم قلب حياتها كلها في ثانية، اليوم اللي شافت فيه وحش جوة حبيبها… واللي كان سببه هي.
أول ما وصلت البيت اللي ناجد جابهولها زمان وكتبه باسمها، حسّت لأول مرة بأهمية الخطوة دي. البيت اللي دايمًا كانت شايفاه مجرد استثمار أو رفاهية بقى النهاردة الملجأ الوحيد ليها.
الحمد لله إني مش مضطرة أروح بيت عمي إسماعيل… مستحيل أرجع له… مستحيل أرجع لأي حد.
هي محتاجة مكان بعيد عن الناس، بعيد عن نظرات الشفقة أو الأسئلة اللي مش هتعرف تجاوب عليها.
قفلت الباب وراها كويس، قفلة فيها رهبة وحزن، وكأنها بتحاول تحمي نفسها من العالم كله، مش بس من اللي برا.
طلعت أوضتها، الأوضة اللي كانت مجهزة بكل حاجة: دولاب فيه بيجامات، لبس مرتب، كل حاجة كانت ناجد مجهزها ليها من الأول.
حست بالوجع في قلبها وهو اللي جهز كل ده… والنهارده طردها بإيده.
دخلت الحمام، وقفت شوية قدام المراية تبص على نفسها… وشها متورم شوية من البكاء، عينيها محمرة.
فتحت المية السخنة وأخدت شاور طويل، تحاول تغسل الإحساس اللي سايب أثره في جسمها كله. المية السخنة لمست جلدها البارد، بس جوة لسه التلج موجود، مافيش حاجة دافية كفاية تنسيها اللي حصل.
بعد ما خلصت، لبست بيجامة قطنية لونها فاتح، شعرها سايب لسه مبلول، وخرجت على الأوضة.
مقدرتش تدخل السرير، كأن السرير محتاج طمأنينة وراحة هي مش موجودة دلوقتي.
راحت على الأريكة الكبيرة في الصالة، جابت ريموت التليفزيون وشغلته على أي قناة… مش مهم إيه اللي بيتعرض، المهم بس فيه صوت حوالينها عشان الوحدة ماتكتمش على قلبها.
قعدت تضم رجليها لصدرها، تحت بطانية خفيفة. كل دقيقة بتمر حاسة إنها أطول من اللي قبلها. البيت كبير… وساكت… حتى صوت التليفزيون مش قادر يغطّي الإحساس بالفقد.
هي لوحدها… وناجد، حبيبها، مش معاها… يمكن دلوقتي بيكسر الدنيا من الغضب، يمكن قاعد لوحده زيها… يمكن بيكرهها دلوقتي.
إيدها راحت تلقائي على شنطتها، بدور على الموبايل، يمكن تبعت له رسالة أو تحاول تبرر حاجة… بس افتكرت إن الموبايل اتكسر لما رماه في الحيطة.
المشهد ده رجع قدام عينيها: إيده وهو بيرميه، صوته العالي، نظرته المليانة ألم وغضب.
قلبها وجعها أكتر، دموع جديدة نزلت وهي بتفكر: هو دلوقتي عامل إيه؟ أكيد اتصدم… أكيد موجوع… بس يا ريت يعرف ليه كل ده… يا ريت يعرف أنا عملت كده عشان حمايته مش عشان أي حاجة تانية.
قعدت على الوضعية دي ساعات، لحد ما الوقت عدّى وهي لسه مش قادرة تحس بالأمان. البيت شكله كبير اوي عليها، الوحدة صعبة، والأصوات اللي في دماغها أعلى من أي برنامج شغال على التلفزيون.
وفي النص وهي بتحاول تدفي نفسها تحت البطانية، جالها إحساس مرعب إن حياتها كلها ممكن تكون انهارت في يوم واحد… وإن أصعب حاجة مش اللي حصل… أصعب حاجة إنها فقدت الشخص الوحيد اللي بتحبه بجد.
_________
ناجد بعد ما هدأ ثواني قليلة في أوضته، وقف قدام الدولاب، عينه باردة جدًا، ملامحه متحجرة كأنه فقد أي إحساس بالرحمة.
مد إيده وسحب بدلة سودا بالكامل، جاكيت محكم وقميص غامق مع كرافته سادة، لون بيبرز عضلاته وعروقه اللي باينة بشكل واضح من شدة التوتر.
وقف قدام المراية لحظة، بيظبط ياقة الجاكيت… نظرته انعكست في الزجاج: عيون حادة زي السيف، برّاقة بغضب صريح، كأنه شخص تاني مش اللي كان من يوم يترجى كراته تسامحه وهو حامل بوكيه ورد
ده مش ناجد الزوج، ده ناجد اللي معروف بين رجاله إنه “الوحش”، الوحش اللي طول الوقت اللي فات محبوس جوا روحه، مع وجود ربى كان بيهدّيه، يخليه إنسان أكتر… دلوقتي؟ بعد اختفائها وخيانتها؟ الوحش ده طلع وماحدش هيوقفه.
خرج من أوضته، خطواته تقيلة بس سريعة وهو بيعدي على الحطام اللي سابه وراه ، والجو كله ساكت كأنه بيعلن إن حاجة كبيرة جاية.
بصوته العالي الهادر نادى
"زين! أيوب! وكل الرجالة هنا… حالًا!"
رجاله تجمعوا بسرعة برا الفيلا ، واقفين في صفوف شبه عسكرية. الكل شايف الغضب في ملامحه، شايف حاجة في وشه عمرهم ما شافوها قبل كده.
بص عليهم، صوته طالع واطي لكنه مليان قوة تخوف
"أنا عايز هشام… جيبهولي النهارده قبل بكرة… تخرجوه من الجحر اللي مستخبي فيه، تجيبوهولي زي الفار اللي بنطلعه من تحت الأرض… قدامكم تلات أيام بس… تلات أيام بالعدد… ولو عدى يوم زيادة… ماحدش هيقف قصادي بعد كده."
النبرة ماكانتشي مجرد أمر، كانت تهديد واضح إن أي تأخير معناه نهاية أي حد يتهاون.
الرجالة كلهم بصوت واحد: "حاضر يا باشا."
هو ماردش عليهم بكلمة تانية، بس عينه اتحركت عليهم كلها، نظرة فيها تحذير أقوى من أي كلام.
لف وخرج من الفيلا، الباب اتقفل وراه بصوت تقيل، كأنه بيسيب المكان ومش راجع قريب.
ركب عربيته السودا، حط إيده على الدركسيون بقوة، ملامحه ثابتة على وضع واحد: الانتقام.
الشارع اللي قدام الفيلا انعكس في زجاج العربية… والوحش اللي كان محبوس جواه، ظهر بالكامل، والرحمة اللي كانت بتوقفه زمان… اختفت مع اختفاء ربى.
________
في اليوم الموالي ...
ربى صحيت تاني يوم الصبح وإحساس وجع جسمها كله بيزنّ عليها. نامت طول الليل على الأريكة بدل السرير، ومع برودة الجو وصلابة القماش، ضهرها ورقبتها متشنجين جدًا.
فتحت عينيها ببطء، دماغها لسه مش مستوعب إيه اللي حصل امبارح، لكن بعد ثواني الحقيقة وقعت عليها تقيلة… كل حاجة رجعت في ذاكرتها: الصريخ، المواجهة، نظرات ناجد، وطردها من الفيلا.
تنهدت تنهيدة طويلة وغطت وشها بإيديها لحظة كأنها بتحاول توقف الدموع، لكن قالت لنفسها
"أنا لازم أقف على رجلي، صحتي مش هزار… عندي السكر، لو سبت نفسي هموت قبل ما أعرف أرجّع اللي ضاع."
قامت بسرعة، مشيت ناحية المطبخ وهي بتحاول تصحصح جسمها المتخشب. عملت لنفسها فطار بسيط، حتى لو نفسها مسدودة، هي عارفة إنها محتاجة تاكل. بعد الفطار وقفت في نص الأوضة لحظة، بتفكر
"إزاي هعرف أوصل لهشام؟ موبايلي اتكسر خلاص… وكل حاجة ضاعت مني…"
لكن عقلها جاب الحل بسرعة: الهاتف الأرضي.
هو رقم هشام محفوظ في دماغها من زمان، كانت محتفظة بيه لأي طارئ.
مسكت السماعة بسرعة واتصلت، قلبها بيدق وهي بتسمع رنّة الخط. أول مرة ماحدش رد، لكن تاني مرة جه صوته… صوته المعروف، الصلب
"مين؟"
قالت بسرعة
"أنا… أنا ربى."
هشام صوته على طول ارتفع، مليان عصبية
"إنتي فين يا ربى؟! ليه مقفلة ومالكيش صوت امبارح؟! مين اللي كلمني؟ ده ناجد؟!"
ربى ضغطت على نفسها علشان تهدي نبرته
"هشام… اهدا ، الموضوع انتهى… ناجد عرف كل حاجة… وطردني من البيت."
هشام سكت لحظة… وبعدين ضحكة صغيرة طالعة من طرف لسانه
"يعني الخطة بتاعة اختطافك دي خلاص ما بقاش ليها لزوم… مش كده؟"
الكلام وقع على ربى زي الصاعقة. حسّت إن اللي قدامها مش إنسان أناني وحقير فعلًا.
قالت بين نفسها
"أنا كنت صح… ده بيستغلني مش أكتر."
لكن قبل ما تتكلم، هشام كمل ببرود
"ده أحسن… بصراحة ده أفضل وضع لينا."
هي استغربت
"أفضل؟! إزاي يعني؟"
هو نبرته اتغيرت وبقت أهدى
"يا ربى… إنتي لسة عايزة تنتقمي؟ عايزة بعد كل اللي حصل، تاخدي أملاك ناجد وتعيشي مرتاحة؟"
ربى حسّت قلبها بيقف… السؤال نفسه صادمها، مش عارفة تقول إيه. سكتت شوية لكن هشام كرر السؤال بنبرة تهديدية
"أنا بسألك… عايزة الانتقام؟!"
اضطرت ترد بصوت واطي وهي مترددة
"أ… أيوه."
هشام ضحك ضحكة خفيفة، صوته فيه ثقة
"بصي… ناجد دلوقتي هيبعت رجالته تدور عليا… عادي… متوقّع ده منه. بس أنا هخليه يلاقيني… بس في وقت أنا أختاره… وبعدها… هو هيتهوّر، هيحاول يقتلني أو يضرب نار عليا… الشرطة هتيجي، تلاقيه متلبس… وساعتها؟ ناجد المغراوي هيقع، وهيخش السجن برجليه… وأنا؟ أنا هاخد الدفتر اللي هيخلص على سمعته للأبد."
ربى قلبها وقع… كلامه أسود من أي حاجة كانت متخيلها.
"يعني مش بس بيوقع ناجد… ده بيستخدمه طُعم كمان!"
هشام صوته اتحول تحذير واضح
"بس خلي بالك يا ربى… ما تفكريش تلعبّي من ورا ضهري… لو خنتيني، هتبقي نهايتك أسوأ منه."
ربى بلعت ريقها وقالت بسرعة
"إنت شايف إني فين دلوقتي؟ أنا خسرت كل حاجة… أنا مضطرة أحتاجلك، مش عشان عايزة… عشان مجبرة."
هشام ضحك ضحكة فيها استهزاء
"حلو… استحملي شوية، وكل حاجة هتخلص قريب."
ربى فضلت واقفة مكانها بعد ما قفلت الخط، السماعة في إيدها ودماغها مليان صخب. هي دلوقتي حاسّة إنها في مصيدة… مصيدة بين ناجد اللي بتحبه وبيشوفها خاينة، وهشام اللي بيستغلها علشان يصفي حساباته.
قلبها واجعها، بس في نفس الوقت عقلها بيقول: "أنا لازم أحمي ناجد… حتى لو اضطرّيت ألبس وش الخيانة لحد ما أوقع هشام بنفسي."
________
الساعة كانت عدّت تمانية بالليل، والجو في البيت ساكت إلا من صوت التلفزيون اللي شغال قدام ربى.
كانت قاعدة على السفرة الصغيرة، تاكل طبق ماكرونة عملته بسرعة، من غير طعم تقريبًا، بس علشان تسد جوعها. كل يومها كان شبه ضايع، قاعدة قدام التلفزيون تتابع أي حاجة وخلاص، مستنية خبر من هشام، يمكن يغيّر خطته، يمكن يقول حاجة جديدة.
أخدت لقمة صغيرة وهي بتفكر: "هو الراجل ده ما بيزهقش؟ مش بيتعب من كل الحركات دي؟"
وفجأة، صوت طرق على الباب قطع كل حاجة.
تجمدت في مكانها، المعلقة وقفت في الهوا.
"مين ده اللي جاي دلوقتي؟ في حد يعرف إن أنا هنا؟"
بصت ناحية الباب بحذر، وقفت، وحطت الطبق على الطاولة بهدوء.
الطرق استمر، بل بقى أعنف وأسرع.
ربى حسّت قلبها بيخبط بقوة، راحت تدور حواليها على أي حاجة تحمي بيها نفسها. مفيش غير… المكنسة. مسكتها ووقفت ورا الباب، مستنية أي حركة منه.
لما الباب اتفتح ببطء، هي كانت محضّرة نفسها تهجم، هجمت بكل قوتها… لكن حد مسكها من إيدها وسحبها ناحيته بقوة.
اتجمدت، لقت نفسها وش لوش مع ناجد.
كان لابس نفس البدلة السوداء بتاعة الصبح، ووشه متجهّم، عينيه حادّة زي السيف.
الهيبة اللي فيه ما كانتش جديدة عليها، بس النهاردة كانت مختلفة… وحش مطلوق، من غير قيود.
الغريب إنها ما خوفتش… آه، اتوترت، بس جوّاها حسّت بحاجة ما كانتش حاساها من ساعة ما خرجت من الفيلا: الأمان. الأمان من نفس الوحش اللي واقف قدامها.
هو فضّل بصّص لها شوية من غير ما يقول كلمة، وبعدين شدّ منها المكنسة ورماها بعيد.
ربى اتراجعت خطوة لورا، مش فاهمة هو جاي ليه أو عرف مكانها إزاي.
سألت بنبرة متوترة
"إنت جيت إزاي؟ مين قالك إني هنا؟"
هو ابتسم ابتسامة باردة جدًا، زي التلج
"ده بيتي، لو نسيتي."
اتجاهلته وسألته
"ناجد… في إيه؟ مالك؟"
هو ردّ بنبرة قاسية
"ما تقلقيش… ما اشتقتش. أنا ما بشتاقش للخاينين."
كلمته جرحتها، بس هي ما رجعتش لورا، بالعكس، خطت ناحيته لحد ما وقفت قدامه على طول وقالت بنعومة فيها شوق
" انت ...انت وحشني."
القلب اللي كان متجمد جوّا ناجد بدأ يخبط، لكن عقله صرخ فيه: "افتكر! دي خانتك!"
ولأن جزء منه ما كانش عايز يضعف، شدها من دراعها بعنف، لدرجة إنها شهقت.
صوته حاد لاذع
"بلاش الألاعيب دي! قوليلي هو فين؟! فين الحقير اللي معاكي؟"
هي هزت راسها بسرعة و فهمت أنه بيقصد هشام
"ماعرفش… والله ما قالّي على مكانه."
هو ضيّق عينيه، زاد قبضته على دراعها
"أنا مش بالعادة اسأل مرتين فقولي … قولي وإلا هضيق الدنيا عليكي."
دموعها غرقت عينيها، مش قادرة تصدّق إن اللي قدامها ناجد نفسه
"بجد… والله ما عرف ياناجد"
بصّ في عينيها وهو بيدور على أي علامة كذب… قلبه كان بيصرخ "سيبها"، لكن عقله عايز يوجّعها زي ما وجّعته.
إيده كانت بتضغط جامد، لحد ما هي شهقت وقالت بصوت باكي
"ناجد ...ذراعي !"
وقتها، هو فجأة فاق لنفسه، سابها بسرعة، كأنه اكتشف إنه بيأذيها فعلًا.
هي مسكت دراعها تتألم، لكن هو اتألم أكتر… لأنه جرحها بإيده، رغم إنه المفروض كان واعد نفسه قبل يحبها ويحميها
ولأنه مش عارف يتصرف، مسكها تاني من إيدها هي شهقت بخوف لكن المرة دي مش علشان يوجعها… لأ، جرّها معاه على الأوضة اللي فيها شنطة الإسعافات واللي كان هو جابها وحطها للطوارئ في حالة حصلت حاجة ليها
قعدها على طرف السرير، رفع كم البيجامة بهدوء، وبدأ يحط كريم مكان العلامات الحمرا اللي سابتها إيده.
كانت باصة له بدموع وندم… مش على دراعها بس، لكن على كل حاجة حصلت، إنها اضطرت تبين قدامه إنها خايناه علشان تحميه من هشام.
هو في اللحظة دي، قلبه اترق، بس عقله صرخ فجأة: "إنت بتعمل إيه؟ نسيت؟ دي مش مراتك… دي خانتك!"
وقف فجأة، لسانه سبق عقله وهو يزعق
"إنتي بتعملي إيه فيا؟ مش هتبطّلي؟!"
هي رفعت عينيها بصدمة
"أنا؟!"
هو قرب منها، جسمه كله بيرتعش من العصبية، شعره مبهدل من كتر ما عدّى إيده فيه
"آه… إنتي! مش هتبطّلي تأثير عليّا؟ حتى بعد اللي عملتيه؟ إنتي لسه بتخليني أضعف قدامك! أنا تعبان يا ربى… تعبان ومكسور… مش ده اللي انتي عايزاه؟ تشوفيني واقع ومتدمر؟ خلاص… كفاية!"
دموعها نزلت أكتر
"طب… إنت عايزني أعمل إيه؟"
هو قال بصوت مبحوح من شدة القهر
"تختفي!"
الجملة كسرت قلبها… وقفت ساكتة شوية، بتحاول تستوعب. وجهها شاحب، ودموعها نازلة بهدوء.
رفعت عينيها له
"مش أنا اللي طردتني؟ مش أنا اللي اختفيت؟… إنت اللي جيتلي برجليك."
هو اتجمد… وبص لها باستنكار
"ده بيتي."
هي وقفت قدامه، صوتها ثابت قد ما تقدر
"نسيت ولا إيه؟ ده بيتي أنا دلوقتي."
افتكر إنه بالفعل كتب البيت باسمها قبل كده.
هي كملت بنبرة متحدّية رغم خوفها
"يعني ملوش علاقة بيك دلوقتي."
هو ضحك بسخرية، عينيه ولّعت غضب
"لو عايز أخده، هاخده… ومش إنتي اللي هتوقّفيني."
هي سكتت، قلبها بيرتعش، لكن حاولت تفضل قوية
"أنت مش هتقدر تعمل حاجة… أنا لسه مراتك، ولسه ليّا حق عليك."
هو قرب منها، صوته مليان غضب
"حق؟ طب وحقّي أنا؟"
قالت
"مش همنعك منه… ده حقّك."
هو ضحك ضحكة قصيرة فيها غضب
"هتمنعيني؟ فاكرة لو عايز حاجة، إنتي تقدري توقّفيني؟"
سكتت، مش عارفة ترد.
وقتها صوته بقى أبرد من الأول
"ما تخافيش… مش هقرب… أنا مش بقرب من خيانة."
الجملة دي جرحتها أعمق من أي حاجة… حسّت إن روحها نفسها اتكسرت.
ناجد لف بسرعة وخرج من الأوضة… صوته العنيف وهو بيقفل الباب وراه رجّ البيت كله.
وهي وقفت مكانها، بتحاول تمسح دموعها، لكن الإحساس اللي جواها… برد قاتل، وكأن كلامه طفى آخر شعلة أمل جواها.
_________
ناجد خرج من باب البيت، خطوته تقيلة بس مليانة غضب وكبرياء لكن وحده كان يعلم أنه قلبه متكسر وزاد اتكسر اكثر
قبل ما يوصل عربيته، شاف زين وأيوب واقفين بعيد شوية، باصين عليه بقلق واضح، مش فاهمين إيه اللي حصل جوّه.
الجو كان متوتر لدرجة إن النفس مسموع.
ناجد وقف فجأة، لفّ ناحية زين بنظرة حادة تخلي أي حد يوقف مكانه من غير نفس
"إنت… من النهاردة هتفضل هنا. تراقبها… لو هشام قرر يطلّع وشّه هنا، نمسكه من رقابته هي متواطية معاه أصلاً."
زين هز راسه على طول
"حاضر يا باشا."
لكن وهو بيهز راسه، قلبه كان بيقول حاجة تانية خالص
ناجد مش جاي علشان هشام، ولا علشان الخيانة… ناجد جاي علشان هي، علشان ربى نفسها.
هو مش قادر يسيبها بعيدة عن عينه، حتى لو قال قدام نفسه وقدام الكل إنه بيكرهها.
ناجد ما علّقش تاني، راح لعربيته، فتح الباب وركب، والعربية اختفت في الشارع وهي سايبة وراها سكون ثقيل.
زين بص لأيوب وقال بنبرة فيها وعي وحزن
"هو مش جاي علشان هشام… هو جاي علشان هي… مش عايز يسيبها حتى بعد كل حاجة."
أيوب اكتفى بهز راسه، لأنه هو كمان فهم نفس المعنى من طريقة ناجد ونظراته.