الفصل الاخير :
الساعة كانت عشرة بالليل، الجو بارد، والهواء بيلعب في شعر أمنية وهي واقفة قدام الفندق. لسه لابسة فستان الحفلة، بس حاسة إن حر جوه قلبها أكبر بكتير من برودة الليل. حرّ مشاعر محبوسة بقالها كتير… لازم تطلع.
سفيان وصل بسرعة، عينيه بتدور في كل اتجاه لحد ما شافها واقفة لوحدها، إيديها متشابكة قدامها، ووشها واضح عليه التعب. جري ناحيتها، وصوته مليان قلق
"أمنية!… إنتي كويسة؟ مالك؟ حد زعلك؟ حصل حاجة؟"
وقف قصادها، بيبص لها من فوق لتحت بسرعة يتأكد إنها بخير. لفت انتباهه إن عينيها حمراء، كأنها لسه بكت. قلبه اتقبض أكتر
"إيه اللي حصل؟ إنتي اتخانقتي مع خطيبك؟… قالك حاجة ضايقتك؟"
أمنية ما اتكلمتش، بس أومأت برأسها بالإيجاب، وعينيها نازلة للأرض.
سفيان اتلفت حول نفسه لحظة، مش عارف يعمل إيه ولا يبتدي منين، وبعدين رجع بصّ لها بسرعة
"طب إنتي عايزة إيه؟… أروح أتكلم معاه؟ "
أمنية رفعت عينيها لأول مرة، وصوتها طلع هادي لكن ثابت
"أنا وهو… انفصلنا."
سفيان اتجمد مكانه، رمش مرتين بسرعة
"إيه؟!… يعني إيه انفصلتوا؟! هو سابك؟!"
أمنية هزت راسها بهدوء
"لأ… أنا اللي سبته."
رفعت إيدها قدام وشه، الإيد اللي كانت لابسة خاتم خطوبة، دلوقتي فاضية… خالية تمامًا.
"مبقاش في أي حاجة تربطني بيه."
سفيان اتنفس بصعوبة، عقله مش قادر يلحق الأحداث
"أمنية… هو إيه اللي حصل؟ ليه؟"
أمنية سكتت لحظة، بتجمع شجاعتها، وبعدين بصّت له مباشرة، عينيها لمّاعة بالدموع
"عشانك إنت."
سفيان خد خطوة صغيرة ورا، ملامحه اتغيرت، كأنه حد اتصدم فجأة
"أنا؟!… ليه أنا؟!"
أمنية بقت تبص له بنظرة صريحة لأول مرة، صوتها مهزوز لكن واضح
"إنت دخلت حياتي وقلبت كل حاجة… شُغلي، خطوبتي… كل اللي كنت عاملاه وخططتله. إنت… كسرت كل التوازن اللي كنت عايشاه."
سفيان واقف مصدوم، مش قادر ينطق بكلمة.
أمنية نزلت راسها ثانية وقالت بصوت منخفض
" مع انك شخص مهمل… وغريب… وكتير النسيان. ضحكتك مستفزة وطريقة كلامك الجريئة دايمًا بتعصبني…"
سفيان هنا رفع حواجبه وضحك ضحكة قصيرة فيها ضيق
"إيه يا أمنية، هتفضلي تعددي عيوبي لحد إمتى؟"
أمنية رفعت وشها وضحكت رغم دموعها، ضحكة خفيفة خارجة من قلبها
"شُفت… حتى في اللحظة دي، إنت قادر تخربها بكلمة سخيفة منك."
سكتت ثانية، خدّت نفس عميق وكملت بصوت مرتعش
"لكن… رغم كل ده… أنا وقعت فيك. أنا حبيتك يا سفيان."
وكملت والدموع مليانة وشها وابتسامة صادقة طلعت منها
" انا حبيتك يانوعي الغير مثالي !"
الكلمة الأخيرة نزلت زي الصاعقة…
سفيان تجمّد في مكانه، عينيه اتسعت، قلبه ضرب بسرعة أكبر من أي مرة قبل كده. مش قادر يتنفس للحظة… كل اللي سمعه بيتكرر في دماغه: "أنا حبيتك يا سفيان."
جواه خليط رهيب من مشاعر: ذهول… فرحة غير مصدقها… خوف إنه يحلم ويصحي يلاقيها مش حقيقة. حسّ روحه بتترفع وهو واقف قدامها، والدموع وقفت في عينيه من غير ما ينزلها.
اما امنية إحساس بالتحرر، إنها أخيرًا قالت اللي جواها بقاله أيام بيحارب يخرج. قلبها كان بيدق بعنف، وشها سخن لكن عينيها مرتاحة لأول مرة. كانت واقفة بتستناه يرد، أي رد… بس على الأقل هي دلوقتي مش مخبية.
وقفوا الاتنين ساكتين، عيونهم متشابكة.
نظرات أمنية فيها خوف من الرفض لكن مليانة صدق.
نظرات سفيان فيها صدمة كبيرة لكنها بتتحول ببطء لابتسامة صغيرة، ابتسامة إنسان لقى حاجة كان فَقد الأمل فيها.
اللحظة بينهم كانت صامتة… بس تقيلة، مليانة مشاعر صافية وصادقة، كأن الدنيا حوالينهم وقفت.
سفيان كان واقف مصدوم من اعترافها، عيناه ثابتة عليها، قلبه بيخبط بقوة، وبعد ثواني بس من الصمت… انفجر في فعل عفوي ما فكرش فيه.
مد إيديه وجذب أمنية ناحيته بكل قوة، حضنها بقوة شديدة، لدرجة إنها حسّت للحظة إنه ممكن يخنقها من شدة فرحته.
"ياااه يا أمنية… إنتي عارفة إنتي عملتي إيه دلوقتي؟ إنتي… إنتي غيرتي حياتي كلها!"
صوته كان متكسر، مليان فرحة صافية وصدمة، كأنه مش مصدق إنها فعلاً في حضنه.
أمنية اتفاجئت، وحاولت في الأول تقول بصوت مكتوم وسط حضنه
"سفيان… إهدى… إنت هتخنقني!"
بس رغم كلامها، إيديها اتحركت لوحدها واحتضنته هي كمان. إحساس الأمان والراحة اللي جالها في اللحظة دي خلاها تحس إنها في مكانها الطبيعي.
بعد لحظات، سفيان لاحظ برودة جسمها وهي في حضنه. فابتعد فوراً، بوش فيه خليط من القلق والحنان
"إنتي ساقعة كده ليه؟ الجو تلج!"
وبحركة سريعة، بدأ يخلع بدلته الغامقة الأنيقة، ولما شالها لبسها على كتفها بحنية شديدة، وكأنه بيغطي أغلى حاجة عنده.
"خدي… سخني نفسك شوية، إنتي عاملة زي التلج."
أمنية بصت له وعينيها بتلمع، ابتسامة صغيرة ارتسمت على وشها
"سفيان… صدّقني، حتى أنا مش مصدقة."
سفيان وقف قصادها، بيهز راسه وهو مش قادر يسيطر على ابتسامته
"أنا بجد… مش عارف أقولك إيه. كنت فاكر إني ضيّعت فرصتي من زمان. يوم ما قلتيلي (أنا مخطوبة)… حسيت إن حياتي وقفت."
قرب منها خطوة صغيرة، وصوته نزل درجة وكأنه بيحلف
"أنا بحبك يا أمنية… بحبك جدًا… ومش هسيبك تاني أبداً."
المرة دي، أمنية ما بعدتش، ما قالتش "لا" زي المرة الأولى… بالعكس، إيدها اتحركت لوحدها تدور على إيده.
شبكت أصابعها في أصابعه بقوة، والاتنين بصّوا لبعض نظرة طويلة، مليانة مشاعر دفينة كانت محبوسة بقالها شهور وطلعت كلها في اللحظة دي.
صوت أنفاسهم بس كان مسموع، والدنيا حوالينهم اختفت… لا حفلة، لا ناس، لا برد… بس هما الاتنين، وإيديهم المتشابكة اللي حستهم لأول مرة زي بيت جديد، مليان أمان وصدق وحب حقيقي.
________
بعد مرور ست شهور ....
في غرفة المكياج ...
أمنية كانت قاعدة على كرسي كبير شبه كرسي الملكات، الفستان الأبيض الطويل منسدل حواليها زي السحاب، وفستانها فيه تطريزات ناعمة تلمع تحت الإضاءة. شعرها مرفوع بشكل بسيط لكن راقي، والتاج الخفيف على راسها مدّيها شكل ملكة.
رغم كل الجمال ده، التابلت كان في إيدها، وصباعها بيكتب بسرعة وهي بتراجع آخر الإيميلات.
سندس، اللي لابسة فستان ليلكي ناعم وبتحاول تظبط الوضع بصتلها باستسلام
"يا ريت بس خمس دقايق تبصي على نفسك بدل الشغل يامدام امنية!"
لكن راقية، اللي لابسة فستان ذهبي لامع ومكياجها واضح إنه معمول بحرفية شديدة (زي عوايدها في الأفراح)، دخلت وهي زعلانة بصوت عالي
"مش مصدقاكي يا أمنية! إنتي بجد مدمنة شغل! حتى في فرحك ماسكة التابلت؟!"
أمنية ما رفعتش راسها، صوتها لامبالي
"لازم أخلص ده دلوقتي عشان أعرف أستمتع بالفرح… مش عايزة دماغي تفضل مشغولة."
راقية حطت إيدها على وسطها، وبصت لسلمى أم أمنية اللي كانت واقفة في الركن لابسة فستان سماوي، ملامحها كلها فرحة
"كلمي بنتك يا سلمى! دي مجنونة شغل رسمي!"
سلمى ضحكت وهي متأثرة باللحظة
"يا بنتي كفاية شغل بقى، يوم واحد ومش هيطير العالم!"
أمنية بعد ما خلصت ضغطت على زر الإرسال وقالت لسندس
"بصي على الإيميل، تأكدي كل حاجة تمام."
وأخدت تنهيدة طويلة
"خلاص… كده أقدر أركز معاكوا."
سندس بصتلها ومش لاقية كلام، لكن ابتسمت
"أخيرًا!"
سلمى صفقت بإيدها
"يلا يا بنات، طلعوا العروسة لورا العريس مستني."
______
الحديقة الخارجية للفندق متزينة بشكل مبهر: أضواء معلقة زي نجوم صغيرة في السماء، ورد أبيض متوزع على الجوانب، وممشى طويل مغطى بالورود الحمراء. في آخر الممشى، واقف سفيان… ضهره للعروسة، لابس بدلة سوداء شيك جدًا وكرافات حريرية بنفسجية غامقة تناسب ذوقه البسيط. جزمة لامعة ووقفته مستقيمة، لكن باين عليه توتر واضح من إيديه اللي بيتحركوا كل شوية.
المصور واقف ناحية تانية، كاميرته جاهزة، وكل الناس مستنيين اللحظة بفارغ الصبر: سلمى، راقية، جدة سفيان، خاله، وسندس وأمل… حتى عصام مدير الشركة واقف لابس بدلة رسمية ووشه مبتسم.
أمنية طلعت ممسكة باقة الورد الأبيض، خطواتها بطيئة وتوترها واضح، دقات قلبها مسموعة جواها أكتر من صوت الموسيقى الناعمة في الخلفية. وقفت على بعد مترين من سفيان ونادت بصوت واطي
"سفيان…"
هو التفت ببطء، ولما شافها… سكت.
ماتحركش أول ثانية، بس عينه توسعت، وشه اتغير كله… كأنه شايفها لأول مرة في حياته، كأنه مش مصدق إنها هي، نفس البنت اللي قابلها في المصعد من شهور لكن دلوقتي لابسة الأبيض عشانه هو.
أمنية عضت شفايفها من التوتر، وبعدين ضحكت بخجل وهي بتبص في الأرض لحظة.
سفيان قرب منها خطوة خطوة، لحد ما بقى قدامها. بصتلها من فوق لتحت، وقال بصوت واطي جدًا أقرب للهمس وقال بتأثر
"إنتي… فوق أي خيال."
وببطء مسك إيدها الحرة وقبّلها، وبعدين رفعها وقبّل جبينها، حركة كلها حب واحترام.
المصور بدأ ياخد الصور: صورة ليهم وهما ماسكين إيدين بعض، صورة وهو بيبص عليها بدهشة، صورة وهي ضاحكة بخجل… لحظات كلها صارت ذكريات في ثانية.
بعد كده نزلوا بقية العيلة: سلمى أم أمنية عينيها كلها دموع فرح وهي بتحضن بنتها وسفيان، راقية اللي قعدت تمدح شكل العروسة بشكل مبالغ فيه كعادتها، جدة سفيان اللي مسكت إيده وقالت
"أخيرًا يا بني، استقريت."
خاله اللي ضحك وقال
"مبروك يا عريس."
وبعدهم نزلت سندس وأمل، الاتنين لابسين فساتين أنيقة. عصام كمان حضر ومعاه هدية صغيرة وقال بابتسامة فخورة
"أنا قلت لازم أكون موجود في يوم زي ده."
كلهم خدوا صور جماعية ضحكوا فيها من قلبهم. حتى الإيطاليين اللي حضروا مع عائلاتهم كانوا واقفين يصفقوا وينادوا
"Auguri!" (مبروك بالإيطالي)
وازاي مايحضروش ؟ وهم كانوا اول اثنين آمنوا بالثنائي الرومانسي !
الباب الكبير اتفتح، والموسيقى ارتفعت مع أول خطوات للثنائي وهما داخلين القاعة. القاعة فخمة جدًا: ثريات ضخمة متدلية من السقف، وشاشات بتعرض صورهم أول بأول. الضيوف وقفوا يصفقوا بحماس، والإضاءة ركزت عليهم وهما ماشيين على السجادة البيضاء لحد منصة العرسان.
أول ما وصلوا، سفيان مسك إيدها بقوة وقال بصوت واطي
"حاسس إني في حلم."
أمنية ابتسمت وقالت
"وأنا… أخيرًا حلمت اتحقق."
الإيطاليين كانوا واقفين في الصف الأول، واضح جدًا فرحتهم، حتى إن مديرهم قال بصوت عالي
"هذا أجمل مشروع شراكة بينا… مش بس في الشغل، لكن في الحياة."
القاعة كلها ضحكت وصفقت، وبدأت اللحظة الحقيقية للحفل: الموسيقى، الرقص، التهاني… ليلة حب وبهجة.
________
في ايطاليا ...وتحديدا مدينة روما ...
في نفس الفندق اللي جِوا فيه زمان لما عصام بعتهم غصب، كانوا طالعين السلم سوا، خطواتهم بطيئة شوية، يمكن عشان الذكريات راجعة فجأة.
الغرفة 508، نفس الغرفة اللي حجزها سفيان وقتها.
أمنية، لابسة فستان صيفي ناعم لونه بيج فاتح، شعرها سايب على كتفها ووشها مشع من البهجة، بصت على سفيان اللي كان لابس شورت وقميص صيفي ملون كالعادة بتاعه وقالت وهي مميلة راسها بدهشة
"انا مش فاهمة ليه اصريت تختار نفس الأوضة يا سفيان؟ مش كان ممكن تختار 509؟ أوضتي أنا؟"
سفيان وهو بيدور المفتاح في الباب، بص ناحية 509 وقال
"عشان دي الأوضة اللي قضينا فيها وقت أكتر… على فكرة أنا عمري ما دخلت أوضتك."
أمنية اتظاهرت بالصدمة، رفعت حواجبها وقالت بنبرة مسرحية وهي تدخل اول
"يعني إيه؟ انت منحرف من زمان وانت ساكت؟!"
سفيان ضحك وهو بيقفل الباب بعد ما دخلوا
"أنا وقتها ماكنتش منحرف… بس دلوقتي…"
وبص لها بابتسامة مشاغبة وهو بيكمل بصوت واطي
"…ممكن أكون شوية."
أمنية عملت صوت شهقة مصطنعة وهي بتمد إيديها حوالين رقبته بدلال واضح
"يا صدمتي … أنا اتجوزت منحرف!"
هو قرب منها خطوة لحد ما بقى وشه قدام وشها وقال وهو سايب نفسه لنظرته ليها
"تعالي نسيب موضوع المنحرف والأوضة دي على جنب… ونركز في حاجة أهم."
نظراته اتحولت فورًا على شفايفها.
أمنية عضت شفايفها السفلى بدلال خبيث وهي عاملة نفسها مش فاهمة قصده
"حاجة أهم… زي إيه؟"
سفيان ما استحملش، مسك وشها بين إيديه وباسها بعفوية كلها شغف.
أمنية، بدل ما تبعد، شدت هدومه ناحيتها وبادلته نفس الشغف. قبلاتهم كانت فيها مشاعر مكبوتة من أول ما وصلوا روما، وكل خطوة ليهم بترجعهم بالذاكرة لأول لقاء بينهم هنا.
اتحركوا وهم بيقبلوا بعض لحد ما رجعوا ووقعوا على السرير.
سفيان قطع القبلة لحظة وهو بيتنفس بصعوبة وقال وهو بيضحك بصوت واطي
"السرير ده غالبًا غيروه "
أمنية، اللي كانت خدودها حمرا وعيونها لامعة، ما ردتش… بس شدت رقبته تاني ليها.
قبلاته نزلت تدريجي على رقبتها، وهي سايبة إيديها في شعره، أنفاسهم متلاحقة والصوت الوحيد في الغرفة كان نبضات قلبهم السريعة وضحكتهم الخافتة اللي اتبدلت لأنفاس دافية مليانة حب.
اليوم ده… كان اليوم اللي محدش فيهم كان متخيله وقتها.
_____________
"يمكن نكون طول حياتنا بنفكر إننا نعرف النوع المثالي لينا… الشخص اللي على الورق شكله كامل ومناسب لكل حاجة إحنا بنحلم بيها.
بس الحقيقة؟ الحب مابيختارش المثالي… الحب بييجي فجأة، مع حد يمكن ماكانش في حساباتنا أصلًا، حد ماكنّاش نتخيل يوم إننا هنكون معاه.
ومع ذلك، الشخص ده ممكن يبقى الحب الحقيقي… الحب اللي يغيّر حياتنا كلها.
الحب عمره ما سمع عن كلمة (مثالي) ولا بيهتم بالقواعد… الحب بييجي وقت ما يحب، وبالشكل اللي يحب."
____النهاية____