الخطة الراقية ( درامي مكتبي رومانسي) - الفصل الثامن عشر : - بقلم mayah - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطة الراقية ( درامي مكتبي رومانسي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثامن عشر :

الفصل الثامن عشر :

تمت خطوبة أمنية وأنس في هدوء شبه رسمي. بعد موافقتها، حسّت إن القرار ده "الطبيعي"، وإنها مش هتسمح لأي شعور مؤقت أو وجع قديم يغيّر مسار حياتها. بالنسبة لها، الحياة المثالية هي الاستقرار، والارتباط بشخص مناسب زي أنس، مش ملاحقة لحظات عابرة من الضحك والمتعة. التعارف بين العيلتين كان سلس جدًا. أهل أنس زي ما توقعت بالظبط: ناس راكزين، هاديين، ليهم مكانة اجتماعية واضحة، كلامهم قليل لكن محسوب، والجو كله رسمي بزيادة، فيه احترام أكتر من دفء. في المقابل، أمها سلمى كانت موجودة، بتحاول تندمج وتسيب انطباع كويس، ومش باين عليها غير الفخر إن بنتها داخلة على خطوة مهمة بالشكل ده. الحفل نفسه كان بسيط، أقرب لتجمع عائلي من إنه مناسبة كبيرة. فساتين سواريه خفيفة، شوية ورد متناثر، وموسيقى هادية في الخلفية. الصور اتاخدت، والخواتم اتلبست، وكل الناس اللي حواليهم كانوا شايفين مشهد مثالي لعلاقة مستقرة رايحة للجواز. لكن جوا أمنية، الإحساس مختلف. حاولت ترسم ابتسامة ثابتة، وتتصرف وكأنها مبسوطة جدًا، لكن كل مرة تشوف انعكاسها في المراية أو حتى في صور الموبايل، تشوف ملامح مش صافية… وكأن السعادة اللي بتحاول ترسمها مش خارجة من القلب. هي عارفة إن القرار عقلاني ومظبوط، لكن برضه مش قادرة تمنع الإحساس الفاضي اللي معاها من وقت رجوعها من إيطاليا. خلصت الخطوبة من غير أي مشاكل، الكل شايف إن الخطوة دي "نجاح جديد" في حياة أمنية، بس هي نفسها كانت حاسة إن النجاح ده ناقص حاجة… حاجة هي مش عارفة توصفها، لكنها عارفة كويس إنها مش موجودة. _______ الساعة كانت خمسة العصر في يوم أجازة امنية، الصالون شبه فاضي، ريحة الشامبوهات والمستحضرات لسه مالية المكان. راقية واقفة بتنضف أدواتها واحدة واحدة، لابسة الجاون الرمادي الفاتح اللي متعوده عليه، وصوت الأدوات المعدنية وهي بتتصقلب على الرخامة عامل هدوء غريب. أمنية كانت قاعدة على كرسي جنب المرايات الكبيرة، لابسة تريننج رمادي واسع وحاطة رجليها متضمين على صدرها زي طفلة، وإيدها اللي باينة فيها الخاتم الذهبي الصغير اللي جابه لها أنس… نفس الخاتم اللي وعدها إنه هيغيره بحاجة "أحسن" في الفرح. نظراتها على الأرض أغلب الوقت، لكن صوتها شغال تحكي: عن خطوبتها، عن وعود أنس بزفاف كبير وشهر عسل في جزيرة، وعن ترتيبات العفش وخطط الحياة الجديدة. كلامها كله مرتب… لكن مفيهوش روح، كأنه كلام واجب يتقال. راقية كانت ساكتة، عينها رايحة جاية بين أدواتها ووش أمنية. وبعدين، فجأة من غير أي تمهيد، رفعت وشها وسألت بصوت واضح "أمنية… إنتي مش فرحانة؟" السؤال وقع على المكان زي حجر في ميّه ساكنة. أمنية بصتلها باستغراب، عينيها فيها لحظة ارتباك. يمكن لأنها لأول مرة حد يسألها السؤال ده بشكل مباشر… هي نفسها ما جرؤتش تسأله لنفسها، عشان خايفة من الإجابة. بس بعد ثواني، طلعت الكذبة التلقائية "طبعًا فرحانة يا راقية." راقية قربت منها، حطت الأداة اللي في إيدها وقالت وهي شبه متفحصة ليها "فيه حاجة مخبياها عني؟ أنس فيه حاجة مش عاجباكي؟ لو فيه، أهو بنلاقي غيره، الدنيا مش واقفة." أمنية رفعت راسها، ابتسمت ابتسامة فيها سخرية واضحة "إيه يا ست راقية، بتتكلمي كأني اشتريت بطاطا وعايزة أرجعها؟" راقية ردت ببرود "عشان حضرتك مش فرحانة… ومش باين عليكي إن ده نوعك المثالي أصلاً." الجملة دي خلت أمنية تقوم من مكانها بسرعة، حركتها فيها تهرب واضح "هو نوعي المثالي يا راقية، لو مش نوعي ماكنتش استحملت أقعد معاه خمس دقايق أصلاً… على العموم أنا راجعة البيت، محتاجة مني حاجة قبل ما أمشي؟" راقية وقفت مكانها، سايبها تبعد، نظراتها كلها شك وسؤال مش مفهوم. بصت لها وقالت وهي بترفع شنطتها "لا ياستي، أنا أصلاً هقفل المحل." أمنية أخدت شنطتها، ودعتها بابتسامة قصيرة وطلعت برة. الباب اتقفل، ورغم إن المكان هدي، راقية فضلت واقفة ثواني، عينيها لسه فيها نفس السؤال: ليه أمنية مش فرحانة فعلًا؟ _______ في يوم ... المكتب كان مليان ملفات وأوراق مفتوحة على الطاولة، أمنية واقفة قدام الدرج الصغير، بتطلع منه شوية مستندات مهمة وهي لابسة نضارتها، شكلها مركز جدًا، ملامحها كلها جدية. المشروع الجديد ده مش أي حاجة، ده إنتاج الشركة كله مع الإيطاليين، إطلاق منتج مهم جدًا وفيه ملايين بتتصرف عشانه. كل حاجة متحضرة: خطة الإطلاق، ترتيب الحفلة، استقبال الوفد الإيطالي، اجتماعات ولقاءات مهمة. الجو كله في الشركة مشحون بالشغل، كل واحد غرقان في شغله ومفيش وقت حتى للراحة. سندس فجأة دخلت بعد ما خبطت الباب المفتوح، واقفة بابتسامة هادية "انسة امنية أنا بعتّ الطلب لشركة الترجمة." الكلمة دي وقفت جوّه دماغ أمنية كأن حد جمد الزمن. "شركة الترجمة" معناها شخص واحد في الوقت الحالي: سفيان. آخر مرة شافته كان من أسبوعين، والاتنين سايبين بعض من غير كلمة واحدة. دلوقتي خلاص، مفيش مفر، هيقابلوا بعض تاني. قلبها خبط مرة بسرعة، لكن وشها ما اتغيّرش، نفس ملامح التركيز اللي كانت فيها من شوية. ابتسمت لسندس شاكرة "تمام، شكرًا يا سندس." سندس خرجت بهدوء تكمل شغلها، وأمنية رجعت كرسيها وقعدت قدام اللابتوب. أيدها فوق الكيبورد لكنها ما ضغطتش حاجة. عينها وقفت على الشاشة وهي شاردة. جواها صوت بيقول: "ده وقت شغل… وده اللي هخليه بس. مفيش كلام شخصي، مفيش مشاعر أنا جاية هنا أنجّح المشروع، مش أفتح جروح قديمة." سحبت نفس طويل، هزت راسها كأنها بترجع نفسها للطريق الصح، وبصت تاني على اللابتوب. أصابعها ابتدت تتحرك على الكيبورد بسرعة، لكن عقلها لسه فيه فكرة واحدة بتتكرر: "سفيان راجع… وأنا مش هسمح لنفسي أضعف." _______ ماكينة القهوة كانت شغالة، وأمنية واقفة قدامها، عينيها مركزة في الشاشة الصغيرة اللي بتعد الثواني لحد ما القهوة تجهز. ريحة البن ماليه المكان، وصوت الآلة بيعمل همهمة هادية. فجأة، صوت ناعم و"مدلع" جه من وراها "إزيك يا أمنية؟ أخبار الشغل إيه؟" أمنية التفتت نص التفاتة، شافت سمر جاية ناحية الماكينة، شعرها مصفف بعناية، والابتسامة اللي باينة فيها إنها جاية على نية كلام مش هيخلص بسرعة. سمر كملت وهي بتعدل الأساور في إيدها " الشغل عامل معاكي ايه ؟ أنا بصراحة متأسفة جدًا إني ماكنتش موجودة الفترة اللي فاتت… يعني شهر العسل خدني خالص. بس والله لو كنت هنا كنت ساعدتك جدًا." ابتسمت بخجل واضح ودلع وكأنها بتقول "أنا لطيفة جدًا حتى وأنا بعترف". أمنية ردت بهدوء، نبرتها عملية أكتر من إنها ودودة "ولا يهمك يا سمر… الشغل ماشي زي ما لازم." سمر هزت راسها وهي لسه واقفة مكانها، وعينيها نزلت فجأة على إيد أمنية وهي بتمسك الكوب تاخد قهوتها. الخاتم. عين سمر فتحت أكتر شوية، المفاجأة باينة عليها. قبل ما تلحق تنطق أو تسأل، رنّ موبايل أمنية. أمنية بصت بسرعة، شافت اسم "سندس" وفتحت المكالمة "أيوة يا سندس…" صوت سندس جاي سريع من السماعة "المترجم وصل وهو موجود في مكتبك دلوقتي." أمنية للحظة وقفت مكانها، إحساس غريب مسك قلبها، رجعت تتذكر تلقائيًا حاجة واحدة: سفيان. قفلت المكالمة بسرعة وهي تحاول تسيطر على ملامحها، أخدت كوب القهوة وخرجت من المطبخ الصغير، وسمر لسه واقفة مكانها، فمها مفتوح شوية، كأنها عايزة تسأل: "هو إيه ده؟"، لكن ولا كلمة خرجت منها. أمنية طلعت السلم بسرعة، خطواتها ثابتة لكن جواها لخبطة مش مفهومة. ليه حاسة إنها متوترة كده؟ إيدها تحركت تلقائي على قلبها، تحس بنبض سريع بشكل مزعج. وقفت لحظة، أغمضت عينيها، أخدت نفس عميق وفتحته ببطء، تحاول ترجع هدوءها القديم. "أنا أمنية… مفيش حاجة تخليني أتوتر بالشكل ده." جملة قالتها جواها كأنها محاولة لإصلاح الموقف. وقفت قدام باب مكتبها، رسمت وش الـ"بوكر" اللي اتعلمته من حياتها العملية: لا مشاعر، لا تردد. عدلت وقفتها، شدّت كتافها وفتحت الباب بقوة. لكن أول ما الباب اتفتح، رجليها وقفت مكانها. مشهد غريب. شابة صغيرة واقفة قدام المكتب، شعرها الكيرلي متلموم على شكل كعكة فوضوية، لابسة جينز وجاكيت بسيط، شايلة شنطتها في إيدها وبتبص على أمنية بابتسامة كلها حماس. أمنية أخدت خطوتين لجوا وهي بتسأل بحدة مهنية "حضرتك مين؟" البنت وقفت معتدلة كأنها في مقابلة عمل، وبسرعة ردت "أنا أمل… المترجمة الجديدة." ضحكت بحماس واضح، نفس الحماس اللي أمنية بتسميه "حماس الجداد" اللي لسه أولهم. "مبسوطة جدًا إني هشتغل مع حضرتك يا أنسة أمنية… سمعت عن شغلك كتير." أمنية وقفت مكانها، عقلها بيرجع ورا، يحاول يستوعب "المترجمة الجديدة؟… أمال فين سفيان؟" سألت ببرود واضح "والمترجم القديم؟" أمل ردت بابتسامة أكبر "هو أخد إجازة. الشركة قررت تبعتني بدل منه. يمكن معنديش سنين خبرة زي حضرته ، بس أنا شاطرة جدًا وكنت من الأوائل على دفعتي." نبرة صوتها فيها فخر واضح بنفسها. أمنية حسّت لحظة إنها مش قادرة تصنف إحساسها هل ترتاح لأنه مش موجود وهتخلص من المواجهة؟ ولا تحزن لأنه رغم غضبها منه كانت، جواها، مستنية تشوفه؟ وده زود حنقها منه لأنه بيتهرب منها كوب القهوة في إيدها بقى تقيل فجأة، وخطواتها وهي داخلة المكتب بقت أبطأ شوية، كأن عقلها لسه مش واخد قرار هي مبسوطة ولا زعلانة. ________ أمنية كانت بتمشي مع أمل خطوة خطوة، بتشرح لها تفاصيل الشغل اللي مطلوب منها، من اجتماعات الترجمة لحد التحضيرات النهائية قبل إطلاق المنتج. أمل كانت متحمسة جدًا، حماسها باين في عينيها وطريقة مسكها للنوتة وهي بتكتب كل حاجة بسرعة، وكأنها مش عايزة تفوّت أي تفصيلة. جدّيتها ونظامها حسّسوا أمنية بالراحة، مفيش صداع زيادة ولا شرح متكرر زي ما بيحصل عادة مع المستجدين. ومع مرور الساعات، أمنية لقت نفسها مرتاحة أكتر من توقعها، حسّت إن أمل بتعرف تسيطر على الموقف وتتصرف بسرعة، وده خلا الشغل معاها سلس. لكن جواها، كان فيه إحساس ناقص… إحساس إن سفيان بطريقته الصاخبة وضحكه اللي كان بيكسر رهبة الاجتماعات مش موجود. كان دايمًا ليه حضور مختلف، حضور مش بيتعوّض بسهولة. الإيطاليين وصلوا مصر قبل إطلاق المنتج بأيام قليلة، متحمسين يشوفوا "الثنائي الرومانسي" اللي كانوا دايمًا بيتكلموا عنه في اجتماعاتهم السابقة. نظراتهم أول ما دخلوا الاجتماع كانت مليانة ترقّب، عينيهم بتدور على سفيان. لكن أمنية بكل هدوء أعلنت إن الأستاذ سفيان مش هيكمل المشروع لظروف خاصة، وإن الأنسة أمل هتكون بديله. على طول بان الإحباط على وشوشهم، ابتسامة قصيرة كده اتقال بيها "أهلًا" لكن من غير الحماس المعتاد. كانوا حاسين إن حاجة مكسورة، حاجة كانوا متعودين يشوفوها اتحرمت منهم فجأة. الثنائي اللي كانوا شايفينه دايمًا مختلف… اتفك. أمنية من جواها كانت سامعة الصمت اللي وقع في الجو، عارفة إن حتى شغلهم المثالي مع أمل مش هيعوّض الغياب ده… مش بس غيابه كشخص، لكن غياب الروح اللي كانت موجودة لما هو موجود. _________ أمنية وقفت في نص مكتب عصام، ضهرها مستقيم وإيديها ماسكة الملف اللي جابته من مكتبها. عينيها بتتابع حركاته وهو بيقلب في ورق قدامه على المكتب، لحد ما رفع وشه ليها وقال بصوت واضح "أمنية، أنا مش هطوّل عليكي… أنا كنت وعدتك بالترقية دي، والنهارده رسميًا أنا بديكي المنصب الجديد. من النهارده إنتِ رسميًا إيدي اليمين." الكلام نزل عليها زي الصاعقة بس من النوع الحلو، اللي يخلي قلبها يدق بسرعة من الفرح. سنين شغل، التزام، صبر، وساعات طويلة من المجهود… كلها اتلخصت في اللحظة دي. عصام كمل كلامه وهو بيبتسم "وهنعلن ده رسمي في الحفلة بتاعة إطلاق المنتج. المنصب ده مش جديد عليكي… إنتِ عمليًا بتقومي بيه من زمان، بس من دلوقتي هيبقى باسمك وصفتك." أمنية حسّت عينيها بتنور، ابتسامة واسعة طلعت من غير ما تقصد. من يوم ما دخلت الشركة وهي نفسها توصل لدرجة دي، مش بس عشان اللقب أو المكتب الكبير، لكن عشان يتقال رسمي إنها قائدة، إنها حد ليه وزن في المكان. ردّت بسرعة "شكرًا جدًا يا أستاذ عصام… حضرتك عارف ده بالنسبالي قد إيه مهم." هو أشار بإيده إنه فاهم وقال بهدوء "إنتِ استحقّيتي ده يا أمنية… من أول يوم إنتِ نموذج يحتذى بيه." هي هزت راسها بإمتنان، وقلّبت الملف اللي في إيدها كنوع من تفريغ توتر الفرح، قبل ما تقول "أنا مش هخيّب ظنك." عصام ابتسم وقال "أنا واثق." أمنية أخدت نفس عميق، وقالت "عن إذنك." وخرجت من المكتب بخطوات سريعة، وإحساس غامر بالإنجاز. أخيرًا حلمها اللي اشتغلت عشانه لسنين اتحقق، وأكتر حاجة كانت فرحاها إنها هتسمع الإعلان ده قدام الكل يوم الحفلة… اللحظة اللي هي فيها مش مجرد موظفة كفؤة، لكنها مديرة رسمية، حد يُحسب له حساب.