الخطة الراقية ( درامي مكتبي رومانسي) - الفصل السابع عشر : - بقلم mayah - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطة الراقية ( درامي مكتبي رومانسي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السابع عشر :

الفصل السابع عشر :

العربية السودا اللامعة اللي بعتها الشركة الإيطالية وقفت قدام باب الفندق بالظبط، السواق واقف فاتح لها الباب. أمنية نزلت بخطوات ثابتة، رغم التعب اللي حاساه جواها ورغم العاصفة اللي دارت طول اليوم، لكن شكلها ما كانش بيدل على أي ضعف. بالعكس… كانت طالعة من الفندق زي الملكة. الفستان الأسود اللي اختارته، قصته بسيطة لكنها راقية، التطريزات الذهبية الخفيفة على أطرافه بتلمع مع كل حركة، وكأنه اتلبس مخصوص للنهارده… يمكن عن قصد، يمكن كنوع من العناد، إنها تبان أقوى من وجعها. شعرها متسدل على كتفها بنعومة، الميكاب مضبوط للدرجة اللي يبين ملامحها طبيعية لكن فيها جاذبية واضحة، والهاي هيل الذهبي البسيط مكمّل الإطلالة. كانت شبه لوحة… بس لوحة فيها قوة أكتر من أي وقت فات. ركبت العربية من غير ما تتكلم، عينيها بصّة في الطريق، مش قادرة تمحي الإحساس اللي حصل من سفيان، بس برضه مش مستعدة تسمح له يبوّظ اللي اشتغلت عشانه سنين. جواها كلام كتير، لوم وغضب، لكن هي اختارت حاجة واحدة: تلوم نفسها بس… لأنها هي اللي صدقت، هي اللي وثقت. العربية وقفت قدام القاعة، مكان ضخم معماريته كلاسيكية فخمة، واجهة كلها أعمدة مضيئة ونوافذ زجاجية ضخمة. نزلت أمنية بخطوة ثابتة، مسكت فستانها من الجنب بخفة وهي طالعة السلم الرخامي، جسمها واقف مستقيم وعينيها شايفة قدام بس. جوا القاعة، الأضواء متوزعة بشكل فاخر: نجف كريستال ضخم متدلي من السقف العالي، والجدران مزينة بلوحات زيتية كلاسيكية. الطاولات مستديرة مفروشة بمفارش بيضا مزخرفة بخيوط ذهبية، والكراسي عليها أقمشة حرير ناعمة. الطاولات مليانة كاسات كريستال، أطباق فاخرة، وزهور بيضا وصفراء في فازات أنيقة. الجو كله مليان ناس لابسين أفخم اللبس، رجال أعمال ببدل رسمية ونساء بأزياء سهرة فخمة، أصوات الضحك والحوارات بلغات مختلفة، والموسيقى الهادية اللي طايرة في الخلفية. أمنية وقفت لحظة على الباب، قلبها تقيل لكنها محافظة على ملامحها هادية. لمحت المكان اللي المفروض يكون فيه سفيان جنبها… مكان فاضي تمامًا، وكأن روحه سابت أثر لكنها مش موجودة. حتى افتكرت عشاءهم اللي فات: صحيح كانوا بيتخانقوا طول الوقت، لكن وجوده وقتها خلّاها تحس إنها مش غريبة اوي. النهارده… لا، النهارده هي لوحدها بالكامل. مصرية في وسط إيطاليا، وسط عالم مليان ناس لكن كلها غريبة عنها. شدت نفس عميق، مسحت الإحساس ده بسرعة من جواها، ورفعت راسها. هي هنا عشان هدف واحد: تثبت نفسها، تاخد فرصتها، وترجع مصر بالترقية اللي اشتغلت عشانها سنين. خطوتها كانت أقوى، وملامحها فيها لمحة عناد كأنها بتقول للعالم كله: "أنا هنا… ومش هشيل حد تاني على دماغي غير نفسي." القاعة كلها كانت بتلمع، لكن حضورها كان أجرأ من أي ضوء موجود. ______ كانت واقفة مع الرجُلين الإيطاليين اللي جايين مخصوص عشان يحيوا نجاح الشغل المشترك. ابتسمت ابتسامة رسمية وهي بتقول بسرعة إن سفيان مش هيقدر يحضر بسبب ظرف طارئ. الكلام كان مقتضب أوي، مفيهوش أي تفاصيل، لكن ملامحها وهي متوترة والغضب الواضح في عينيها كشف إن فيه حاجة مش مظبوطة. الرجُلين، اللي دايمًا كانوا بيدلعوا علاقتهم هما الاتنين بـ"الثنائي الرومانسي"، تبادلوا نظرات سريعة فيها فهم، لكن سكتوا وما حاولوش يسألوا أي حاجة. أمنية، بعد ما خلصت المجاملة المطلوبة، انزوت على جنب بعيد عن دوشة الحفل. وقفت في ركن فيه هدوء نسبي، شايلة كاس مية بس، وعينيها بتمشي على الناس من غير تركيز. ماكانش عندها الطاقة تدخل في كل الأحاديث الكبيرة دي، حتى لو أغلب الكلام الليلة كان بالإنجليزي لحسن الحظ، بدل الإيطالي اللي لسه بتحاول تفهم منه كام كلمة على بعضها. فضلت تشارك من حين للتاني في أحاديث صغيرة: سؤال سريع هنا، رد بسيط هناك، لكن قلبها مش في المكان. كل حاجة كانت ماشية رسمي زيادة عن اللزوم… أوي يمكن لأنها جوهريا لسه بتفكر في سفيان واللي حصل منه. بعد شوية، واحد من الضيوف، شكله واضح عليه إنه مش مجرد ضيف عادي، جه ناحيتها بكاس فيه مشروب غامق. مدّه ليها بابتسامة فيها ثقة زيادة وقال بالإنجليزي بصوت ناعم: "for you." ( ليكي ) أمنية رفعت إيدها بلطف وابتسمت ابتسامة رسمية وهي بتقول إنها مش بتشرب الكحول. الراجل ضحك بخفة وقال "no problem… but you’re here alone?" ( بس إنتي هنا لوحدك؟ ) طريقة نظرته ليها والابتسامة اللي على وشه وضحت غرضه أسرع من أي كلام. هو عايز يقضي معاها الليلة، وكلامه كله مغزاه واضح. أمنية ما ضيعتش وقت في الكلام، رفعت عينيها بحدة محسوبة، وبمجرد ما لمحت واحد من الرجُلين الإيطاليين اللي تعرفهم، رفعت إيدها بإشارة خفيفة كأنها بتعرفه عليهم. الرجل الإيطالي قرب بابتسامة، وكأن حضوره بس غيّر الجو كله. الراجل اللي كان واقف قدامها اتراجع خطوة للخلف، ابتسامته بقت مصطنعة أكتر وقال جملة اعتذار قصيرة قبل ما يمشي من غير رجعة. أمنية وقتها أخدت نفس عميق، حسّت بشوية ارتياح إنها خلصت من الموقف ده بسرعة، ورجعت لنفس الركن اللي كانت واقفة فيه، تكمّل سهرتها بنفس المسافة اللي بينها وبين أي حد… وكأنها حاطة حدود واضحة حوالين نفسها الليلة. _______ بعد يومين، كانت أمنية راجعة أخيرًا مصر. الطيارة نزلت وهي حاسة إن الرحلة اللي كانت مفروض تبقى نقطة تحول في حياتها المهنية انتهت بنفس السوء اللي بدأت بيه. من لحظة دخولها بيتها في القاهرة، كان واضح إنها واخدة قرار جديد: لا صداقات ولا مغامرات شخصية… شغل وبس. اليومين اللي فاتوا نامت فيهم أغلب الوقت، تحاول تفصل دماغها عن كل حاجة حصلت، كأنها عايزة تمسح سفيان من ذاكرتها بالكامل. حتى موبايلها ما قربتش عليه غير للمكالمات الضرورية. التسجيلات الصوتية اللي بعتها له وهيا في قمة غضبها كانت آخر تواصل بينهم. هو سمع… لكن مردش ولا كتب حاجة، وكأن العلاقة اللي بينهم اتقطعت نهائي. دلوقتي بقت مركزة على حاجة واحدة: حياتها القديمة. جدول شغلها القديم، اجتماعاتها، أهدافها، وحتى علاقتها بأنس اللي وعدها من يوم ما ترجع يرتب لهم يروحوا يشوفوا المسرحية اللي كان دايمًا بيتكلم عنها. هي كانت متحمسة، أو بالأصح كانت بتحاول تقنع نفسها إنها متحمسة. "دي الحياة اللي المفروض أعيشها"، كانت الفكرة دي بتتكرر في دماغها طول الوقت، حتى وهي بتحضر هدومها للخروج مع أنس. أما بالنسبة لسفيان… ماكنش فيه أي نية ترجع تكلمه أو حتى تسأل عنه. بالنسبة لها الموضوع انتهى خلاص، خصوصًا بعد ما سابها في أهم يوم في حياتها من غير تفسير. هو اختار الصمت، وهي اختارت النسيان. أمنية دخلت الشركة في الصبح وهي مجهزة نفسها نفسيًا ليوم طويل من الشغل، بس أول ما دخلت من باب القسم، شافت حاجة ما كانتش متوقعة تشوفها دلوقتي… سمر. كانت واقفة في نص المكان، شعرها متصفف بعناية وملابسها كلها بتقول "لسه راجعة من شهر عسل في باريس". إيديها مليانة شنط صغيرة بتوزع منها هدايا لزمايلهم، والضحكة الرنانة بتاعتها مالية المكان: ضحكة فيها دلال واضح وكأنها لسه عايشة أجواء باريس نفسها. أي حد يسألها عن الرحلة، تضحك بخجل مصطنع وتقول جمل قصيرة عن "قد إيه باريس رومانسية" و"إزاي الجو هناك تحفة"، مع لمعة فخر صغيرة في عينيها… لمعة كانت أمنية عارفاها كويس: لمعة "أنا متجوزة وأنتوا لأ". أمنية وقفت ثواني، أخدت نفس عميق، وكانت مستعدة لأي محاولة من سمر إنها تيجي ناحية مكتبها وتديها الهدية اللي غالبًا مستعملة كذريعة للمواساة، وتفتح موضوعها المعتاد عن إنها عايشة لوحدها ولسه عازبة. لكن المرة دي… أمنية ماكانتش ناوية تسيب لها المساحة دي خالص. سندس اللي كانت قاعدة قريبة من مكتب أمنية، رفعت وشها وبابتسامة هادية قالت بصوت مسموع "انسة أمنية، هنعمل ايه في جدول أعمالك المسا؟" أمنية ما فوتتش الفرصة، ابتسمت فورًا وقالت "للأسف يا سندس… مش هقدر، عندي موعد مهم." الكلمة وقعت في المكان زي حجر في ميّه راكدة. سمر رفعت حواجبها باهتمام واضح وهي شايلة شنطة الهدايا "موعد؟! يا خبر… ده شكله مهم فعلًا لو مخلي الأنسة أمنية المثالية تسيب شغلها بدري." أمنية ضحكت بخجل مصطنع وهي شايلة ملف من مكتبها "أيوة، مهم شوية… استأذن أنا بقى." ولفت وخرجت من المكتب قبل ما سمر تلحق تسأل زيادة. سندس فضلت قاعدة مكانها، وأول ما أمنية خرجت، بدأت تحكي بذكاء قدام سمر عن احتمالية إن فيه شخص جديد في حياة أمنية، وبالطبع أكدت الكلام بابتسامة غامضة كأنها تعرف أسرار أكتر. سمر فضلت مصدومة… مش قادرة تصدق. أمنية؟ العازبة المثالية اللي كل وقتها شغل… عندها شخص في حياتها؟ دي بالنسبة لسمر كانت من المعجزات اللي ما حصلتش قبل كده. وفي نص ذهولها، كانت ماسكة الهدية اللي جابتها خصيصًا لأمنية على أساس "مواساة"، والنهاردة لأول مرة حسّت إن حتى الهزار المعتاد مش هيطلع بنفس القوة… لأن أمنية ما بقتش في وضع المتفرج الضعيف، بقت واقفة صح وواثقة. ______ أمنية خرجت من الشركة وهي شايلة شنطتها على كتفها، لقت أنس واقف جنب عربيته مستنيها. أول ما شافها، ابتسم وفتح لها باب العربية بنفسه، صوته هادي ومهذب "إزيك يا أمنية؟ أخبارك إيه بعد السفر الطويل ده؟" هي ردت بابتسامة خفيفة، ابتسامة فيها شوية مجاملة أكتر من دفء حقيقي "الحمد لله يا أنس… كله تمام." ودخلت وقعدت في الكرسي اللي جنبه. طول السكة للمسرح، أنس كان بيتكلم بحماس عن المسرحية اللي حجز لها من قبل سفرها، بيحكي عن تفاصيل العرض والنجوم اللي هيمثلوا فيه، وإزاي هو متحمس يشوفها. أمنية كانت بتسمع، بتهز راسها موافقة بين كل جملة والتانية، بتحاول تواكب حماسه لكنها من جواها مش حاسة بنفس الإندفاع. لما وصلوا المسرح، لقت أنس حجز مقاعد في الصف الأمامي. المكان كان مليان ناس، جوه المسرح مليان ألوان وإضاءات… حاجة تبهر أي حد مهتم بالفن، لكن قلب أمنية ما كانش متعلق زي زمان. هي اللي كانت قبل السفر متحمسة تروح المسرحية دي بنفسها، دلوقتي قاعدة ساكتة، مركزة في العرض، لكن مش بنفس الشعور. الهدوء اللي بينهم كان واضح… مش بسبب العرض، لكن بسبب شرودها اللي مش قادره تهرب منه. خلص العرض، والناس بدأت تسقف بقوة. أنس بص لها بابتسامة "إيه رأيك؟" هي ردت بأدب، كلماتها محسوبة "كانت جميلة جدًا… فعلًا ممتعة." قالت ده من باب الشكر مش من قلبها، بس أنس ما لاحظش اوي، كان مبسوط إنه حقق لها اللي كانت عايزاه. بعدها، قال وهو ماسك مفاتيح عربيته "أنا حاجز كمان في مطعم قريب… هتحبي الأكل هناك، أكيد." أول مرة أمنية حسّت حاجة غريبة في قلبها: مش سعيدة إن حد خطط كل حاجة من غير ما يسألها، حاجة عمرها ما أزعجتها قبل كده بل ارادتها حاولت تتجاهل الإحساس ده، لكن ذاكرتها سحبتها لروما… سفيان وهو ياخدها في شوارعها القديمة، يوقف قدام عربية صغيرة عشان يجربوا طبق محلي، أو ياكلوا بيتزا سخنة على درج قديم وهم بيضحكوا من غير أي خطط مسبقة. كل حاجة معاه كانت عفوية… طبيعية… مش محسوبة. رجعت للواقع على صوت أنس بينادي اسمها "أمنية…" بصت له، شافت في عينيه جدية. هو أخد نفس وقال بنبرة واثقة "بصي يا أمنية… أنا شايف إننا متوافقين جدًا، وبصراحة… أنا عايز أرتبط بيكي رسمي. نتعرف على أهلك، وتتعرفي على أهلي… وناخد خطوة لقدام." الكلمات وقعت تقيلة في ودنها. هي المفروض تكون فرحانة، دي اللحظة اللي طول الفترة اللي عدت متخيلة إنها هتفرح فيها… اختيار مثالي: شاب محترم، ناجح جدا، مهتم بيها. لكن قلبها كان ساكت… مفيش الشعور اللي كانت متوقعة تحسه. سألها بابتسامة هادية "إيه رأيك؟" أمنية بصت له، وفي عقلها ألف سؤال "ليه مش قادرة أقول (أيوة) فورًا؟ مش ده اللي أنا كنت بدور عليه؟ مش دي الحياة اللي أنا نفسي أعيشها… مستقرة وناجحة زي أي واحدة طبيعية؟ ليه كل حاجة جوايا متلخبطة؟" أخدت نفس عميق، قلبها بيخبط، وبصوت هادي بس متردد شوية قالت…