الخطة الراقية ( درامي مكتبي رومانسي) - الفصل الثالث عشر : - بقلم mayah - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطة الراقية ( درامي مكتبي رومانسي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث عشر :

الفصل الثالث عشر :

أمنية وقفت قدام المراية، عينيها بتلمع وهي بتتأمل الفستان النبيتي اللي لابسته. الفستان نازل على جسمها بنعومة، قصّته راقية، والفتحة الجانبية فيه مدياله لمسة جريئة من غير ما تكون مبالغ فيها. شعرها لسه رطب شوية من الشاور، لكن لما وقع على كتفها بالشكل ده حسّته طبيعي وكأنه معمول بعناية في صالون تجميل. لمست أطراف شعرها بإيدها بخفة وهي بتاخد نفس عميق "مش وحش يا أمنية… مش وحش خالص." هي مش اول مرة تلبس فستان لكن النهاردة حسّت إن شكلها مختلف… ناضج أكتر، أنثوي أكتر، حتى تفاصيل وجهها بدت أهدى، كأنها مستعدة لمواجهة أي حد. ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي بتعدل السلسلة في رقبتها، وبصت في عيني نفسها في المراية بثقة خافتة لكنها موجودة. في نفس اللحظة، سفيان كان واقف قدام مرايته في الأوضة المقابلة، لابس بدلة سوداء كلاسيكية لأول مرة من فترة طويلة. القميص الأبيض مكوي بعناية، رابطة العنق مربوطة بإتقان، شعره مبلول من الشاور لكنه مرتب على الجنب بشكل رسمي يخليه شكله أكثر وسامة من المعتاد. وقف لحظة ساكت، كأنه مش مصدق إن ده شكله… حتى هو نفسه حس إنه غريب عليه شوية، لكنه حبه. ابتسم ابتسامة خفيفة لنفسه وقال بصوت واطي "واضح إني طالع بني آدم محترم النهارده." عدل الكُفّات بتاعة القميص وهو بيزفر بثقة مختلفة عن اللي متعود عليها. الراجل اللي قدام المراية مش الموظف العملي العادي، لا، ده شخص قادر يلفت الأنظار من غير ما يحاول. اتنين في مكانين مختلفين… لكن في نفس اللحظة، الاتنين شايفين نفسهم لأول مرة بشكل مختلف عن كل يوم. هي شايفة أنوثتها… وهو شايف وسامته اللي مش بيظهرها دايمًا. كأن الليلة مش مجرد عزومة… كأنها بداية اختبار جديد للطرفين. _________ البابين اتفتحوا في نفس اللحظة، كأنها صدفة متفق عليها، وخرجت أمنية وسفيان في نفس الوقت. لحظة صمت قصيرة سادت الممر… أمنية وقفت مكانها، عينيها اتسعت وهي بتشوف سفيان بالبدلة السوداء لأول مرة، شعره مرتب، ملامحه أكثر هدوء، وكأنه شخص مختلف عن اللي متعودة عليه طول الوقت. وسفيان هو كمان وقف مكانه، بص لأمنية بالفستان النبيتي اللي نازل بنعومة على جسمها، والفتحة الجانبية اللي مدياها لمسة أنثوية واضحة. عينيه اتحركت بسرعة من شعرها اللي نازل بحرية لحد الكعب العالي اللي مكمل الإطلالة. لحظة صمت بينهم، وكأنهم بيتفقوا بصوت صامت: "إحنا طالعين حلوين… أوي." لكن سفيان كسر الصمت بابتسامة صغيرة وهو يقول "السيشوار… لسة مارجعتيهش على فكرة" أمنية رمشت بسرعة، كأنها رجعت للواقع فجأة، وقفلت باب أوضتها بإحكام وقالت "هارجعهولك بعد العشا، يعني مش هاطير بيه… بخل إيه ده؟!" سفيان ضحك بخفة، وبخطوة واسعة سبقاها ناحية المصعد وهو بيقول "يلا بينا بقى، أنا جعان " أمنية لحقت بيه وهي ماسكة شنطتها الصغيرة بإيدها، وقفت جنبه جوه المصعد في صمت لحد ما الباب اتقفل. الجو بينهم فيه شوية توتر، مش توتر خلاف، لكن توتر الموقف الجديد… شكل جديد، جو جديد، عزومة مهمة. أمنية أخيرًا التفتت له وقالت بنبرة رسمية "بص يا أستاذ سفيان… إحنا نازلين نقابل ناس مهمين جدًا، يعني من فضلك تتصرف بلباقة… مافيش هزار، مافيش تذاكي زي ما إنت متعود، واضح؟" سفيان رفع حواجبه بابتسامة جانبية "يعني عايزة تحرميني من شخصيتي؟" ردت بسرعة، نظراتها حادة "دي مش شخصية… دي مهزلة " المصعد نزل لدورين وهم لسه واقفين، فبدت هي أكثر جدية "أنا بكلمك بجد يا سفيان، أنا مش بهزر… الترقيّة دي مش أي حاجة بالنسبالي، دي حاجة اشتغلت عليها سنين طويلة… ومش هسمح لأي غلطة… منك… تضيعها عليا، مفهوم؟" سفيان زفر بخفة، حسها متوترة جدًا، وقال بصوت فيه استسلام "حاضر يا آنسة أمنية… هكون زي النسمة، ولا هتسمعي لي صوت." بصت له نظرة تقييم، كأنها بتحاول تتأكد من صدقه، وهو أومأ برأسه بحركة بطيئة وكأنه بيقول: خلاص، أوعدك. المصعد فتح على الدور الأرضي، وسفيان سبقها خطوتين كعادته وهو بيقول بخفة "يلا… قبل ما الرجالة دول يحسّوا إننا اتأخرنا عشان شعرك وسيشوارك." أمنية اكتفت بلف عينيها وسارت وراه، لكن جواها عارفة إن الليلة مش هتكون عادية أبدًا. _______ المطعم كان واسع وأنيق، الأرضية رخام رمادي فاتح بيلمع مع الإضاءة الهادية اللي نازلة من نجف كبير في نص السقف، الطاولات موزعة بشكل يخلي كل زبون حاسس براحة وخصوصية. كل طاولة عليها مفرش أبيض ناصع وفازة صغيرة فيها ورد أبيض وأحمر، والهواء معطر برائحة أكل طازة ممزوجة بشوية عطور طبيعية. في الخلفية موسيقى بيانو كلاسيكية ماشية بهدوء، صوتها مش عالي لكن مريح للأعصاب. على الجنب، فيه شباك كبير بيدخل منه ضوء المصابيح الخارجية للشارع الإيطالي اللي باين فيه ناس ماشية وبتضحك، منظر شبه لوحة فنية. أمنية دخلت المطعم بخطوات ثابتة، ماسكة شنطتها الصغيرة اللي متناسقة مع فستانها، شعرها ناعم ومرتب من غير مجهود زيادة واضح. سفيان جنبها، لابس بدلته السوداء الكلاسيكية اللي مخلّياه وسيم بشكل مختلف عن العادي، رابط شعره بدقة، والبرود المعتاد على ملامحه مديّه هالة رسمية أكتر. عينيهم لقطت الرجل الايطالي الاب، شعر ذقنه كان رمادي ولابس بدلة أنيقة، واقف وبيشاور لهم من بعيد بابتسامة واسعة، وعلى الطاولة اللي جنبه راجل تاني اللي هو صاحبه وشريكه أمنية بصت بطرف عينها لسفيان، النظرة كانت صريحة "إوعى تبوّظ حاجة، مفهوم؟" سفيان ابتسم ابتسامة جانبية كأنه بيقول "هكون ملاك النهارده… ما تقلقيش." قربوا من الطاولة، وأمنية كانت أول واحدة بادرت "مساء الخير." صوتها هادي وواثق، مفيهوش توتر. الراجل الكبير رد وهو بيقف "مساء النور، نورتونا… بجد نورتوا المكان كله." وبص على أمنية من فوق لتحت باحترام وقال بلغة انجليزية "إنتي شيك جدًا النهارده." أمنية ابتسمت ابتسامة مهذبة "شكرًا جدًا." الاتنين الأب وصاحبه مدوا إيديهم يسلموا على سفيان، وده رحب بيهم بود، ماسك إيديهم بقوة لكن من غير أي مبالغة. الأب مال ناحية سفيان وهو بيغمز بخفة وقال بصوت واطي "إنت وهي… ثنائي متناسق جدًا، الثنائي الرومانسي بتاعنا" سفيان لمح أمنية بطرف عينه وشافها عاملة نفسها مركزة في شنطتها عشان تتفادى أي كلام، فقرر يسلك الموقف بضحكة صغيرة "ربنا يخليك يا فندم." ودخل على طول يقعد من غير أي تبرير. أمنية جلست قدامه، وضبطت الفستان على رجليها، ونظرت ناحية سفيان بنظرة معناها واضح "أنا سمعت كل كلمة." سفيان رد بنظرة بريئة جدًا وكأنه بيقول "أنا عملت إيه يعني؟" الجرسون جه بسرعة ومعاه منيو كبير، قدمه لكل واحد فيهم بابتسامة. الأب بدأ الحديث بأسلوب ودود "ارتحتوا من السفر؟ الرحلة كانت عاملة إزاي؟" سفيان الذي تولى الرد رد "الحمد لله… الرحلة كانت طويلة شوية بس عدت على خير. وزود "وأول ما نزلنا حسيت إن الجو مختلف تمامًا، كل حاجة ليها طابع خاص هنا." صاحبه ضحك وقال "طبعًا… أول مرة تيجوا إيطاليا، صح؟" أمنية أومأت اللي فهمت الجملة عشان دربت عليها "أيوه… دي فعلاً أول مرة." الأب أضاف وهو بيعدل الكرسي بتاعه "إيطاليا مليانة أماكن حلوة جدًا… حاولوا تستغلوا الوقت وتزوروا أكبر عدد ممكن من المعالم." سفيان بص للأب باهتمام وقال "أكيد، وخصوصًا إني بحب الأماكن السياحية، فده هيكون وقت ممتع جدًا." أمنية بصت له نظرة جانبية سريعة، كأنها مستغربة من إن طريقته هادية ولائقة بالشكل ده، ثم وجهت كلامها للأب بابتسامة بسيطة واللي ترجمه سفيان بسرعة "فعلاً… وده أول جدول عملنا من أول يوم، إننا نشوف الأماكن دي بعد الشغل." الأب هز راسه بإعجاب "كويس جدًا… واضح إنكم منظمين أوي." في الوقت ده، الجرسون رجع وسألهم عن اختياراتهم للأكل. سفيان كان سريع في تحديد طلبه، كأنه عارف المنيو كويس، وده خلا الأب يبص له بدهشة "واضح إنك جربت الأكل الإيطالي قبل كده؟" سفيان ضحك " لا القصة أنه انا بختار اي طبق يجذبني اسمه " أمنية بصت له من طرف عينها وهي بتمسك المنيو وفاكرة أنه قرا عن الاطباق "هو إمتى ألحق يتثقف عن الأكل الإيطالي؟!" لكنها خبّت ده بابتسامة صغيرة وقالت "أنا هاخد باستا بالسي فود." لما الجرسون مشي، رجعوا يكملوا كلام في أجواء ودية. الأب بدأ يحكي عن شغله وعلاقته بالشركة اللي جايين منها، وعن أهمية التعاون بين الطرفين وعن اهمية الحدث اللي هيقام بعد يومين . سفيان كان بيشارك في الحوار بطريقة فيها جدية واحترام، وبعيد كل البعد عن أسلوبه المعتاد اللي بيدخل فيه تعليقات ساخرة أو كلام غير لائق. أمنية وهي قاعدة قدامه، عينها عليه بين الحين والتاني، كأنها بتحاول تفهم: "هو ده سفيان اللي أعرفه ولا حد تاني؟" بعد دقايق معدودة ... الطاولة كانت مليانة أطباق ملونة: باستا بصلصة حمرا، ريزوتو وبيتزا مارغريتا، وسلطات، وطبق جبن وزيتون محطوط في النص. أمنية كانت قاعدة قدام طبقها، ماسكة الشوكة بس ما بتاكلش غير لقيمات صغيرة، كل شوية تبص ناحيته هو، سفيان. هو قاعد بكل راحة، فتح صدره على الكرسي، بياكل من كل طبق قدامه، مرّة ياخد من الباستا، مرّة من البيتزا، ومرّة يمد إيده على السلطة كأنه في عزومة عند عيلته أمنية في عقلها "هو ده فاكر نفسه في بوفيه مفتوح ولا إيه؟" بس بدل ما تقول حاجة، اكتفت بابتسامة صغيرة لما الأب الإيطالي بيكلمها أو لما صديقه يقول نكتة خفيفة. هي مش قادرة تواكب الحوار اللي نصه بالإيطالي، ونصه التاني ترجمة سفيان اللي متفوق جدًا . سفيان كان بيتكلم معاهم براحة تامة، ضاحك أحيانًا، وحتى بيعلق على تفاصيل صغيرة عن البلد كأنه عايش فيها من سنين. أمنية حسّت نفسها برا اللعبة شوية، واكتفت إنها تبص حواليها وتاكل بهدوء، لكن عينها بترجع له كل شوية "هو إيه سر الراحة دي كلها؟ ده حتى بياكل أضعاف اللي أنا بأكله!" بعد فترة، الجرسون رجع وسأل بابتسامة "هل تحبوا نجيب لكم تحلية؟" الأب الإيطالي قال بحماس "أكيد… عندنا تيراميسو هايل، ولازم تجربوه!" سفيان أول واحد مسك المنيو بسرعة "أنا هاخد تيراميسو… و" بدأ يقلب المنيو بسرعة "وكمان عايز باننا كوتا… وآه، الجيلاتو الشوكولاتة برضه." أمنية، اللي لحد دلوقتي ساكتة، مدّت إيدها بسرعة وسحبت كوعه ناحية نفسها، بصوت واطي جدًا وقالت "هو إيه اللي بتعمله ده؟ أنت هتاخد المنيو كله؟" سفيان بصلها باستغراب "هو في إيه؟ كل حاجة على حساب الشركة، يعني لو ما استغلتش الفرصة دي دلوقتي… هاستنا إمتى؟" أمنية حسّت وشها بيولع من الإحراج، بصت بسرعة ناحية الاتنين الإيطاليين، لقتهم بيتبادلوا نظرات غريبة، ابتسامات صغيرة بينهم كأنهم بيتفرجوا على مشهد رومانسي من فيلم. الأب بص لصاحبه بنظرة معناها "شوف بقى، دول أكيد مرتبطين، بيخانقوا بعض عالأكل." وصاحبه رد عليه بابتسامة أوسع "عشاق صغيرين دول مش موظفين." أمنية سابت كوع سفيان بسرعة، وعملت نفسها بترتب شعرها وقالت بصوت خافت جدًا "إنت مش طبيعي… بجد مش طبيعي." سفيان رد وهو بيرجع يبص للمنيو براحة شديدة "عادي يا أمنية… متخافيش، مش هاخلص الأكل لوحدي، هخليكي تذوقي معايا." أمنية عضت شفايفها، حاولت تمسك ضحكة صغيرة، لكن ابتسامة طلعت غصب عنها وهي بترجع تقعد مستقيمة. الجرسون كتب الطلبات ومشي، والإيطاليان فضلوا مبتسمين لبعض كأنهم لسه بيكملوا فيلمهم الخاص "عشاق بيتخانقوا على التحلية." المطعم كان مليان ضحك وكلام وريحة الأكل الإيطالي المميز. فجأة، العازف اللي واقف في الركن غير الإيقاع، وبدل موسيقى الخلفية الهادية اللي كانت شغالة، بدأ يعزف لحن إيطالي راقص، موسيقى فيها طابع قديم شوية زي أغاني الأفلام الأبيض وأسود. في لحظة، كأن زر اتضغط… كل الكوبلات في المطعم تقريبًا وقفوا! اللي كان بيأكل، اللي كان بيشرب قهوته… الكل بدأ يتحرك ناحية نص القاعة، والإضاءة زادت بشكل بسيط، وبقى المكان أشبه بساحة رقص أمنية وسفيان كانوا قاعدين في مكانهم متجمدين، عينيهم بتتابع المنظر بدهشة أمنية قالت بصوت واطي "هو إيه اللي بيحصل ده؟!" سفيان رد وعينه على الناس "واضح إنهم قلبوا المطعم حفلة ' الأب الإيطالي اللي كان قاعد معاهم ابتسم وقال لسفيان بالإيطالي بسرعة حاجة قصيرة. أمنية بصت له بتوتر "هو قال إيه؟" سفيان التفت لها وقال بابتسامة خفيفة "بيقولنا قوموا شاركوا معاهم… يعني نرقص." أمنية شهقت وهي تلوح بإيدها "إيه؟ لأ طبعًا! إحنا جايين شغل مش رقص!" لكن الموقف بدأ يتغير… لما أكتر من نص الموجودين قاموا، حتى ناس كبار في السن، كلهم متحمسين وبيرقصوا مع بعض بمرح، الجو بقى فيه ضحك وتصفيق. سفيان بص للمشهد، وبعدين وقف فجأة. مد إيده ناحية أمنية بابتسامة فيها شوية حماس "يلا بينا… دي فرصة مش هتتعوض." أمنية رفعت عينيها ليه بدهشة "إنت بتتكلم بجد؟!" هو أومأ براسه "طبعًا بجد… ده حلم أي حد يرقص على موسيقى إيطالية وسط الإيطاليين نفسهم!" فضل واقف، إيده لسه ممدودة لها، ونظراته كلها إصرار كأنه بيقول "مش هتحصل حاجة " أمنية حسّت بحرارة غريبة في وشها، نظرات الناس اللي حواليهم وكأنهم منتظرين، هي قالت بسرعة "طب… بس أنا ما بعرفش أرقص!" هو ضحك "ولا أنا… بس دي الفكرة، هنضحك وخلاص." وبعد تردد طويل، مدت إيدها وحطتها في إيده بحرج واضح. هو شدها برفق "ثقي فيا، مش هخليكي تقعي." اتجهوا مع الناس، وسفيان بدأ يتحرك على الإيقاع بكل حماس وكأنه بيرقص من سنين، يلف بيها بخفة، وهي أول ما شافت نفسها وسط الدوامة دي ارتبكت أكتر، ضحكت توتر، بس خطوة ورا خطوة ابتدت ترتاح. الموسيقى زادت سرعة، والناس بتصفق بإيقاع معاها، حتى الأب الإيطالي وصاحبه كانوا بيهتفوا من بعيد "Bravo! Bravo!" أول ما سفيان شد أمنية معاه وسط الزحمة، لقت نفسها محاطة بدائرة من ناس بترقص بخطوات سريعة ومنظمة، فيها تصفيق وضربات كعب على الأرض. الإيطاليين عندهم طابع مميز في الرقص، حركة الأقدام فيها قوة وحماس، زي دقات قلب متسارعة على الأرض، كل خطوة معاها تصفيقة، وكل لفة فيها صوت الكعوب اللي بتخبط الرخام. في البداية، سفيان مسك إيدها وأداها لفة سريعة، ضحكتها خرجت من غير ما تحس، لفة تانية لكن أقصر، وبعدها ساب إيدها بخفة وهي بتدخل تلقائي مع الناس في الدائرة الكبيرة. الرقص الإيطالي ده كان شبه مزيج بين خطوات الفلكلور ودوامات صغيرة، كل حد بيبدّل أماكنه بسرعة ويرجع يمسك إيد الشخص اللي جنبه من غير ما يختل الإيقاع. سفيان، اللي كان واضح إنه متحمس جدًا، رجع لها تاني بعد دورتين كاملتين، مسك إيدها من جديد، ودار بيها لفة أوسع شوية، بعدين شدها لقدامه خطوة، خطوة، ووراهم الناس كلها بتعمل نفس الحركة في انسجام كأنه مشهد متدرب عليه من زمان. أمنية في الأول كانت متوترة، حركاتها مش متأكدة منها، بس الجو العام خلاها تتحرر، تسيب نفسها للإيقاع. صوت الكعوب اللي بتخبط الأرض، التصفيق اللي بيزيد مع كل حركة، ضحكات الناس وابتساماتهم، كل ده خلّى التوتر اللي بينها وبين سفيان يذوب تدريجيًا. في لحظة، بقت هي اللي بتضحك بصوت مسموع وهي بتلف وسط الدائرة، وسفيان باصص لها بابتسامة مدهوشة، كأنه مش مصدق إنها خرجت عن هدوءها المعروف كده. الرقصة أخدت منحنيات كتير: مرة يمسكوا إيدين بعض ويلفوا نص لفة، مرة يتفرقوا كل واحد في اتجاه ويتقابلوا تاني عند نص الدائرة، ومرة تانية يقفوا كلهم صف واحد ويبدأوا خطوات متزامنة من ضرب الكعب للأرض وصوت الإيقاع اللي يخلّي المكان كله يتحول لنبض واحد كبير. أمنية كانت بتحس إن جسمها خفيف بشكل غريب، وإن الضحكة اللي على وشها مش عايزة تروح. الجو الإيطالي ده، الإيقاع، الروح الجماعية… كل حاجة كانت مختلفة عن أي حاجة مرت بيها قبل كده. أما سفيان، فكان واضح إنه في قمة سعادته، مش بس لأنه بيرقص، لكن لأنه شايف أمنية بتضحك، بتسيب نفسها للحظة من غير أي تحفظ. نظراتهم اتقابلت اكثر من مرة وسط الزحمة، نظرات قصيرة لكنها محمّلة باعتراف صامت إنهم الاثنين مبسوطين بشكل مش متوقع. ولما العازف زوّد سرعة الإيقاع أكتر، الكل زاد حماسه، التصفيق بقى أسرع، والدائرة كلها كانت بتلف بشكل شبه فوضوي لكن مليان حياة. سفيان وأمنية في النص، بيتحركوا مع الناس كأنهم جزء من المكان ده من زمان، مش مجرد زوّار جايين رحلة شغل. وفي اللحظة اللي الموسيقى وقفت فجأة على ضربة نهائية، كل الموجودين وقفوا مكانهم، بعدين انفجروا تصفيق وصافرات حماس. أمنية وسفيان واقفين، نفسهم متقطع، ضحكتهم لسه طالعة من القلب، والإيطاليين حواليهم بيصفقوا كأنهم واحد من أهل البلد. فجأة الإضاءة في المطعم بقت أهدأ، وبدل الموسيقى الحماسية اللي كانت مليا المكان، العازف بدأ يعزف لحن رومانسي ناعم جدًا، نغمة بطيئة، فيها إحساس كأنها خارجة من فيلم قديم. الناس اللي حوالينهم بدأوا ياخدوا شركاءهم على جنب، وكل زوجين وقفوا قدام بعض، خطوة صغيرة، وبعدين اتحركوا بهدوء في دوائر صغيرة على الإيقاع. أمنية وسفيان كانوا لسه واقفين قدام بعض بعد الرقصة الجماعية، مسافة قصيرة جدًا بينهم، ونفسهم لسه مش منتظم من الحركة. عيونهم تقابلت فجأة، نظرة طويلة، وكأنها فيها سؤال من غير كلام. سفيان مد إيده ببطء ناحيتها، صوته هادي جدًا "تيجي نجرب؟" أمنية مش فاهمة هي إزاي سمحت لإيدها تتحرك لوحدها، لكن فجأة لقت نفسها بتحط إيدها في إيده. كان في ارتباك واضح على وشها، بس برضه في لمحة فضول… حاجة جواها بتقولها ليه لأ؟ هو قرب منها خطوتين، وحط إيده التانية على خصرها، حركة طبيعية جدًا لكن قلبها حس بيها بشكل مختلف. هي بدورها حطت إيدها الحرة على كتفه، وبدأوا يتحركوا بخطوات بطيئة على الإيقاع. طريقة رقصهم كانت شبه اللي في الأفلام: خطوات جانبية بطيئة، حركات دوران خفيفة جدًا، وجسمهم بيتحرك كأنه في انسجام مع اللحن نفسه. كل ما الموسيقى تاخد نغمة أعمق، هما يقربوا من بعض أكتر بشكل لا إرادي، عيونهم مش قادرة تبعد. حواليهم، الأزواج الإيطاليين كانوا بيرقصوا بنفس الرومانسية، بس بعضهم كان بيبص ناحيتهم بابتسامة صغيرة، نظرات فيها نوع من الرضا: كأنهم شايفين حاجة واضحة جدًا حتى لو أصحابها لسه مش معترفين بيها. الأب الإيطالي وصديقه تبادلوا النظرات وضحكوا بخفة… كل حاجة في الكيمياء بين سفيان وأمنية ظهرت قدامهم من غير كلام. أمنية بصت له بخجل نادر جدًا وقالت بصوت منخفض وهي بتبتسم "أنا مش مصدقة إنك بتعرف ترقص كده… ما تقوليش إنك كنت شغال راقص حفلات قبل كده؟" سفيان ضحك بخفوت، صوته قريب من ودنها عشان الموسيقى الهادية "لأ يا أستاذة… أنا بس بسيب نفسي للموسيقى." ابتسامة صغيرة ظهرت على وشها، ابتسامة هادية جدًا لكنها صادقة. هو بدوره ابتسم، ابتسامة أهدأ لكن مليانة حاجة مختلفة، وعيونه فضلت ثابتة على عيونها. الحركة بينهم بقت أبطأ، وكأن الوقت نفسه وقف، والموسيقى الرومانسية عملت لهم عزلة صغيرة عن كل اللي حواليهم، كأن المطعم بكل ضيوفه واختفى وبقى فيه بس هما الاثنين… وخطواتهم اللي ماشية بإيقاع واحد.