الفصل الثاني عشر :
داخل الطيارة...
أمنية كانت قاعدة في مقعدها جنب الشباك، شنطتها الصغيرة محطوطة تحت الكرسي، وحزام الأمان مربوط من بدري. طلعت كتابها من الشنطة "نظرية الفستق" وفتحته، بتحاول تلهي نفسها شوية قبل الإقلاع.
وبينما هي بتقلب الصفحات، سمعت صوت خطوات جاي في الممر. رفعت عينها… كان سفيان، بيجر خطواته بهدوء، عينه على الأرقام المكتوبة فوق المقاعد. وقف بالصدفة عند مقعدها.
قبل ما حتى تفتح بقها، سبقها وقال بنبرة وكأنه بيتأسف لكن بتهكم
"للأسف… ده مقعدي، ومافيش غيره."
أمنية عضت شفايفها من الضيق وسحبت نفسها ناحية الشباك أكتر، سايبة مساحة صغيرة بينهما. هو قعد جنبها، مرتب هدومه، ربط الحزام، وحط راسه ورا كأنه ناوي ينام.
أمنية كانت بتحاول تركز في الكتاب، لكن قلبها بدأ يدق أسرع مع إعلان المضيفة إن الطيارة خلاص على وشك الإقلاع. مسكت الكتاب بإيدها الاتنين، وابتدت تحرك جسمها في مكانها بشكل لا إرادي، تعدل جلستها كل شوية، تنفخ أنفاس قصيرة وتحاول تاخد نفس طويل.
سفيان، اللي كان ناوي ينام، حس بحاجة غريبة جنبُه، فتح عين واحدة وبص ليها. شافها متوترة، أصابعها ماسكة الكتاب بإحكام، وشها مش مرتاح. تردد شوية… هي أصلاً كانت نبهت عليه مايتكلمش، لكن المنظر خلاه يقول بنبرة هادئة
"إنتِ… بتخافي من الطيارة؟"
أمنية رفعت عينيها بسرعة، وكأن السؤال محرجها أكتر، بس مردتش.
سفيان كمل
"بصي، مش لازم تردي… أنا بس بسأل من باب الإنسانية يعني."
أمنية أخدت نفس وقالت بصوت منخفض وهي بتحاول تضحك على نفسها
"أنا ما بخافش من الطيارات نفسها… بس بخاف من لحظة الانطلاق دي… بتحسسني إن قلبي بيقف."
سفيان بصلها للحظات ، أول حاجة عملها من غير ما يقول كلمة، إنه مد إيده وسحب غطاء الشباك وقفله، عشان تشيل عينها من منظر المدرج والحركة. بعد كده، بص على الكتاب اللي في إيدها وقال بابتسامة خفيفة
"الكتاب ده عن إيه؟"
أمنية رفعت عينها ليه بنظرة استغراب
"طب ما العنوان مكتوب قدامك."
هو رد
"العنوان مش بيشرح حاجة، وأنا أول مرة أشوف الكتاب ده أصلاً."
أمنية رفعت حواجبها بدهشة
"إيه ده؟ أنت ما تعرفش نظرية الفستق؟ ده كتاب مشهور جدًا!"
سفيان هز راسه بلا مبالاة
"طب وريني شطارتك بقى، احكيلي."
أمنية نسيِت نفسها فجأة وابتدت تشرح
"بصي… الكتاب بيتكلم عن تطوير الذات، إزاي الإنسان ممكن يغيّر حياته ويفكر بشكل مختلف عن طريق مواقف صغيرة وقرارات بسيطة… وفيه قصص كتير بتخليك تعيد التفكير في تصرفاتك…"
فضلت تحكي بجدية صوتها بدأ يستقر، أنفاسها تهدأ، حتى إيديها وهي ماسكة الكتاب ارتخت شوية. كانت مركزة جدًا في شرحها لدرجة إنها ما أخدتش بالها إن الطيارة فعلاً اتحركت وبقت في الجو.
لما خلصت شرح، رفعت عينيها للشباك وسحبت الغطاء تاني لا إرادي… وفجأة اتفاجئت
"إيه ده؟ إحنا فوق بجد!"
بصت لسفيان بدهشة
"إنت عملت كده عشان أنسى… صح؟"
سفيان اكتفى بابتسامة صغيرة من غير ما ينطق، وغمض عينيه كأنه ناوي يرجع ينام.
أمنية فضلت باصة له ثواني بصمت، نظرتها فيها حاجة غريبة… مش فاهمة إذا كانت شكر أو اندهاش أو حتى اعتراف ضمني إنه تصرف صح. بعد لحظة، حرّكت راسها ورجعت للكتاب، لكن عقلها مش قادر ينسى الابتسامة اللي شافتها على وشه.
______
أمنية كانت قاعدة في مقعدها بعد الإقلاع، في الأول حاولت تشغل نفسها بالكتاب لكن بسرعة انجذبت للمنظر من الشباك.
السحاب الأبيض الممتد لحد الأفق والسماء الواسعة خلّوها تسرح شوية.
بعد فترة، التعب بدأ يظهر عليها، وعيونها تقفل من غير ما تاخد بالها.
أما سفيان؟ أول ما ركب وربط الحزام، قال كلمة صغيرة "هاغمض عيني شوية" ونام نوم عميق، وكأن الطيارة بيته.
صوته المنتظم في التنفس كان واضح إنه نايم نوم ثقيل.
حوالي بعد ساعتين، أمنية صحيت على صوت المضيفة وهي بتتكلم بنبرة هادية
"مساء الخير، حابين نوزع الوجبات دلوقتي."
أمنية لسه نصف نايمة، بس أول حاجة حسّت بيها كانت الجوع، مدت إيدها ونادت المضيفة بصوت واطي
"من فضلك… لو سمحتي، ممكن واحدة هنا."
المضيفة ابتسمت بهدوء وقدمت لها وجبة صغيرة، وبعدها بصت على سفيان اللي رأسه كان مايل شوية ناحية كرسي أمنية وقالت بابتسامة بريئة
"وزوج حضرتك؟ تحبي تاخدي له حصته دلوقتي ولا لما يصحى؟"
أمنية فجأة وقفت مكانها لثانية
"زوجي؟!"
المضيفة وقفت مبتسمة، مش فاهمة ليه مستغربة
"أيوه… تحبي اعطيكي الوجبة دلوقتي ولا لما يصحى؟"
أمنية بسرعة وضحت وهي بتحرك إيديها بتوتر
"لأ لأ، هو مش زوجي… ده زميلي في الشغل بس."
المضيفة ضحكت بخجل وقالت
"آسفة جدًا… أنا افتكرت كده عشان شكل المكان والراحة بينكم."
أمنية ابتسمت ابتسامة متوترة وقالت
"ولا يهمك… عادي يعني."
وأخدت وجبتها، وحطتها على الطاولة الصغيرة، لكن عينيها فضلت تروح ناحية سفيان من طرف عينها.
هو كان نايم ووشه هادي ورأسه مايلة شوية على ناحية كرسيها، منظرهم فعلًا ممكن يدي انطباع غلط لأي حد يشوفهم من برة.
أمنية في عقلها: "زوجي؟! يا نهار أبيض… ده مستحيل، ده حتى مش قادر أطيق إنه يقعد جنبي أسبوع كامل!"
ومع ذلك، ضحكة صغيرة خرجت منها وهي بتهز رأسها وتبدأ تفتح الوجبة وتأكل بهدوء، تحاول تنسى الموقف لكن الموقف فضل شاغل بالها وهي بتبص له بطرف عينها بين الحين والتاني.
_______
بعد ساعتين ...
أمنية كانت قاعدة مكانها بعد إعلان المضيفة إن الطيارة خلاص في مرحلة الهبوط، بصت ناحية سفيان اللي كان نايم من أول الرحلة، نوم ثقيل لدرجة إنها في لحظة فكرت: "هو لسه عايش؟ ده حتى نفسه هو اللي مطمّني إنه مش ميت!"
اكتشفت أنه هو من النوع اللي ينام نوم عميق جدًا، لا حركة، لا التفاف، بس كل شوية يطلع صوت نفس عالي شوية وكأنه بيأكد إنه موجود.
أمنية مدت إيدها شوية، وهزت كتفه بهدوء في الاول
"سفيان… يلا قوم، وصلنا خلاص، الطيارة هتنزل."
مفيش استجابة، نومته كانت تقيلة بشكل غير طبيعي، فاضطرت تقرّب أكتر وتمد إيدها ناحية دراعه من معصمه عشان تشده تهزه أقوى.
فجأة لقيت يده تمسك معصمها بقوة، حركة لا إرادية منه وكأنه بيحلم بحاجة.
أمنية اتجمدت في مكانها، قلبها دق فجأة من المفاجأة، وبصت له بسرعة.
هو فتح عينه ببطء، نظراته كانت لسه فيها أثر النوم، والتقت نظراتهم لثواني قصيرة لكن حسّتها طويلة جدًا.
سحبت إيدها بسرعة وقالت بصوت مضطرب شوية
"قوم يا سفيان… وصلنا خلاص، الطيارة خلاص بتنزل."
سفيان مسح عينيه بإيده بسرعة، وهو بيحاول يفوق من النوم، وبعدين بص ناحية الشباك.
المشكلة؟ الشباك كان من ناحية أمنية، وهو من غير تفكير مال بجسمه لقدام شوية عشان يشوف، وكأنه ناسي المسافة اللي قالت عليها من قبل، لدرجة إن المسافة بينهم بقت شبه منعدمة.
أمنية حسّت إنها اتسمّرت مكانها، ضهرها اتسند على الكرسي بقوة، بتحاول تاخد نفسها طبيعي، لكن قلبها دق أسرع من العادي من التوتر.
"هو إيه اللي بيعمله ده؟! دي مش خمسة متر ولا حتى نص متر!"
هو كان مركز جدًا في المنظر برا، ومش واخد باله من ارتباكها إطلاقًا، وعينه كلها اندهاش
"ياااه… أنا فعلًا في إيطاليا؟"
كان صوته فيه ذهول وحماس كأنه مش مصدق نفسه.
أمنية من جواها قالت: "ياريتني ما صحّيته دلوقتي… كنت أسيبه شوية زيادة، أهو كان نايم ومرتاح وأنا مرتاحة!"
لكنها في الآخر حاولت تهدي نفسها، وتشد نفسها للمظهر الرسمي الهادئ اللي متعودة عليه، رغم إن الإحساس اللي جواها كان مختلف تمامًا.
______
أمنية خرجت من الطيارة وهي ماسكة شنطتها الصغيرة على كتفها وبتجر الشنطة الكبيرة بالعافية، وسط الزحمة اللي مش سايبة مجال لحد يمشي براحة. الجو كله دوشة: أصوات الناس، عربيات الشنط، والإعلانات اللي شغّالة في الخلفية.
كانت حاسة إن دراعها هيطلع من مكانه من كتر ما الشنطة تقيلة والزحمة خانقة. بصت حواليها بتدور بعينيها على أي حد من الشركة الإيطالية اللي المفروض هيستقبلهم. في اللحظة دي لمحت سفيان… ماشي قدامها بخطوات ثابتة جدًا، ولا حتى لف يشوف هي وراه بتعافر إزاي. يعني بجد يا سفيان؟ ولا كلمة مساعدة؟
هو واضح إنه واخد كلامها الصبح بجد: خليك بعيد 5 متر وما تتكلمش معايا إلا في الشغل؟ خلاص… تمام، أنا بعيد 5 متر! كان واضح إنه بيتعمد يتجاهلها، وده جننها أكتر.
أمنية بصة له من ورا بنظرات كلها غيظ: يعني مش بس مش هتساعد، كمان سابقني؟
وفجأة، شافت راجل واقف شايل لافتة كبيرة مكتوب عليها بالإنجليزي
“Welcome Ms. Omnia & Mr. Sofiane”
أمنية اتنهدت براحة
أخيرًا لقينا حد!
لكن كالعادة… سفيان سبقها بخطوتين وراح للرجل قبلها. مد إيده وسلم عليه وهو بيكلمه بالإيطالي بطلاقة! الراجل أول ما سمع لغته اتبسط جدًا، ابتسم وابتدى يتكلم مع سفيان براحة وكأنهم أصحاب قدام.
أمنية وقفت عندهم شايلة شنطتها وبتبص عليهم وهي مستغربة: هو إزاي في ثواني قدر يكسب ود الراجل ده؟ هو أساسا ازاي يقدر يكسب ود الكل الا ودها طبعا!حتى الراجل نسى إنه أصلاً كان مستعد يتكلم إنجليزي!
هي عارفة إنجليزي كويس، لكن إيطالي؟ مش اوي … وده خلاها تحس إنها متأخرة خطوتين عنه، حاجة مضايقاها من غير سبب منطقي.
الراجل أخد الشنط الكبيرة، وقال لهم بلطف – أو ده اللي ترجمه سفيان لامنية إن دلوقتي مفيش حاجة
"يرتاحوا، وبالليل هم معزومين على العشا."
أمنية كانت أول واحدة تركب العربية اللي مستنياهم، قاعدة جنب الشباك وبصتها كلها بتقول: نفسي أوصل الفندق بسرعة، أرتاح وأفصل دماغي شوية.
سفيان ركب قدامها عادي جدًا، وقاعد بيتكلم مع السواق الإيطالي عن الطريق والمعالم اللي بيعدوا عليها، كأنه في رحلة سياحة مش رحلة عمل.
أمنية خدت نفس عميق وقررت ما تتكلمش، ولا حتى تبص ناحيته… الأسبوع ده لسه في أوله، وهي مش ناوية تضيع أعصابها من دلوقتي.
_______
أمنية وسفيان دخلوا الفندق وهما لسه شايلين تعب السفر على وشهم، كل واحد فيهم مسك شنطته وساكت، كأنهم غرباء مش زملاء شغالين مع بعض من فترة.
أول ما وقفوا قدام الريسبشن، موظف الاستقبال شاب لابس بدلة رمادية ووشه بشوش جدًا رحب بيهم بابتسامة واسعة وبالإنجليزي
"Welcome to our hotel, do you have a reservation?"
أمنية تقدمت خطوتين بثقة، حطت شنطتها على الأرض وقالت
"Yes, under the company name, please."
حسّت بنظرات سفيان اللي واقف وراها ساكت، عامل نفسه مش مهتم، لكن من جواه واضح إن ملاحظتها كانت إنها أنا مش محتاجة حد يترجملي، أنا عارفة أتصرف.
موظف الاستقبال بسرعة راجع بيانات الحجز، سلّمهم كروت الغرف وقال بابتسامته الرسمية
"Room 508 and Room 509. Breakfast is from seven to ten a.m., enjoy your stay."
أمنية أخدت الكارت، وبصت لسفيان بنظرة صغيرة فيها انتصار صامت، كأنها بتقول: شايف يا أستاذ سفيان؟ من غير ترجمة ومن غير مساعدتك… الأمور ماشية زي الفل.
دخلوا هما الاثنين في نفس المصعد، الجو بينهم ساكت بشكل يخلّي أي صوت بسيط مسموع بوضوح. حتى أصوات تروس المصعد وهي بتتحرك فوق كانت أكتر من كلامهم.
أمنية وقفت ناحية اليمين ماسكة شنطتها، وسفيان ناحية الشمال ماسك شنطته بعفوية، لكن ملامحه ما زالت فيها برود.
لما وصلوا الدور، خرجوا مع بعض، وقبل ما أي حد فيهم يدخل غرفته، اكتشفوا المفاجأة
الغرفتين متقابلتين مباشرة.
أمنية بصت على الباب اللي قدامها ثم بصت لسفيان وقالت بصوت ثابت لكنها مركزة عليه
"بص يا أستاذ سفيان… أنا محتاجة أهدى شوية قبل العشا، يعني لا خبط على الباب، ولا كلام خارج الشغل… نتقابل تحت في المعاد بس. مفهوم؟"
سفيان رفع حواجبه، عمل حركة بإيده كأنه بيقول: براحتك، وقال
"زي ما تحبي يا أستاذة أمنية."
الاثنين فتحوا أبوابهم في نفس الوقت، وكل واحد دخل وقفّل الباب وراءه بصوت متزامن تقريبًا، وكأنهم متفقين من غير ما يقصدوا.
امنية أول ما دخلت، وقفت في مكانها لحظة منبهرة.
الأرضية متغطية بسجادة أوف وايت ناعمة، والجدران عليها لمسات ديكور بسيطة بلون بيج فاتح، السرير كبير مفروش بأبيض ناصع ومخدات متراصة بدقة. جنب السرير لامبادير أنيق بضوء أصفر دافئ، وعلى الترابيزة الصغيرة إناء ورد طبيعي.
أول حاجة شدت انتباهها كانت البلكونة. راحت وفتحت الستارة الكبيرة اللي مغطيها، ووقفت قدام المنظر وهي تاخد نفس عميق.
الشارع الإيطالي تحتها كان تحفة
مباني قديمة واجهاتها مزخرفة بألوان باستيل ناعمة (بيج، أصفر دافئ، وردي باهت)، الشبابيك خشب أخضر ومعاها صناديق زرع فيها ورد أحمر وأبيض متدلي.
الطريق نفسه مرصوف بحجارة رمادية صغيرة، وعلى الجنبين فيه كافيهات صغيرة كراسيها برة على الرصيف، والناس قاعدة مستمتعة بالشمس، تسمع من بعيد نغمة موسيقى كلاسيك جاية من مكان مش باين.
أمنية وقفت لحظة ساكتة، حاسة إن التعب بدأ يخف والرحلة بقت حقيقية بالنسبة لها: أنا في إيطاليا بجد!
في الوقت ده، سفيان فتح باب غرفته ورمى شنطته جنب الباب مباشرة، ومشي نص خطوة ورمى نفسه على السرير من غير حتى ما يشوف شكل الغرفة كله.
السرير كان ناعم جدًا، ولما جسمه لمس المرتبة حس إن كل عضلة فيه ارتاحت. فرد إيده ورجله وقال لنفسه وهو سايب عينه تتقفل
"يا سلام… ده مش سفر شغل، ده كأنها أجازة."
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو لسه مغمض عينه، وبقى صوته واطي جدًا من التعب، كأنه مش هيفتحها تاني غير وقت العشا.
______
مرت الساعات بسرعة، وكل واحد فيهم قضاها بطريقته:
سفيان قاعد على السرير، ماسك الريموت، يقلب في القنوات الإيطالية وبيضحك على برامجهم
أما أمنية، فكانت قاعدة على اللابتوب بتاعها، بتجمع معلومات عن روما، الأماكن المشهورة، العادات… يعني بتحاول تجهز نفسها عشان تبان بروفيشنال في العشا.
لما جه وقت الاستعداد، أمنية قررت تدلع نفسها شوية.
دخلت الحمام، شغّلت المياه السخنة، حطت شمع معطر على الحوض، وفتحت جل الاستحمام اللي جايباه مخصوص للسفر. الجو كان هادي، دافي، وريحت الورد مليا المكان. بعد الشاور، لبست روب الحمام الأبيض وهي حاسة إنها في إعلان شامبو.
لكن… الكارثة!
أول ما مدت إيدها للمجفف لقت السلك مقطوع، مش شغال!
"إيه ده؟ أنا اللي مش مركزة ولا إيه؟"
راحت على الشنطة الكبيرة تشوف يمكن جايبة معاها واحد… بس لأ، جايبة كل حاجة إلا هو.
قعدت ثواني تبص في الفراغ: هو أنا إزاي أنسى حاجة زي دي؟!
فكرت تتصل بالريسبشن
"Hello? Can I get a hair dryer, please?"
الست اللي ردت قالت كلام طويل بالايطالي
"Pronto… qualcosa… asciugacapelli…"
أمنية حاولت بالإنجليزي
"Hair dryer… please!"
لكن الست مكملة طلق نار بالإيطالي، وكأنها بتقول أنا مش فاهمة منك حاجة يا ست هانم.
أمنية أفلِت التليفون
"هو في فندق في روما… ومحدش بيتكلم إنجليزي؟"
آخر حل خطر في دماغها… تروح تطلب من سفيان.
وهنا قلبها وقع. هو أنا اللي مصممة إنه يبعد عني، وهو اللي التزم، والنتيجة… أنا اللي هروح له بنفسي؟
لبست أول فستان جه في إيدها، شعرها لسه مبلول بينقط، وخرجت من الأوضة واقفة قدام باب أوضته.
"أنا بعمل إيه بالظبط؟!"
طرقت الباب مرة… مفيش.
طرقت مرتين… لسه مفيش.
فجأة الباب اتفتح… وسفيان واقف قدامها لابس روب الحمام، وشعره مليان شامبو أبيض بينقط.
أمنية اتجمدت مكانها. يا نهار أبيض، ده أنا واقفة قدام واحد شبه إعلانات الشاور!
هو بص لها بنص عين وقال
"خير يا آنسة أمنية؟ مش شايفة إن في شامبو على دماغي لازم يتغسل؟"
أمنية بلعت ريقها بالعافية
"أنا… يعني… محتاجة… مجفف شعر."
"هاه؟ بتقولي إيه؟"
صوتها كان واطي من الإحراج، رفعت صوتها أكتر
"عايزة مجفف شعر!"
هنا سفيان ابتسامته ظهرت ببطء، فيها خبث واضح
"أوبس… والاتفاق؟ مش انتي اللي قلتي ما نتكلمش خالص؟"
وفضل يكرر كلامها قبل مايركبوا الطيارة ولما وصلوا الفندق ويتكلم كأنه هي .
أمنية عضت شفايفها من الغيظ، حاسة إن كرامتها بتتبخر.
قال لها وهو رافع إيده ناحية الباب
"بصراحة… ممكن أديك المجفف بس بشرط."
أمنية رفعت حاجبها
"شرط إيه؟"
قرب راسه منها وقال بصوت ساخر
"تعترفي إنك محتاجة ليّ."
نظرتها له بقت حادة، وسفيان تراجع خطوة، ضغط على الباب كأنه هيقفله في أي وقت وقال
"لو مش عايزة خلاص… براحتك طبعًا."
أمنية قبضت إيدها بعصبية
"أنا محتاجاك… بس عشان المجفف، مفهوم؟"
"إيه؟ صوتك واطي يا أمنية، أنا مش سامع."
رفعت صوتها فجأة
"قلت إني محتاجاك عشان المجفف!"
سفيان انفجر ضاحكًا
"حاضر يا ست محتاجاني… استني ثواني."
وهو داخل اوضته شافها ازاي انحنت تبص على الاوضة فقال بمرح
"لو عايزة تدخلي تشوفي الأوضة، اتفضلي."
أمنية تراجعت برا الأوضة اكثر قلبها بيقول هو ده اختبار ولا إيه؟، لكنها بسرعة ردت
"أكيد لأ! إنت منحرف!"
سفيان ضحك
"يا نهار أبيض! منحرف مرة واحدة؟ ده أنا قصدي بس… خلاص خلاص، خدّي المجفف."
أخذت المجفف بسرعة وقالت بجفاء
"شكرًا."
وقبل ما يرد حتى، قفلت الباب في وشه برجّة واضحة.
سندت ضهرها على الباب وهي شايلة المجفف
"يا ربي على الإهانة… ده أنا اللي كنت بتمنظر عليه من الصبح!"
وبعدين حطت المجفف جنبها وهي بتتمتم:
"هو شكله هيقعد يشمت فيا العمر كله."