الفصل التاسع :
أمنية فتحت عينيها ببطء، الإضاءة البيضاء القوية وجهاز المونيتور اللي بيصدر صوت طنين منتظم حواليها خلّوها تحس إنها مش في بيتها… لا، ده مكان مختلف تمامًا.
عينيها بدأت تتعود على الجو حواليها: حيطان بيضا ناصعة، ريحة معقمة نفاذة، صوت خطوات ناس بتمر من بعيد، ووشها البرّاق في زجاج النافذة الجانبية وهي لابسة طقم الشغل الرسمي لكن بدل الجاكيت متغطية ببطانية فاتحة اللون، وعلى إيدها الشمال المحلول راكب، أنبوب رفيع متوصل بالكانولا داخل الوريد.
حاولت تتحرك، قامت بهدوء شوية… لكن فجأة ظهر شخص كان قاعد جنب السرير واعتدل بسرعة، وبعدين وقف "أمنية… حمد لله على سلامتك يا بنتي!"
كانت أمها سلمى، ملامح وشها كلها قلق، وعينيها محمرة شوية من كتر التوتر.
أمنية بصوت مبحوح وهي بتحاول تعتدل
"ماما… إيه اللي حصل؟"
سلمى حطت إيدها على كتفها، ضغطت بخفة عشان تمنعها تقوم
"لا يا حبيبتي، متقومييش دلوقتي… إنتي فاكرة نفسك سوبرمان؟ أنا مش قلتلك من الصبح تفضلي في البيت وترتاحي؟ أهه شوفي النتيجة يا آنسة عناد… شوفي!"
أمنية غمغمت بعدم فهم
"طب حصل إيه؟… إزاي جينا هنا؟"
سلمى لفت وشها الناحية التانية وقالت وهي بتتنهد
"الشركة اللي انتي شغالة فيها اتصلوا بيا، قالولي إنك وقعت مغمي عليكي وجابوكي المستشفى فورًا… ده كله بسبب إنك ما بتسمعيش الكلام. حتى الدكتور قال حرارتك كانت مولّعة جدًا، 39 ونص! أنا اتخضيت لما شفتك نايمة هنا."
أمنية رفعت إيدها التانية ولمست جبهتها… دلوقتي الحرارة أوطى شوية، إحساس السخونة الفظيع اللي كان معاها الصبح اختفى تقريبًا، بس جسمها لسه تقيل.
قالت بهدوء وهي بتحاول تهدي أمها
"ما تقلقيش ماما… أنا أحسن."
سلمى بصوت حاسم
"أنا هروح أجيب الدكتور يشوفك تاني، ما تقوميش من مكانك."
وخرجت بسرعة.
أمنية وهي لوحدها مدت إيدها تدور على تليفونها، لقت حقيبتها على الكرسي جنب السرير. طلعت الموبايل وشافت شاشة الإشعارات… مكالمة فائتة من أنس، والساعة كانت تسعة إلا ربع بالليل.
ضغطت على زر الاتصال، قلبها دق أسرع وهي بتسمع صوته "مساء الخير يا أمنية… إيه؟ أخيرًا صحّيتي؟"
هي ابتسمت ابتسامة ضعيفة
"آه… أنا كنت نايمة، ما سمعتش المكالمة."
أنس بنبرة متسائلة
"حرارتك دلوقتي أخبارها إيه؟ الدكتور قال حاجة؟"
أمنية ردت وهي بتعدل البطانية عليها
"لأ، الحمد لله… الحرارة نزلت كتير. أنا بخير دلوقتي."
سكت لحظة وبعدين قال
"كويس… على فكرة، السلة عجبتك؟ بصراحة ما كنتش عارف إنتي بتحبي أي نوع فواكه بالظبط."
هي ابتسمت بامتنان
"دي كانت جميلة جدًا… شكرًا يا أنس."
هو ضحك بخفة
"طيب الحمد لله… المهم إنك ارتحتي. أنا مش هطوّل، نامي وخدي بالك من نفسك."
أمنية بنبرة دافية
"وأنت كمان… ليلة سعيدة."
قفل الخط، وهي حست براحة غريبة… اهتمامه واضح، لكن في نفس الوقت هي ما تعرفش إنه أصلاً ما اختارش السلة بنفسه، مساعده هو اللي عمل ده لأنه كان مشغول. بالنسبة لها، الصورة المثالية لأنس لسه موجودة.
أغمضت عينيها وهي بتسند راسها على المخدة، ولسه في وشها ابتسامة صغيرة مطمئنة، يمكن لأول مرة من الصبح حسّت إنها فعلًا مرتاحة.
_________
أمنية صحيت تاني يوم وهي حاسة انها بقت أحسن بكتير من امبارح. السخونية تقريبًا راحت، وجسمها بقى أخف.
أخدت دش دافي صحّاها زيادة، وبعدها فتحت الدولاب واختارت فستان أسود طويل، ضيق عند الخصر، وضافت عليه جاكيت قصير يدي شكل رسمي وأنيق.
قفلت شنطتها الصغيرة وحطتها على كتفها، وبهدوء خرجت من البيت وهي شايفة أمها سلمى لسه نايمة، شكلها مرهق من سهرة المستشفى اللي رجعوا منها متأخر بالليل.
في طريقها، قررت الأول تعدي على الورشة وتاخد عربيتها. أول ما ركبت، أخدت نفس عميق وقالت لنفسها
"أهو رجعت الحياة الطبيعية."
وصلت الشركة بدري، لكنها أول ما دخلت من الباب لاحظت حاجة غريبة… موظفات الاستقبال قاعدين بيتهامسوا أول ما شافوها، ولما بصّت لهم بابتسامة تحية، هما فجأة ابتسموا في وشها ابتسامة واسعة… زيادة عن اللزوم.
رفعت حاجبها بخفة وقالت في سرها
" شكلي بتخيل !"
مشت لقدام، لكن نفس الجو اتكرر… موظفين في الممر، واحد بيهمس للتاني أول ما يشوفها، وبعدين يضحكوا بخفة.
حاولت تتجاهل وتحافظ على شكلها الطبيعي لحد ما وصلت عند مكتب سندس.
قالت بصوت طبيعي مصطنع
"صباح الخير يا سندس!"
سندس رفعت وشها وابتسمت
"صباح الفل يا آنسة أمنية."
لكن الهمس اللي وراها كان واضح جدًا. أمنية وقفت لحظة، وبعدين لفت على سندس بنظرة استفسار
"إيه يا سندس؟ هو فيه حاجة في شكلي؟ اللبس مش مناسب؟ الميكاب سايح ولا إيه؟"
سندس هزت راسها بسرعة
"إيه الكلام ده بس؟ إنتي زي القمر كالعادة!"
أمنية شبكت دراعها
"طب ما دام أنا زي القمر، الناس كلها ليه بتبص لي وتتهامس؟"
سندس بصت حواليها وبعدين رجعت تبص لأمنية بحذر وقالت بنبرة هادية
"هو… يعني… هو فيه سؤال بس لازم أسأله… إنتي… يعني حضرتك… بينك وبين المترجم حاجة؟"
أمنية اتصدمت، فتحّت عينيها وقالت بسرعة
"إيه؟! أنا وسفيان؟ مستحيييل طبعًا!"
وبعدين افتكرت
"آه… لو قصدك إنه جه امبارح، ده عشان حضرته حس بالذنب إني مرضت بسببه… مش أكتر من كده، وخلاص."
سندس هزت راسها
"لا… الموضوع مش كده."
أمنية اتنرفزت
"يعني إزاي مش كده؟ إنتي قصدك إيه يا سندس؟ ليه كل الناس بتبصلي بالشكل ده؟"
سندس أخدت نفس عميق، كأنها داخلة على مشهد مهم جدًا وقالت
"بصي بقى يا آنسة أمنية… امبارح وإنتي واقعة على الأرض بعد ما أغمي عليكي… المترجم أول ما سمع صوت الارتطام لف بسرعة، وشافك مرمية على الأرض، عينيكي مقفولة ووشك شاحب."
أمنية فتحت عينيها بدهشة
"إيه؟!"
سندس كملت وهي مندمجة جدًا
"هو جري عليك بسرعة، شنطته كانت بتتأرجح ورا ضهره مع كل خطوة… والموظفين كلهم اتلموا حواليكي، حتى موظفات الاستقبال سابوا مكانهم وجريوا يشوفوا إيه اللي حصل."
أمنية مسكت جبهتها بخفة
"يا نهار أبيض…"
سندس بصوت مليان حماس
"والمترجم كان بيناديكي: أمنية! آنسة أمنية! وماكنتيش بتردي، عينيكي مقفولة خالص. بصراحة شكله كان قلقان اوي. وبعدين فجأة… حملك!"
أمنية بصوت عالي
"حملني؟!"
سندس بابتسامة حالمة
"أيوه، حملك زي ما الأمير بيشيل الأميرة في الأفلام، بإيدين ثابتة ووشه كله جدية. وطلع بيكي على طول من الشركة، من غير ما يستنى الإسعاف ولا حاجة، وقال لواحدة من الموظفات اتصلي بأهلها وقوليلهم هيا في المستشفى الفلاني."
أمنية عينيها وسعت
"إيه الرومانسية اللي بتقوليها دي يا سندس؟! ده كان موقف طوارئ!"
سندس بهمس ساخر
"طوارئ إيه؟ ده مشهد سينمائي كامل. البنت الضعيفة اللي أغمي عليها، والأمير الشجاع اللي شايلها بكل قوة وبيجري بيها عشان ينقذها… حتى وشه كان فيه لمسة بطل فيلم تركي كده."
أمنية حطت إيدها على خدها باستنكار
"يا سلام… هو ده أمير؟ ده يا دوب… مترجم مزعج، وانتي جاية دلوقتي عاملاه فارس أحلام؟!"
سندس رفعت حواجبها وقالت
"مش أي حد يشيلك كده قدام كل الموظفين ووشه مليان قلق… ده مشهد عمرك ما هتنسيه."
أمنية ضربت جبهتها وقالت بعصبية وهي تقف مغادرة
"لا، أنا هنساه بالعند! وبعدين هو مش أمير ولا أنا أميرته… احنا نشتغل مع بعض وخلاص!"
سندس ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي بتقول
"ماشي يا آنسة أمنية… بس جروب الشركة مش شايف كده."
__________
يوم أمنية كان مليان نظرات غريبة وهمسات شبه مسموعة من كل حتة في الشركة. كل واحد يدخل مكتبها شايل تقرير أو ملف، لازم يبدأ بسؤال عن صحتها بنبرة فيها حاجة مريبة، كإن السؤال مجرد تمهيد لحاجة تانية. وكل مرة كانت تلاحظ النظرات اللي بيتبادلوها الموظفين والابتسامات المكبوتة اللي معناها واضح: الحكاية اللي ألفوها عن "أميرة الأمير" هي وسفيان.
في الأول حاولت تتجاهل الموضوع، بس كل دقيقة بقت اختبار لصبرها. حتى لما راحت بنفسها تسأل حد عن شغل مهم، لقت نفس الابتسامة النص مكبوتة والسؤال المعتاد عن حالها، مصحوب بفضول واضح عن "المنقذ" اللي شالها امبارح. الشركة كلها حاطة في دماغها المشهد اللي وقعت فيه وهي مغمى عليها وهو شايلها زي بطلة فيلم رومانسي تافه… على الأقل من وجهة نظرها هي.
كل ما تسمع اسمه متقال معاها في جملة واحدة، كان الانزعاج بيزيد. لو كانوا يعرفوا سفيان زي ما هي تعرفه، المزعج، المستفز، البعيد تمامًا عن أي صفات مثالية، كانوا حرقوا لسانهم قبل ما يفكروا يربطوا بينهم بالشكل ده. بالنسبة لها، سفيان آخر واحد ممكن يكون "جنتل مان".
وسط كل الجو الخانق ده، وصلتها رسالة على تليفونها. اسم المرسل لوحده قلب مزاجها: أنس. رسالة قصيرة، واضحة، دعوة للخروج لو حاسّة إنها اتحسنت. ابتسامة واسعة ظهرت على وشها من غير ما تقدر تخفيها، ابتسامة خارجة من قلبها. في لحظة، كل الضوضاء حوالينها اختفت، لا بقت سامعة الهمسات ولا شايفة العيون اللي مليانة تخيلات رومانسية مالهاش أي معنى.
هي وافقت فورًا، وفي نفس اللحظة وهي بتبعت ردها، فكرت قد إيه أنس بالنسبالها النموذج المثالي، الهادي، الرزين، الجنتل مان الحقيقي. حسّت بامتنان إنها عرفت حد بالمواصفات دي، حد قادر يغير مودها بجملة واحدة بس. في نظرها، ده الأمير بجد… أما التاني، عمرك ما هتشوفه كده حتى لو الشركة كلها حاولت تصنع منه بطل.
________
أمنية خرجت من الشركة بعد انتهاء الدوام، وخطواتها كانت أهدأ من المعتاد، كأنها متعمدة تبطّأ إيقاعها. مشيتها مليانة ثقة، ظهرها مفرود ورأسها مرفوعة، وكأنها بتقول للعالم كله "شوفوا… ده أميري الحقيقي، مش المزعج اللي أنتم عاملين منه بطل."
عينيها كانت فيها لمعة فخر وابتسامة صغيرة رسمتها من غير ما تحاول تخفيها، خصوصًا وهي شايفة الموظفين اللي وقفين عند الباب أو بيبصوا من الشباك. كلهم واقفين مترقبين، يمكن منتظرين يشوفوا "المشهد الرومانسي الجديد" على طريقتهم.
عند باب الشركة، كان أنس واقف جنب عربيته الفخمة اللي لونها لامع تحت إضاءة الشارع. لبسه شيك كالعادة، هادي، وشكله مرتب جدًا، واقف في وضع مستقيم وابتسامته رزينة. أول ما شافها خارجة، تحرك بخطوة واثقة وفتح لها باب العربية باحترام شديد، زي الأفلام الأجنبية اللي بتحبها وهي صغيرة.
ساعدها تطلع جوه العربية بحركة بسيطة وسهلة، وكأنه متعود يعمل كده، وكمان اتأكد إنها مرتاحة قبل ما يقفل الباب بهدوء ويرجع يركب مكانه.
أمنية وهي قاعدة في العربية حست بشعور مختلف… شعور بالاهتمام والرقي، وكأنها بطلة مشهد خاص جدًا بيها لوحدها. لكن وراها، على باب الشركة، بدأت الهمسات تزيد. موظفات الاستقبال تقريبًا نسوا نفسهم من الحماس، وزملاءها تبادلوا النظرات السريعة: "هو ده… الأمير الحقيقي."
السيارة اتحركت بسلاسة بعيد عن الشركة، تاركة وراها موجة من الكلام والخيالات اللي مش هتخلص قريب. أما أمنية نفسها، فكل اللي حسته إنها أخيرًا قدرت توريهم الصورة الصح: أنس هو الأمير… أما سفيان؟ مجرد صفحة مزعجة في دفتر يومها.
___________
الموعد بدأ بمفاجأة غير متوقعة لأمنية. لما وصلت مع أنس عند المتحف وشافته بيجهز يدخل، استغربت جدًا: "إزاي ده لسه مفتوح في الوقت ده؟"، لكن أنس بابتسامة هادية قال إن عنده صديق ساعده في فتحه مخصوص علشان يقدروا يتجولوا براحتهم.
الإحساس أول ما دخلوا كان مختلف، المتحف شبه فاضي إلا منهم، والهدوء كان غالب المكان إلا من صوت خطواتهم الخفيفة. الإضاءة الناعمة بتبرز تفاصيل اللوحات والتحف حوالين القاعة الكبيرة.
أمنية كانت ماشية جنب أنس، عينها بتتنقل من لوحة للتانية، تحاول تمتص تفاصيل الألوان والوجوه المرسومة. أنس هو كمان واقف أوقات طويلة قدام بعض اللوحات، ملامحه مركّزة جدًا، وفي لحظة معينة وقفوا سوا قدام لوحة كلاسيكية كبيرة.
أنس بدأ يتكلم عن تاريخ اللوحة، وعن الرسام اللي رسمها، وأسلوبه في استخدام الظل والنور، وسياقها في الفترة الزمنية دي. صوته كان هادي لكن مليان ثقة، وكأنه متعود يحاضر في المواضيع دي.
أمنية بصت له بنظرة إعجاب واضحة، هي بتحب الرجل المثقف، والرجل اللي يعرف يتكلم عن حاجة فنية أو ثقافية من غير ما يملأ الكلام بهرجة. ابتسمت بإعجاب وهي بتسمع، ومن جواها حسّت بإحساس راحة: "ده النوع اللي أنا بحبه فعلًا."
أنس قطع الصمت وسألها وهو واقف جنبها
"مبسوطة بالموعد هنا؟"
أمنية اكتفت بهزة راس بسيطة، ابتسامة خفيفة ارتسمت على وشها.
هو ابتسم وقال إنه نادر جدًا لما يلاقي ست فعلاً تحب الحاجات دي، معظم البنات بتحب الحاجات التقليدية أكتر.
أمنية ردت من غير تردد إنها العكس، بتحب المواضيع المختلفة، بتحب تتعرف على ثقافات وفنون جديدة، وتشوف الدنيا بعيون مختلفة، حتى لو ده مش شائع.
سألها بعدها عن المسرحيات، وعيونه فيها لمعة فضول
هي ردت بسرعة إنها بتحب المسرحيات جدًا، لكن بسبب ضغط الشغل بقالها كتير ما حضرتش أي مسرحية.
أنس سكت لحظة، وكأنه بيفكر، ثم اكتفى بهزة راس صغيرة من غير تعليق زيادة. بعدها بص على ساعته الفاخرة، حركة منه اعتاد يعملها بدقة، وقال
"نلحق نخرج دلوقتي ناكل حاجة، حجز المطعم هيكون على الوقت بالظبط لو مشينا حالًا."
أمنية وافقت بإيماءة من غير نقاش. جواها كان إحساس مختلف، إحساس بالاطمئنان. ده مش مجرد شخص دقيق، ده شخص منظم بيخطط لكل حاجة مسبقًا، وده شيء بالنسبة لها مثالي. خرجت معاه وهي حاسة إنها مع الرجل اللي بيدي إحساس بالثقة والراحة في نفس الوقت، الراجل اللي فعلًا ممكن يتقال عليه "أمير حقيقي."
________
أمنية دخلت حمام المطعم بخطوات هادية، شايلة شنطتها معاها لأنها كانت ناوية تعدل مكياجها قبل ما ترجع لأنس. وقفت قدام المراية، بصت لوشها السمح اللي ابتدى يبان عليه شوية إرهاق بسيط بعد اليوم الطويل، وفتحت الشنطة بهدوء وهي تطلع أدوات المكياج.
وهي بتفتح الباودر، عينها وقعت على الموبايل اللي مرمي في قاع الشنطة. افتكرت فجأة
"آه… أنا سايباه سايلنت من الصبح!"
مسكته بسرعة وضغطت على الشاشة، لقته مليان إشعارات لمكالمات فائتة، كلها من رقم غريب، عددهم يخلي أي حد يقلق. قلبها انقبض لحظة وهي بتفكر: "يا ترى في إيه؟ ممكن حاجة تخص الشغل؟"
من غير ما تتردد، ضغطت إعادة الاتصال، مستعدة تسمع صوت حد من الشركة أو أي طارئ.
لكن المفاجأة كانت في الرد. صوت ست هادي وواضح
"مساء الخير يا مدام… احنا من المستشفى اللي كنتي فيه امبارح حضرتك تعرفي شخص اسمه سفيان؟"
أمنية اتجمدت مكانها لثانية، استغربت السؤال وردت باستنكار بسيط
"سفيان؟ آه… أيوة… مالو؟!"
الست وضحت بكل هدوء، كأنها بتحكي موقف عادي جدًا:
"هو كان هنا عندنا في المستشفى مبارح مع حضرتك، وساب بطاقة هويته بالغلط. ومتمنيين من حضرتك تيجي تستلميها"
أمنية رفعت عينيها للسقف، شعور بالإحباط مسيطر عليها "يعني حتى وأنا خارجة مع أنس، لازم يظهر سفيان من اللاوعي لحياتي؟!"
ردت بسرعة، صوتها فيه ضيق واضح
"طب ما تتصلوا بيه هو ويجي يستلمها بنفسه؟ يعني أنا مالي؟!"
المتصلة قالت بأسلوب اعتذاري
"والله يا فندم معندناش أي وسيلة تانية غير رقمك. لو حضرتك تقدري تعدي النهارده وتاخدي البطاقة، يبقى كتر خيرك، وتسلميها له بعدين."
أمنية سكتت ثواني، ماسكة الموبايل بقوة وهي بتحاول تمنع نفسها من قول أي كلمة ندمانة عليها بعدين. أخيرًا قالت بنبرة مغلوبة على أمرها
"حاضر… هعدي عليكم بعدين."
الست شكرِتها بحرارة
"متشكرين جدًا يا فندم لتعاونك."
قفلت أمنية المكالمة وزفرت بقوة، حطت الموبايل على الحوض لحظة، وبصت لوشها في المراية، وقالت بصوت واطي وهي بتعدل شعرها
"يعني إيه حتى هنا يا سفيان؟ إيه الرابط اللي بيطلعلي فجأة في كل موقف؟!"
طلعت الروج وكملت تعديل مكياجها بسرعة، رجّعت الموبايل في الشنطة، واخدت نفس عميق كأنها بترمي كل الإزعاج اللي حصل في اللحظات دي بعيد عنها. بعد ما خلصت، طلعت من الحمام وراحت لأنس في المطعم، وابتسمت له ابتسامة واسعة، محاولة تبين إنها في قمة التركيز معاه ومتجاهلة تمامًا إن بطاقة هوية شخص تاني ممكن تجرجرها لموقف جديد مش حابة تتعامل معاه دلوقتي.
رجعت وهي حاسة إنها محتاجة تركز في موعدها ده، في الراجل اللي قدامها، الراجل اللي خطط كل حاجة بدقة، الراجل اللي شايفاه هو الأمير الحقيقي… مش الشخص اللي بيسيب بطاقته ويفضل يطلع في حياتها غصب عنها.