الفصل السابع:
نص ساعة كاملة ضاعت وهما بيدوروا في كل ركن في المطعم… تحت الترابيزات، بين الكراسي، وحتى جنب الكاونتر.
أمنية كل شوية تبص على ساعتها بعصبية، الاجتماع فاضل عليه ساعة إلا ربع، وهي خططت ترجع بدري تراجع كل حاجة، مش تلف تلفه بسبب محفظة.
بصت له بضيق وقالت وهي حاطة ايدها على خصرها
"إنت متأكد أصلًا إنك جبت المحفظة معاك هنا؟"
سفيان وقف مكانه فجأة، وبص قدامه بملامح واحد لسه واخد باله من حاجة مهمة
"يا نهار أبيض… أنا… أنا فعلاً جبتها؟!"
حط صباع إيده على دقنه وبدأ يفكر ببطء، عينيه رايحة جاية وكأنه بيعيد الفيلم كله في دماغه: من ساعة ما خرجوا، لحد ما دخلوا محل الدهانات، ووقف عند لحظة معينة… وشه فجأة نور وهو بيقول بحماس
"استني… أنا حطيتها في واحدة من أكياس الدهان!"
أمنية وقفت مصدومة، وبعدين زعقت بصوت عالي من غير ما تاخد بالها
"إنت بتهزر؟! نص ساعة بندوّر هنا وهي أصلاً في محل الدهان؟!"
كل الناس في المطعم لفّوا وبصّوا عليهم، سفيان حس بالإحراج، رفع إيده باعتذار للجميع وهو يقول
"آسفين… آسفين جدًا."
أمنية خدت نفس عميق، تحاول تهدي نفسها من الغيظ، وبعدين قالت بنبرة صارمة
"يلا فورًا على العربية قبل ما الاجتماع يضيع علينا."
سفيان وهو بيجري وراها قال بابتسامة باينة عليها البراءة
"يعني على الأقل لقيناها… مش ده أهم؟"
أمنية رفعت عينيها للسما وهي ماشية بسرعة
"اللهم طولك يا روح."
أول ما خرجوا من المطعم، سفيان حس بحاجة باردة لمست وشه. رفع إيده يلمس خده وبص لفوق بابتسامة خفيفة
"هوّ… واضح إنها هتمطر."
أمنية مشيت بسرعة، لسه ماسكة شنطتها بإيدها التانية وقالت من غير ما تبص له
"مطر إيه يا أستاذ؟ أنا شوفت الأحوال الجوية الصبح، مفيش مطر ولا حاجة، يلا نلحق الوقت بدل ما يضيع."
ما كملتش جملتها إلا والمطر نزل بغزارة مفاجئة، قطرات كبيرة نازلة بقوة كأن حد فتح الحنفية عليهم فجأة.
أمنية وقفت مصدومة، عينها وسعت وشعرها بدأ يلزق في وشها.
أما سفيان، ضحك وقال وهو واقف عادي تحت المطر
"واضح إن الأحوال الجوية بتغلط مرات كمان !"
أمنية صرخت
"يلا اجري ! هو ده اللي ناقص!"
لكن مع ذلك كانت مطمنة على الأقل العربية موجودة ومستنياهم . جروا بسرعة ناحيتها أصوات خطواتهم وهي بتخبط في المية العالية حوالين الرصيف، هدومهم بتتشرب مية مع كل حركة. أمنية كانت مش مصدقة اللي بيحصل
"هو أنا ناقصه مصايب النهارده؟ الاجتماع بعد شوية وأنا شبه غرقانة!"
وصلوا عند العربية، وأول ما أمنية بصّت على العجل… وقفت مكانها فجأة، حواجبها اترفعت وفمها اتفتح بصدمة
"إيه دها؟! العجل!"
الإطارات الأربعة كلها مفرغة من الهوا، العربية نازلة على الأرض بشكل محزن.
أمنية صاحت
"مش البياع قالك هيهتم بيها؟!"
سفيان بص ناحيته وقال بهدوء غريب
"أيوة… هو فعلاً قال كده… بس الظاهر مشي وجاله حد تاني مكانه."
بصت أمنية معاه ولقت واحد تاني واقف مكانه فعلًا.
هي كانت واقفة تحت المطر، شعرها سايح كله على وشها، البلوزة بقت لازقة على جسمها، الجيبة تقيلة من المية، والكعب بيغرس في الأسفلت اللي اتحول برك. مسكت موبايلها بسرعة واتصلت بتاكسي، لكن كل الخطوط مشغولة، وكل مرة نفس الرد
"معلش يا فندم… كل العربيات مشغولة دلوقتي."
قفلت التليفون بعصبية، وضربت بكعبها على العجل بقوة
"هو أنا ماشيه بلعنة ولا إيه من ساعة ما شفتك؟!"
بصت له بحدة، وهو واقف جنبها، التيشيرت الأصفر بقى غامق من المية والبنطلون لازق عليه. شعره سايح على جبهته، ومع ذلك واقف هادي وكأنه بيتفسح مش واقف في مصيبة.
قالت بصوت عالي
"إنت السبب في كل حاجة، محفظة ضايعة، وقت ضايع، دلوقتي العربية مخربة والعشر دقايق اللي فاضلين للاجتماع هيضيعوا !"
هو فضل ساكت و هي وقفت تبص له بصدمة وعصبية تحت المطر الغزير، ملامحها كلها غضب وشفايفها مقفولة بقوة. المطر كان نازل عليهم بقسوة، والشارع حواليهم شبه فاضي إلا من صوت القطرات، وهي مش مصدقة إنها اتعلقّت هنا، في الوقت ده، بالشكل ده… وكل ده بسببه.
________
المطر كان بينزل بغزارة لدرجة إن صوت القطرات وهي بتخبط على سقف اليافطة المعدنية اللي واقفين تحتها كان عامل دوشة، والجو بقى بارد بشكل مزعج. أمنية وقفة وهدومها كلها مبلولة، بلوزتها لازقة على جسمها وشعرها سايح على وشها. بصت على عربيتها اللي واقفة قدامهم وعينيها فيها استسلام.
تمتمت وهي بتطلع الموبايل
"خلاص… مش هنلحق، لازم أكلم سندس تأجل الاجتماع وتبعت اعتذار للإيطاليين… ."
لكن فجأة سفيان مد إيده على الموبايل وهو بيقول
"استني! أنا عندي حل."
أمنية رفعت حواجبها بتعب
"حل إيه يا أستاذ سفيان؟ الدنيا بايظة من الصبح!"
وكملت وهي تبصله بضيق
" وكل ده بسبب حضرتك!"
هو تجاهل كلامها و سألها بهدوء غريب
"معاكي اللابتوب، صح؟"
أمنية قالت باستغراب
"آه… معايا، مالو يعني؟"
ابتسم بثقة
"يبقى نعمل الاجتماع هنا، دلوقتي."
أمنية فتحت عينيها بدهشة
"إيه؟! اجتماع في الشارع؟ تحت المطر؟!"
رد وهو لسه مبتسم بثقة
"إنتي عمرك ما عملتي اجتماع أونلاين في أي مكان قبل كده؟ يبقى في مرة اولى لكل حاجة!"
هزت راسها بعصبية
"حتى لو حبيت، معنديش نت! وبعدين إيه العبث ده، اجتماع إيه من العربية؟!"
سفيان بص في ساعة موبايله وقال بسرعة
"فاضل خمس دقايق. يلا على العربية، جهزي اللابتوب."
أمنية قالت وهي مش مصدقة
"طب والنت؟!"
هو زعق وهو بيشاور ناحية العربية
"عجّلي يا أمنية، يلا!"
رغم إنها مش واثقة في فكرته خالص، لكن في اللحظة دي ماكانش فيه اختيارات تانية. جرت بسرعة ناحيه العربية، المطر بيضرب في وشها وهدومها أكتر. فتحت الباب وسابت الشنطة على الكرسي، طلعت اللابتوب بسرعة وحطته على رجلها.
في الوقت ده سفيان كان جاري ناحية محل قريب، رجع بعد دقايق معدودة وهو ماسك شريحة نت جديدة، هدومه كلها بقت تقطر مية أكتر من الأول. أول ما شافته بيجري، فتحت الباب بسرعة وهو دخل وقعد جنبها، الكرسي اتحوّل لبركة صغيرة من المياه اللي نازلة من هدومه.
أمنية بصت للكرسي وبعدين طلعت نفس تقيل، قالت لنفسها
"خلاص، العربية بتضيع مني شوية ورا شوية… مش ناقص غير تتباع خردة."
سفيان اخد منها اللاب بدأ يوصل النت بيه باهتمام شديد، مركز كأنه في مهمة إنقاذ. أمنية استغلت الوقت وطلعت المراية الصغيرة، حاولت بسرعة تضبط شعرها اللي ملزوق في وشها، مسحت مية من البلوزة عشان شكلها يكون مقبول قدام الكاميرا، حتى لو عارفة إن ده شبه مستحيل في الوضع ده.
لما خلص ربط النت، سلّمها اللابتوب بثقة
"اتفضلي… كله شغال."
أمنية خدت منه اللابتوب، بصتلّه بنظرة تقييم من فوق لتحت وقالت
"على الأقل، عدّل شعرك إنت كمان… مع انه شكلك وهو مبلول أحسن من العادة ..."
هو ضحك، رفع إيده يعدّل شعره وهو سايبها تجهّز الاجتماع، وكأنه الوضع طبيعي جدًا. أما هي فكانت بتحاول تهدي نفسها نفس عميق قبل ما تضغط على زر الاتصال… يوم كامل ضاع في فوضى، وها هي دلوقتي، قاعدة في عربية واقفة تحت المطر، بتستعد لاجتماع مهم جدًا وكأن ده الطبيعي.
أمنية كانت قاعدة قدام اللابتوب، إيدها فوق الماوس لكن متوقفة قبل ما تضغط زر الاتصال. عينها مركزة في الشاشة، بس عقلها مش هنا.
سفيان بص لها باستغراب وهو يميل ناحيتها شوية
"إيه يا أمنية؟ مالك واقفة؟ اضغطي بقى، الوقت وصل"
أمنية أخدت نفس عميق، صوتها فيه توتر واضح
"الملفات … مش معايا. كل حاجة في الشركة: الخطوط، الأبحاث، الشرائح اللي كنت محضّراها… كل حاجة هناك."
سفيان رفع حواجبه بدهشة
"طب وإيه المشكلة؟ يعني؟"
أمنية رمقته بنظرة حادة
"إزاي يعني إيه المشكلة؟! أنا مجهزة العرض كله على أساس الملفات دي، فهقابل الناس بدونها ازاي دلوقتي؟!"
ابتسم سفيان بهدوء غريب بالنسبة للضغط اللي هي فيه
" مش إنتي اللي عاملة البحث ده من الأساس؟ ومش إنتي اللي كاتبة كل الجمل بنفسك؟ خلاص… يبقى تقدري تعمليه من غيرهم."
أمنية شهقت بخوف
"هو إنت فاكر الموضوع سهل كده؟! ده اجتماع مهم، والإيطاليين دول مش هزار!"
سفيان هز كتفه بلا مبالاة
"إنتي بس اللي مكبّراه… يلا يا ستي، اتكلمي من قلبك. هو فيه حد هيكون حافظ العرض أكتر منك؟"
أمنية بصت للشاشة، قلبها بيدق بسرعة. عمرها ما دخلت اجتماع من غير ما يكون كل حاجة مكتوبة قدامها حرفيًا. دي مش طريقتها، ومجرد الفكرة إنها تترجل وتحاول تقنع عملاء مهمين بالشكل ده… كان بالنسبة لها مرعب.
سفيان لاحظ إزاي إيدها بتتهز وهي على الماوس، وزفر بضيق
"خلاص… ماعندناش وقت للتفكير."
قبل ما تقول أي حاجة، مد إيده وضغط على زر الاتصال بنفسه.
أمنية اتجمدت مكانها وهي شايفة وجهي العميلين الإيطاليين بيظهروا على الشاشة، واحد فيهم بيقول
"Hello, Miss Omnia!"
في اللحظة دي، قامت بسرعة وعدّلت جلستها، مسحت بيدها الميه اللي كانت لسه على خدودها من المطر، ورسمت ابتسامة عملية على وشها… بس ابتسامة مش ثابتة، باين عليها ارتباكها، وشفايفها اللي عليها بس بقايا روج قديم اتشققت من الجفاف.
هي نفسها حست إنها مكشوفة… بس خلاص، رجعتش ينفع.
سفيان بدأ الاجتماع وهو بيرمي التحية بالإيطالي بطلاقة
"Buongiorno, come state?"
أمنية بصوت واطي جدًا ردت هي كمان بالإيطالي، لكن صوتها كان شبه همس.
سفيان بص لها وضحك وقال بنبرة فيها مزاح
"هوّ أنا يا دوب سامعك، الإيطاليين هيعملوا إيه؟!"
أمنية رمقته بنظرة حادة جدًا، النظرة اللي بتقول "هسكتك بطريقتي بعد الاجتماع"، وده خلا الاتنين الإيطاليين اللي على الشاشة يضحكوا بصوت عالي. الجو فجأة اتكسر فيه أي رسمية.
واحد منهم والد الطفل ضحك وقال بالإيطالي حاجة طويلة كده.
أمنية بصت لسفيان بسرعة وسألته بهمس
"هو قال إيه؟"
سفيان، وبكل برود، ابتسم وقال
"بيقول إنه مبسوط بشوفتنا تاني."
(وهو في الحقيقة مغير الكلام كله لأن الإيطالي قال: إنتوا شكلكم ثنائي رائع، والرومانسية تحت المطر مش بتتقاوم).
أمنية هزت راسها بإيجاب كأنها فهمت، وركزت قدام.
بعدها أحد الإيطاليين سأل عن الخطط اللي أمنية محضّراها للمرحلة الأولى.
أمنية بلعت ريقها، قلبها دق بسرعة، بصت ناحية سفيان وهي مش مصدقة إنها مضطرة دلوقتي تتكلم من دماغها بدون أوراق أو ملفات، كل حاجة في الشركة مش هنا.
أخدت نفس عميق، عدّلت جلستها، وبدأت تتكلم بهدوء، وسفيان جنبها يترجم بدقة.
الغريب إن ارتباكها بدأ يتبخر شوية شوية، الكلام بدأ يطلع بطبيعية، مش محفوظ زي العادة. أفكارها اتفتحت، وأسئلتهم كانت ماشية بسلاسة. الجو بقى فيه طاقة مبهجة، بعيد عن الاجتماعات الروتينية اللي كلها وجوه عابسة وكلام رسمي ممل.
وأثناء ما الاجتماع شغال، فجأة ظهر ابن الإيطالي على الشاشة، طفل صغير ابتسامته من الأذن للأذن، واضح جدًا إنه متحمس يشوف سفيان. الولد قال حاجة بحماس شديد، وسفيان وشه نوّر وبادل الطفل الكلام بنفس الحماس.
أمنية قعدت تبص عليهم، وهي مش فاهمة ولا كلمة، لكن شكلهم وهم بيتكلموا وكأنهم أصحاب من زمان خلاها تبتسم من غير ما تاخد بالها. كان واضح إن الاتنين تعلّقوا ببعض رغم إنهم ما اتقابلوش غير مرة واحدة بس!
وبعد لحظات رجعوا تاني للاجتماع الرسمي، بس الجو بقى أخف وأقرب للألفة، وأمنية نفسها حست إنها لأول مرة من بداية اليوم… مستمتعة فعلًا.
_____
خلص الاجتماع أخيرًا، الشاشة قفلت، وأمنية نزلت غطا اللابتوب وقفلته وحطته على حجرها. هي وسفيان سابوا نفسهم يسندوا ضهرهم على الكراسي من التعب
صوت المطر لسه بيخبط على سقف العربية والزجاج، وريحتُه مالية الجو من غير أي شباك مفتوح. هدومهم لسه مبلولة، والكراسي مشبعة ميّه، حتى شعرهم بقى ملزوق ومش مفهوم شكله.
أمنية هي اللي كسرت الصمت الأول، بصوت فيه تعب وضحكة خفيفة متفاجئة
"أنا… أنا مش مصدقة اللي حصل ده… اجتماع كامل في عربية، من غير ملفات، من غير استعداد… إحنا شكلنا كارثة، هدومي بايظة، ريحة المطر مالية المكان… والعربية دي محتاجة تتغسل غسيل سلاح دلوقتي!"
لفت ناحية سفيان وهي بتكمل كلامها، لقته مغمض عينه بس واضح إنه سامعها من حركة وشه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
"بس عارف… أنا مبسوطة، الاجتماع تم ونجح فعلًا… حاجة ماكنتش متخيلة تحصل النهارده بعد كل اللي حصل "
سفيان فتح عينه ببطء وبص لها، ملامحه فيها لمسة اندهاش من كلامها وهو بيقول بنبرة شبه ضاحكة
"يعني خلاص… مش زعلانة؟"
أمنية رفعت حواجبها وقالت وهي لسه مبتسمة
"بعد اللي عملته النهارده؟ ده يوم كامل كارثة بسببك! بس الاجتماع نجح، وده بالنسبالي معجزة، فهاغفرلك كل البلاوي اللي عملتها."
سفيان فضل يبصلها شوية كأنه مش مصدق هي بتقول ايه
"بجد؟"
هي أومأت براسها باستفزاز ومرح
"أيوة…"
ابتسامة واسعة ظهرت غصب على وشه، وبص لها نظرة سريعة قبل ما يرجع يسند راسه تاني على الكرسي، وهو لسه مبتسم.
أما أمنية فبصت له للحظة، وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة من غير سبب واضح، وهي لأول مرة من الصبح حاسّة براحة حقيقية.
________
رجعت أمنية البيت بعد يوم طويل، بعدما سلّمت عربيتها للورشة وقالولها تيجي تاخدها بكرة. أول ما دخلت البيت واستقبلتها مامتها، كانت حاسّة إن جسمها اتكسر من التعب. خدت دوش سخن طويل، ولبست تريننج بيت بسيط، وقعدت تاكل بسرعة وهي مش مركزة، بس المهم تسد جوعها.
بعد الأكل، راحت على مكتبها، فتحت اللابتوب وبدأت تكتب تقرير نتائج الاجتماع عشان تبعته للمدير عصام. وهي بتكتب، فضلت تفكر في اليوم ده
"يا نهار أبيض… أول مرة اليوم يطلع فوضوي بالشكل ده… يا رب مايتكررش."
وسط تركيزها، موبايلها رن فجأة. بصت للشاشة… "أنس بيتصل!"
اتصدمت شوية، قلبها دق أسرع. هي ماكنتش متوقعة خالص إنه يتصل بيها دلوقتي.
بصت بسرعة لنفسها في مراية صغيرة جنب المكتب. شعرها لسه مبلول شوية من الدوش، والتريننج عادي جدًا. ضربت راسها بخفة بالموبايل وضحكت لنفسها
"هو مش شايفك يا بنتي، إيه الهبل ده؟"
أخدت نفس عميق وردّت بصوت هادي، بتحاول تخليه رزينة أكتر من الطبيعي
"ألو… إزيك يا أنس؟"
جاء صوته من الطرف التاني محترم ورسمي
"إزيك يا أمنية… يا رب ماكونش بكلمك في وقت مش مناسب؟"
أمنية بسرعة قالت بحماس واضح رغم إنها بتحاول تخفيه
"لأ طبعًا… ده وقت مناسب جدًا."
حصلت لحظة صمت صغيرة، هي اتحمست جدًا إنها تكلمه لكن عقلها واقف
"طب… أقول إيه؟ الناس المتجوزين بيتكلموا في إيه أصلًا؟"
وبعدين افتكرت حاجة وسألت بابتسامة صغيرة باينة في صوتها
"أخبار شغلك إيه؟ اليوم كان عامل إزاي معاك؟"
أنس بدأ يحكيلها عن شغله في الجامعة، عن محاضراته والأبحاث اللي بيجهزها، طريقته مرتبة جدًا، وبيتكلم بأسلوب مثقف، وهي قاعدة تسمعه وتهمهم كل شوية
"ممم… آه… تمام جدًا."
فجأة، عطست هي بقوة.
هو وقف كلامه وقال بنبرة متسائلة
"إنتي كويسة؟ بردانة ولا إيه؟"
أمنية مسحت مناخيرها بسرعة وقالت
"لأ خالص… بس النهاردة المطر نزل فجأة وعربيتي تعطّلت… يعني يوم جميل جدًا زي ما إنت شايف."
أنس سكت لحظة، وبصوته الواضح إنه بيحاول يغير الموضوع، قال
"طيب… عشان ده مايتحولش لزكام لازم تاخدي بالك. اشربي مشروبات سخنة، ونامي بدري، وحطي فوطة دافية على رقبتك… الوقاية مهمة جدًا."
هي فهمت إنه مش حابب يدخل في تفاصيل مشاكل اليوم العادية، بس اهتمامه بيها بان في نبرته، وده خلّاها تبتسم وهي تقول
"حاضر يا دكتور… هنفذ تعليماتك بالحرف."
ضحك هو ضحكة خفيفة وقال
"تمام، كده نطمن."
أمنية كانت مبسوطة من طريقته، حتى لو فلسفي شوية. يمكن عشان بتحب الرجل المثقف، ماحستش بأي ضيق. بالعكس، حسّت إنه حد مهتم بيها، وده بالنسبة لها كفاية جدًا.