الفصل الثالث:
أمنية وهي قاعدة في الكرسي الجانبي، سحبت سندس من دراعها تقريبا وهمست لها بصوت متوتر وعصبي
"إنتي بتهزري يا سندس؟! ده المترجم؟!"
سندس ردّت بسرعة وهي باينة عليها متوترة شوية من نبرة أمنية
"يا أستاذة أمنية والله ده كفء جدًا… والشركة اللي بعتته من أحسن شركات الترجمة، كل الناس بيشكروا فيه"
أمنية بصّت له وهي متحفّظة، لقت سفيان بيبص عليها مباشرة… وابتسم، ابتسامة هادية وواثقة كأنه بيقرأ أفكارها.
أمنية فورًا رفعت حواجبها وتجاهلته تمامًا، رجّعت نظرها على سندس وكأنها بتقولها
"بصي على منظره بس… ده شكله مترجم؟!"
عصام حسّ بالجو المشحون وقال
"اتفضل يا أستاذ مترجم… إحنا محتاجين نبدأ فورًا."
رغم إن ملامح عصام نفسها ماكانتش متطمنة اوي، لكن الاجتماع لازم يكمل ومفيش حل تاني.
سفيان اتحرك ناحيتهم، بس وهو ماشي تكعبل في رجل الكرسي وكاد يطيح على الأرض… الكل وقف لحظة وكتم صدمته، وأمنية فتحت بقها مش مصدقة
"ده جاي يترجم ولا يتدرب على السيرك؟!"
لكن سفيان ضحك على نفسه بشكل طبيعي جدًا وقال
"معذرة… أول يوم ليا وكده"
ورجع وقف بثبات وكمّل طريقه عادي جدًا وكأنه ماحصلش حاجة.
أمنية زفرت بضيق وحطت الملف على الترابيزة بعصبية، حتى إنها كانت على وشك تقول له تعليق لاذع، لكنها مسكت نفسها بالعافية
"مش وقت مشاكل دلوقتي."
أول ما قعد، الهالة اللي حواليه اتغيرت تمامًا.
بقى شخص تاني… صوته بقى ثابت وواثق، بيتكلم بالإيطالية بطلاقة غريبة جدًا، وبيفهم كل كلمة بيقولوها ويرد بسرعة، وبعدين يشرح لعصام وفريق الشركة بالعربية بشكل واضح جدًا وسلس.
حتى الإيطاليين نفسهم باين عليهم الانبهار من سرعة استيعابه وكأنه حافظ موضوعهم قبل ما يدخل.
أمنية كانت قاعدة ووشها جامد جدًا، لكن عقلها شغال
"هو ده نفس الراجل اللي لقيته في المصعد؟!"
رغم كده، تركيزها الأساسي كان في الإعلان اللي حضرت له من أسبوع كامل.
هي فتحت اللابتوب وبدأت تشرح التفاصيل لسفيان وهي حريصة في كل كلمة
" بص الفكرة دي لازم تتنقل بالضبط زي ما أنا حطاها… الإعلان له ستايل معين، وأنا مش عايزة أي خطأ في التعبير يوصل غلط."
سفيان سمعها بتركيز، ملامحه جدية وهو بيهز راسه
"مفهوم… هيتقال بالظبط زي ما حضرتك عايزة."
حتى مع احترافيته دي، أمنية جوة نفسها لسه مش مقتنعة بيه بالكامل، هي كل اللي فارق معاها إن الاجتماع ينجح والإيطاليين يقتنعوا بالعرض بتاعها.
الاجتماع كان ماشي في هدوء ظاهري لكن الجو متوتر جدًا.
الإيطالي اللي ماسك الملف الرئيسي، راجل أنيق وباين إنه صاحب قرار، بصّ على الورق، بعدين على الشاشة، ورجع يتكلم بالإيطالي بنبرة رسمية جدًا.
سفيان ركّز معاه كويس، وهز راسه، وبعد ما خلّص الكلام… بص على عصام والفريق وقال
"هو بيقول الإعلان كويس… الصراحة شايفينه متصمم باحتراف، لكن… محتاجين وقت يفكروا فيه أكتر، خصوصًا إن المنتج اللي هيطلقوه منتج ليه هيبة واسم كبير في السوق. يعني القرار مش هيكون سريع من الاخر!"
أمنية حسّت قلبها نزل
"يعني إيه محتاجين وقت؟ ده إعلان مثالي!"
بصّت لسفيان بنظرة شك وقالت بصوت واطي
"إنت متأكد إنك قلت الكلام زي ما هو؟!"
سفيان بصّ لها بابتسامة صغيرة وقال بمنتهى البرود والاستفزاز
"لأ… غيرته!"
أمنية اتجمدت في مكانها، عينيها وسّعت، وبصت له بعدم تصديق
"إيه؟!"
سفيان ضحك وهو شايف وشها اتحول من الصدمة للغضب
"بهزر يا أستاذة… طبعًا قلت اللي قلتيه بالحرف يمكن بس… فكرة الإعلان محتاجة شوية تعديل بسيط، يمكن هي مش مقنعة ليهم لحد زي مايلزم."
الجملة دي وقعت على أمنية زي الطوب.
" هو شايف الوقت مناسب للتريقة ؟ او مين اعطاه الحق أنه ينقظ شغلها أساسا ؟!"
حاولت تمسك نفسها وتكتم غضبها لأن الوقت مش مناسب خالص لجدال.
عصام بصّ على سفيان وقال بضيق
"طب اسأله… اساله هم محتاجين وقت قد إيه بالظبط؟"
سفيان لف ناحية الإيطالي وسأله بنفس الهدوء اللي بيفاجئ الكل.
الإيطالي رد بكلمتين سريعتين.
سفيان رجع للفريق بابتسامة تلقائية كده وقال
"هو بيقول… أسبوع تقريبًا."
القاعه اتجمدت لحظة.
كل الفريق اتبادلوا النظرات الحادة بينهم "أسبوع كامل؟!"
مش غضب من سفيان، لكن من ثقة الإيطاليين الزايدة وكأنهم بيملوا شروط.
سفيان حسّ بالعيون كلها عليه، فابتسم بتوتر بسيط ورفع إيديه بحركة دفاعية
"أنا مالي يا جماعة… أنا مجرد مترجم."
أمنية في نفسها
"يا ريتك كنت مجرد مترجم فعلًا ومش بتعلق على شغل الناس!"
لكنها فضّلت تصمت، وهي ماسكة قلمها بقوة وبتضغط على الورق كأنها بتطلّع فيه عصبيتها.
_________
الاجتماع خلص أخيرًا، والكل وقف، والجو بقى أهدى شوية.
عصام واقف جنب أمنية وسندس وهما بيودّعوا الإيطاليين بابتسامات رسمية. الأمنيات الطيبة بتتبادل، والمصافحات بتخلص.
أمنية ما إن لقت نفسها بعيد عن الإيطاليين، سألت عصام بنبرة عملية
"هنستنى أسبوع كامل فعلا يا فندم ؟!"
عصام ابتسم ابتسامة صغيرة كأنه متوقع السؤال
"يا أمنية، الإعلان ده مهم جدًا، والأرباح اللي وراه كبيرة، مش هنخسر حاجة لو استنينا. خدي بالك… انتي أمنية، والإعلانات شغلك وإبداعك، ثقي في نفسك."
الكلام خفّف التوتر اللي جواها شوية، لكنها لسه مش راضية تمامًا.
عصام كمل
"وبالمناسبة، المترجم ده عمل مجهود النهارده… روحي أشكريه وتكفلي بأجره، خليه مبسوط من شغلنا."
أمنية أومأت بسرعة
"حاضر يا فندم."
عصام غادر وأمنية رجعت تسأل سندس بملل وضيق
"فين المترجم ده؟"
سندس أشارت ناحية ماكينة القهوة
"واقف هناك…"
أمنية بصت في الاتجاه… سفيان واقف ضهره ليها، بيضغط على الأزرار، واضح عليه استرخاء زيادة.
تنهدت، حطت الملفات على أقرب طاولة وقالت لسندس
"حطيهم على مكتبي وانتي طالعـة لو سمحتي"
سندس
"تمام."
أمنية اتجهت ناحية ماكينة القهوة، خطواتها ثابتة وسريعة.
وقبل ما توصل، سفيان كان لسه بياخد الكوباية الورق من الماكينة، ولما لف فجأة…
رش شوية قهوة على بلوزتها البيج اللي لابساها.
أمنية شهقت بصوت عالي وهي بترجع ورا خطوة
"إيه ده!؟"
سفيان بصدمة
"آسف والله… ماخدتش بالي!"
أمنية بصت له بنظرة استهجان كأنه ارتكب جريمة
"إنت شايف منظر البلوزة؟!"
سفيان، بدل ما يسكت، قال بنبرة عادية جدًا
"طب ما انتي واقفة ورايا ليه؟ يعني إيه اللي جابك ورا ضهري؟!"
أمنية رفعت حواجبها بدهشة وغضب
"يعني إيه اللي جابني!؟ أنت بتلومني على خطأك؟! مش عارف أنه عيب الواحد يلوم الناس على اخطائه ؟!"
سفيان رد بابتسامة جانبية ساخرة
"عندك حق… الواحد يتعلم من أخطائه."
النظرة اللي بصت له بيها كانت كافية تخلّي أي حد يسكت… لكن مش هو.
أمنية أخدت نفس عميق عشان ماتنفجرش أكتر وقالت ببرود شديد
"خلاص، مش هضيع وقتي في جدال عقيم معاك… واضح إنك مش فاهم أصلاً. بالنسبة للأجر… هنحول الفلوس للشركة اللي بعتاك، وانتوا تتصرفوا مع بعض."
وبحركة سريعة أشارت له بإصبعها
"وياريت… ياريت ما أشوفكش تاني!"
لفت ومشيت، صوت الكعب العالي بتاعها بيرنّ في الممر لحد ما اختفت عن نظره.
اما هو فضل واقف مكانه، ماسك الكوباية وباصص للاتجاه اللي مشت فيه، شفايفه مقوسة ، وواضح جدًا إن كلامها ماعجبوش.
_____
رجعت أمنية البيت وهي لسه متأثرة من الموقف كله، خصوصًا من نظرة الإيطالي وقت الاجتماع وكلام المترجم الغريب اللي حسّسها إن الفكرة نفسها ممكن تكون ناقصة.
أول ما دخلت شقتها، رمت شنطتها على الكنبة وقعدت قدام اللابتوب، حتى من غير ما تغيّر هدومها. فتحت ملفات الحملة الإعلانية وبصت فيها بنفس العين اللي دايمًا بتبص بيها على شغلها… لكن المرة دي كان فيه قلق.
على مدار الأيام اللي بعدها، بقت حياتها محصورة بين الشغل الصبح والرجوع على طول البيت علشان تعكف على دراسة الفكرة. الورق متناثر على مكتبها، ألوان وخطوط ورسومات على لوحات بيضاء صغيرة، صور من الحملات السابقة، وملاحظات بخط إيدها منتشرة في كل مكان.
كانت بتحاول تفكّر من زاوية مختلفة: هل الإعلان ناقص عنصر إبداع؟ هل الرسالة مش واصلة زي ما المفروض؟ ليه لأول مرة حد يشكّ في فكرتها وهي اللي دايمًا كانت بتتقبل فورًا وتتنفذ من غير جدال؟
الموضوع مسّ كبرياءها المهني جدًا. النوم بقى قليل، القهوة بقت أكتر من العادي، وحتى الأكل ساعات كانت بتنسيه وهي مركّزة على الشغل.
الأوراق حوالين اللابتوب كانت بتزيد يوم عن يوم، والألوان على اللوحة اللي علّقتها في الصالة اتحولت من كونها لوحة إعلان إلى أشبه بخريطة ذهنية ضخمة فيها أسهم ودواير وأفكار متقاطعة.
كل يوم، وهي راجعة من الشركة، كانت تحس إنها بتسابق الوقت، كأن الأسبوع اللي طلبه الإيطاليون مش كافي علشان تصلح أي نقص وتحط بصمتها من جديد. حتى شكلها بقى باين عليه الإرهاق: شعر مربوط بسرعة، هدوم عملية جدًا من غير أي تفاصيل زيادة، والماكياج بقى محدود على قد الضرورة.
رغم كل ده، كان فيه إصرار واضح في عينيها… إنها مش هتسمح لحد يشكّ في شغلها تاني.
الإعلان ده لازم يكون أقوى من الأول… الإعلان ده لازم يكون بصمة أمنية اللي الكل عارفها.
__________
الليل كان هادي إلا من صوت خفيف لجهاز اللابتوب، أمنية قاعدة على مكتبها في أوضتها، لابسة بيچامة بيت خفيفة عبارة عن شورت وقميص نص كم باين منه شوية من بطنها. شعرها كان مربوط كعكة فوق دماغها بقلم و لابسة نظارة شغل، ملامحها كلها تركيز وهي عينيها مش شايلة من الشاشة اللي قدامها.
إيدها كانت بتتنقل بسرعة بين الماوس والكيبورد، بترد على الإيميلات وبتراجع ملفات وبترتب برنامجها للأسبوع الجاي، عادة هي متعوده تعملها كل ليلة قبل ما تنام.
وفجأة، الموبايل رن. لما شافت الرقم، قلبها اتنفض شوية: رقم راقية.
"يا ترى… لقت العريس؟!"
ردت بسرعة
"ألو يا راقية، خير طمنيني؟"
"خير يا حبيبتي، جبتلك اللي إنتي طلبتيه بالحرف… مش بس لقيته، ده كمان اتفقنا على ميعاد بكرة تتعرفوا فيه!"
أمنية فتحت بقها بدهشة
"بجد؟ طب هو سأل عني؟ ازاي حصل ؟"
"طبعا، أنا قلتله شوية حاجات عنك وسبتلك فرصة تقوليله الباقي بنفسك. هو هيكون بكرة موجود، وما تقلقيش… هتحبي ميعادك ده."
وكملت
" لكن فيما يخص ازاي حصل ...ده يبقى سر المهنة ومش هقدر أقولك "
أمنية ضحكت وهي متكئة على الكرسي
"يا ستي لو الميعاد ده مشي زي ما أنا عايزة، هاغرقك كلام وحكايات لحد ما تندمي إنك عرفتيهولي!"
راقية ضحكت بخفة
"ما تقلقيش يا أختي، بس أهم حاجة ما تنسيش تدفعي كويس، أصل البركة في الفلوس."
أمنية قلبت عينيها وهي عارفة حب راقية الشديد للفلوس
"حاضر يا ستي، الفلوس جاية… أهم حاجة بس العريس يبقى زي اللي في المواصفات."
راقية بثقة
" لاكده طمني ، ده عريس لقطة ومايتفوتش ! وبعدين ده اختصاصي فارتاحي !"
قفلوا المكالمة، أمنية أخدت نفس طويل، قفلت اللابتوب، قامت من على المكتب، ورمت نفسها على السرير. عينيها كانت معلقة بالسقف وابتسامة صغيرة ارتسمت على وشها وهي بتحضن المخدة.
"أخيييرا… مش هاقعد لوحدي، أول مرة هاطلع مع حد ممكن يبقى فعلا مناسب… وده مش أي حد، ده الراجل اللي على مزاجي أنا بالذات!"
ابتسمت تاني وهي مغمضة عينيها لحد ما نامت على الإحساس ده.
_______
في اليوم الموالي ...
أمنية صحيت بدري جدًا، بدري عن ميعادها الطبيعي، وده في حد ذاته معجزة بالنسبة ليها لأنها معروفة إنها منظمة لكن بتحب تاخد وقتها في النوم.
أول حاجة عملتها إنها دخلت الحمام، شغّلت المية السخنة وأخدت شاور طويل. بعد الشاور وقفت قدام المراية وبصت لوشها، وساعتها افتكرت إنها عندها ماسكات قديمة مركونة في درج التسريحة ما بتستعملهاش أصلًا من كتر انشغالها في الشغل.
طلعت كذا ماسك من الدرج وقالت لنفسها: "يلا النهاردة يوم مختلف"، وبدأت تعمل واحد ورا التاني وهي قاعدة في الهدوء ده وكأنها في سبا مش في بيتها.
بشرتها أصلًا نضيفة وما بتحتاجش عناية زيادة، لكن الإحساس إنها مهتمة بنفسها النهاردة كان مختلف.
خلصت الماسكات وغسلت وشها، وحطت كريم خفيف، بعدين طلعت تدور وسط هدومها.
النهاردة مش زي أي يوم، مش بس هتروح شغلها، لأ، بعد الشغل عندها معاد مهم.. معاد مع العريس اللي راقية ظبطتهولها!
وقفت قدام الدولاب، قلبت في الهدوم، لحد ما لقت الفستان اللي كانت شايفاه مناسب: الجزء العلوي منه شبه قميص أبيض بأكمام واسعة شوية ومتنية عند الكوعين، والجزء السفلي اسود واسع لحد نص الساق. اللوك كان رسمي وكلاسيكي في نفس الوقت، بيقول إنها ست عملية ناجحة، وفي نفس الوقت أنثوية وأنيقة.
اختارت كعب أسود كلاسيكي يكمل الإطلالة، ولمت شعرها على شكل كعكة ناعمة ومرتبة جدًا، مديّة لوشها مساحة إنه يبان بوضوح. حطت قرط بسيط بيتدلى من ودانها، وعملت ميكاب بسيط وشيك: لمسة كحل رفيع مظبطة عينها ولمعة خفيفة على شفايفها.
بعد ما خلصت، وقفت قدام المراية تبص على نفسها وهي مبتسمة بفخر. النهاردة مش بس طالعة شغل، دي طالعة شغل ومعاه معاد مهم مع واحد ممكن يبقى شريك حياتها.
سحبت شنطتها، أخدت نفس عميق وقالت في سرّها: "النهاردة يومي".
________
أمنية دخلت الشركة النهاردة بثقة غريبة، إحساس إنها عاملة كل حاجة مظبوطة ومدروسة كان ظاهر في خطواتها وملامحها. شعرها الملموم بإتقان، الفستان الأنيق اللي لابساه، والكعب اللي بيعلن عن وصولها مع كل خطوة.
الأنظار كلها اتجهت ليها، الموظفين اللي بيشوفوها دايمًا جادة وعملية، النهاردة شايفينها في أحسن صورة.
أمنية حسّت بالنظرات دي، ومش بس ما اتضايقتش منها، بالعكس، ده زوّد إحساسها بالثقة.
شافت سندس جاية بسرعة ناحيتها. أول حاجة جت في بالها إن سندس هتمدح شكلها أو تسأل عن الفستان.
بس هي ما أخدتش بالها من ملامح وش سندس المتوترة، واكتفت ترمي عليها التحية بصوت هادي فيه لمحة رضا
"صباح الخير يا سندس".
سندس ردت بسرعة لكن صوتها كان فيه ارتباك واضح
"صباح النور يا فندم".
وبصت ليها باستغراب.. إزاي الموظفة المثالية اللي دايمًا شايلة هم الشغل، جايّة مبتسمة ومبسوطة خصوصا النهاردة؟!
أمنية رفعت حواجبها مستغربة
"في إيه؟ عايزة تقولي حاجة؟"
سندس بلعت ريقها وقالت بارتباك
"حضرتك.. ماشفتيش المسچ اللي بعتهولك؟".
أمنية عقدت حواجبها قبل تطلع موبايلها من الشنطة "مسچ؟".
فتحت الموبايل بسرعة، ولقت رسالة من سندس
"انسة امنية الإيطاليين اعتذروا، الإعلان مرفوض للأسف."
امنية عينيها اتسعت، ووشها اتغير في لحظة. رفعت عينيها من على الشاشة وبصّت لسندس، والصدمة واضحة جدًا في ملامحها.
إزاي الإعلان اللي قضت عليه أيام كاملة.. والفكرة اللي كانت متأكدة إنها مختلفة وجديدة.. يترفض كده بكل بساطة؟!
أمنية خدت نفس عميق وسألت بصوت فيه غضب متحكَّم
"المدير عصام هنا؟ وعارف؟".
سندس أومأت بخوف
"أيوه، يا فندم.. عرف."
أمنية ما ردتش، لفّت فورًا وهي شايلة شنطتها بإيد والملفات في الإيد التانية، والكعب بتاعها بيصدر صوت حاد وهي ماشية بخطوات سريعة ناحية مكتب المدير.
سندس وقفت مكانها تتفرج عليها بخوف.. هي مش عارفة إيه اللي ممكن يحصل دلوقتي، بس اللي متأكدة منه إن الشركة كلها هتعرف بعد شوية.
دخلت مكتب عصام بخطوات سريعة، دقات كعبها كانت مسموعة حتى قبل ما تفتح الباب.
عصام كان لسه بيتكلم في التليفون، لكن أول ما سمع صوت الباب، أنهى المكالمة بسرعة
"اتفضلِي يا أمنية."
بصّ عليها، ووشه اتبدّل لتعبيرات ضيق واضحة، مش منها هي، لكن من اللي حصل النهاردة.
الإيطاليين بعد ما تعبوا معاهم، وبعد ما استنوا أسبوع كامل، قرروا يرفضوا الإعلان كأنه إعلان هاوي، مش إعلان من شركة كبيرة لها اسمها في السوق المصري
أمنية وقفت قدام مكتبه ، وبصوت فيه خليط من الصدمة والعصبية
"هو في إيه بالظبط يا فندم؟ هم قالوا ليه الإعلان مرفوض؟ إيه السبب؟ فين المشكلة اللي شايفينها؟"
عصام هز راسه بحسرة
"للأسف يا أمنية، ماقالوش تفاصيل.. اعتذار سخيف كده، وقالوا إن فكرة الإعلان مش مقنعة كفاية."
الكلام ده كان تقيل على ودنها. الإعلان ده حلم بالنسبة لها، حاجة كبيرة مش هتتكرر.
ده إعلان لمنتج مشهور، ونجاحه معناه إنها هتاخد الترقية اللي مستنياها من زمان.
كل مجهودها، كل تعبها، هيترمي في الهوا بسبب جملة: "مش مقنع كفاية"؟
وقفت ساكتة لحظة، ثم فجأة قالت بصوت قوي مليان إصرار
"طب أنا رايحة أقنعهم كفاية"
عصام رفع حاجبه، ما استوعبش أول مرة
"إيه؟"
أمنية أعادت بثقة
"أيوه يا فندم، أنا هاروح لهم وأقنعهم إن الإعلان ده الأفضل ليهم، بس محتاجة إذن حضرتك."
عصام بص لها بارتباك، بس هو عارف مين أمنية، عارف إنها دايمًا قد كلامها، والنظرة البراقة في عينيها كانت قوية فأومأ
"تمام.. روحي."
أمنية ما ضيعتش ثانية. لفت بسرعة وخرجت من المكتب، شعرها المربوط اتحرك مع اندفاعها، وصوت كعبها بيرن في الممرات.
وقفت عند مكتب سندس، صوتها فيه استعجال واضح
"سندس، بسرعة، عايزة عنوان الفندق اللي قاعدين فيه الإيطاليين.. وكمان عايزة مترجم إيطالي فورًا."
سندس فتحت الكمبيوتر بسرعة، وفي نفس الوقت طلعت موبايلها واتصلت بشركة الترجمة.
أمنية وقفت وبتتأكد من شنطتها: المفاتيح، الموبايل، الفلاشة اللي عليها نسخة الإعلان، وكل حاجة ممكن تحتاجها.
سندس بعد لحظات قصيرة قالت
"الشركة هتبعت لك سفيان."
أمنية رفعت عينيها باستنكار واضح
"هو تاني؟ ده أكيد هيتأخر زي المرة اللي فاتت."
ثم قالت بحزم
"مش هستنى.. أنا اللي هاخده من الشركة بنفسي."
من غير ما تستنى رد، جرت ناحية الباب، نزلت على الجراج، وركبت عربيتها.
الطريق كان مليان عربيات، لكن هي كانت سايقة بسرعة، كل ثانية بالنسبة لها دلوقتي غالية.
إيدها بتضغط على الدريكسيون بعصبية، وعينيها على الساعة كل شوية.. النهاردة مش هتسمح إن الصفقة دي تضيع.
_________
أمنية وصلت قدام شركة الترجمة، الشركة شكلها متوسط، لا هي شركة كبيرة فخمة ولا مكتب صغير متهالك، حاجة نص نص كده.
ركنت عربيتها ونزلت بسرعة، شعرها المربوط لسه ثابت مكانه رغم استعجالها.
دخلت من الباب الزجاجي، أول حاجة شافتها مكتب الاستقبال اللي وراه موظفة شابة، شكلها مرتب بس ملامحها فيها توتر كده طبيعي مع الزباين.
أمنية أخرجت بطاقة عملها من شنطتها ومدتها للموظفة
"صباح الخير.. من فضلك اتصلي بالمترجم سفيان، قولي له أمنية من شركة عصام للإعلانات هنا ومستنيـاه."
أول ما الموظفة سمعت اسم "سفيان"، وشها اتغير شوية، كأنها استغربت أو توترت
"سفيان؟"
ردت أمنية بحزم
"أيوة، سفيان.. بسرعة لو سمحتي."
الموظفة خدت السماعة، اتصلت بيه وهي بتتكلم بصوت منخفض جدًا
"ألو.. أستاذ سفيان، في حد طالبك.. أيوة، بسرعة لو سمحت، موضوع مهم."
لكن من طريقة وش الموظفة وهي بتسمع اللي بيقوله، واضح إنه قال حاجة مش في صالحه، يمكن حاجة زي "مش فاضي" أو "خمس دقايق وهانزل".
الموظفة قفلت المكالمة وبصت لأمنية بابتسامة مصطنعة شوية:
"هو بيقول حضرتك ممكن تنتظري ربع ساعة لحد ما يخلص شغله وينزل."
أمنية فتحت عينيها بصدمة
"ربع ساعة؟ لا معلش، أنا مش فاضية أضيّع دقيقة واحدة، مش ربع ساعة."
وبصوت بدأ فيه العصبية تظهر
"مكتبه فين؟"
الموظفة اتفاجئت بالسؤال
"مكتبه؟"
أمنية كررت وهي رافعة حاجبها
"أيوه.. مكتبه فين؟"
صوتها كان حاد جدًا لدرجة إن الموظفة بسرعة بصت في الكمبيوتر وقالت
"الدور التاني، مكتب ٢١."
أمنية ما استنتش تكمل كلام، اتجهت بخطوات سريعة ناحية المصعد، وهي تتمتم
"هو فاكر نفسه مين عشان أستناه؟ لا، أنا اللي هطلعه من وكرُه بإيدي."
دخلت المصعد، ضغطت الزر، وعينيها فيها شرر من العصبية، حاسة إنها مش مصدقة إنها جت لحد هنا تدور على شخص زي سفيان، شخص هي أساسًا شايفة إنه "كارثة في مظهره"، ومع ذلك النهارده هي مضطرة تعتمد عليه.
وقبل ما الباب يتقفل، قالت في سرّها
"أول ما أخلص الصفقة دي، هاطلب من المدير عصام يغيّر الشركة دي كلها.. دي مش شركة ترجمة، دي مسرحية!"
انفتح باب المصعد و وصلت الدور التاني، ماشية بخطوات سريعة، عينيها بتدور على أرقام المكاتب لحد ما لقت الرقم "٢١".
الغريب إنها ما احتاجتش حتى تخبط، الباب كان مفتوح على الآخر، وصوت حركة جوة المكتب واضح .
أول ما وقفت على الباب، وقفت متسمرة، ريحة الطلاء كانت مالية المكان، وريحة نفاذة لدرجة إنها سابت وشها يتكرمش تلقائي.
بصت لجوه، واتجمدت للحظة
"هو ده مكتب مترجم؟!"
المكتب شكله مش مرتب خالص، كراسي محطوطة بشكل عشوائي، مكتب مليان أوراق وعلب ألوان وبوكس أدوات، وعلى الحيطة نص الجدار لسه لونه متغير نصه جديد ونصه قديم.
والأغرب من كل ده… سفيان نفسه واقف فوق مكتبه بحذاء رياضي مغبر، ماسك فرشة كبيرة وبيطلي الحيطة بنفسه.
مظهره كان بعيد تمامًا عن أي حاجة شبه "المترجم المثالي" اللي المفروض هي تعتمد عليه.
لابس تيشيرت واسع لونه رمادي عليه بقع دهان، وبنطلون جينز مقطوع من الركبة، شكله عملي بس في نفس الوقت "مستهتر" كأن الراجل جاي ورشة مش مكتب ترجمة.
شعره كان شوية منكوش، ولحيته مش متسوية، باين عليها إنها محتاجة حلاقة من أسبوع فات.
حتى جزمة الكوتشي بتاعته، التراب باين عليها من بعيد، وهو واقف بيكمل شغله عادي، كأنه مش في شركة محترمة لكن في بيته.
أمنية وقفت على الباب، ماسكة شنطتها بإيد وملامح وجهها كلها صدمة ممتزجة باشمئزاز
"إيه ده… هو ده المترجم اللي أنا جايباه عشان أقفل بيه صفقة إيطالية كبيرة؟!"
سفيان وهو سامع صوتها، لف بسرعة، وعينيه فيها لمعة استغراب وبسمة صغيرة كأنه مش واخد الموضوع جد خالص
"آه… حضرتك اللي طالبة المترجم؟ ثواني بس أخلص الحتة دي!"
أمنية وقفت ثابتة مكانها، مش عارفة تصدق نفسها، قدامها مهمة إقناع أهم عملاء الشركة، والمترجم اللي هيعتمدوا عليه… واقف بيطلي الحيطة بحذاء مليان تراب.
دخلت داخل المكتب بخطوات سريعة، إيدها مغطية مناخيرها من ريحة الطلاء اللي مالية المكان وبتضايقها جدًا.
بصت لفوق لقت سفيان واقف فوق المكتب، ماسك الفرشة وبيطلي الحيطة .
قالت بصوت واضح وحاد
"انزل فورًا! إنت ماوصلكش الطلب من مديرك إني طالبة المترجم فورًا؟"
سفيان بص لها من فوق وسألها ببراءة
"هو اللون عاجبك؟"
أمنية شهقت بدهشة
"إيه؟ إنت بتهزر دلوقتي؟!"
ثم رفعت صوتها أكتر
"انزل فورًا بدل ما…!"
هو نزل عينه فيها وقال وهو بيهز كتفه
"الطلبات هنا بتاخد وقت يا آنسة… وبالمناسبة، مش إنتي اللي قولتيلي آخر مرة مش عايزة أشوف وشك تاني؟"
وقلد حركة صباعها اللي عملتها يومها بشكل مستفز.
أمنية عضت شفايفها بقهر وقالت
"لو كان فيه مترجم غيرك ماكنتش جيتلك أصلاً… للأسف إنت المتاح."
سفيان رفع حاجبه وقال باستنكار
"للأسف؟"
هي أومأت بتأكيد ، لكن اتصدمت لما شافته راجع للحيطة وكمل الطلاء كأنها مش واقفة وراه أصلاً.
صرخت فيه غصب عنها
"إنت بتعمل إيه يا أستاذ! سيب ده حالاً، تعرف إني ممكن بكلمة من هنا أطردك؟"
لكن سفيان كان بيتجاهلها وكأنه مش سامع.
أمنية حطت إيدها على وسطها وقالت في سرّها
"هو ده مش خايف من الطرد أصلًا؟!"
بصت لساعة يدها، الوقت بيجري وعصام منتظر منها نتيجة سريعة.
قالت بحدة
"طيب، عايز إيه عشان تسيب اللي في إيدك وتمشي معايا دلوقتي؟ فلوس؟ هاديلك فلوس دلوقتي حالًا!"
سفيان وقف للحظة، حاطط الفرشة على الطلاء، كأنه بيفكر.
أمنية وقفت في مكانها متوترة جدًا، نظرتها كلها: "يلا خلصني بقى!"
قال بهدوء
"أنا عايزك تساعديني تختاري ألوان المكاتب التانية."
أمنية رمشته مرتين بعدم تصديق
"إنت عامل حملة دهان للشركة كلها ولا إيه؟"
سفيان ضحك ووضح
"الشركة ميزانيتها مش مكفية للاسف، فبنساعد بعض يعني"
أمنية تنهدت بقوة، وقالت وهي متضايقة
"حاضر، هساعدك تختار الألوان… بس نخلص بسرعة."
هنا، سفيان نط من فوق المكتب فجأة ووقف قدامها على طول، وهي اتفاجئت ورجعت خطوة لورا
"إيه ده! ممكن كنت تخبط فيا!"
سفيان ضحك
"آسف، آسف… والله ما كان قصدي."
أمنية بصت له بنظرة استغراب: "الواد غريب… ومزعج."
لكنها ماعلقتش أكتر وخرجت من المكتب بسرعة، وسفيان وراها بيمسح إيديه في قماشة قديمة.
________