الفصل الثاني:
الشمس كانت خلاص بتغيب، وواجهة صالون راقية مضاءة بإضاءة صفراء دافئة. راقية كانت واقفة برا، لابسة طرحتها الملوّنة وممسكة بالمفتاح، مستعدة تقفل الباب وترجع بيتها بعد يوم طويل من الشغل.
لكن فجأة سمعت صوت عالي بينادي من آخر الشارع
"راقيةاا!"
التفتت، عينيها اتسعت وهي شايفة المنظر… هي دي أمنية؟!
اللي كانت الصبح واقفة قدام المراية بكامل أناقتها وفستانها الأنيق، شعرها مثبّت بعناية ومكياجها مضبوط، دلوقتي بقت حالة يرثى لها:
خصلات شعرها خارجة من التسريحة زي ما تكون اتخانقت مع عاصفة، فستانها متبهدل وعليه بقع، الكعب العالي مليان تراب بعد ما رفعته بإيديها وهي بتجري، حتى الكحل سايح ناحية أطراف عينيها.
أمنية واقفة قدامها بتنهج، ماسكة الفستان من الجناب، ووشها أحمر من العياط والغضب والجري.
راقية فتحت بقها بصوت مكتوم
تعابير وشها كانت مزيج بين صدمة وفضول: حواجبها مرفوعة، عينيها مفتوحة للآخر، شفايفها عاملة شكل "O" كبيرة.
أمنية وقفت قدامها وبمنتهى الثقة والجراة قالت
" عايزة العريس المثالي !! "
ومدت إيديها وهي بتتكلم بسرعة وانفعال، صوتها كان فيه نبرة قرار حاسم
"عايزة عريس… دلوقتي… إنتي هتلاقيني عريس… ومش أي عريس، المثالي… إنتي بتقولي إنك خطّابة؟ خلاص… اشتغلي شغلك!"
راقية جمدت مكانها لحظة، الإيد اللي فيها المفتاح اتجمدت في الهوا. عينيها لفتت على أمنية من فوق لتحت، بتفكر إذا كانت دي فعلاً نفس البنت اللي حضرتها الصبح.
وشها قلب من الصدمة لاستيعاب الموقف… وبعدين اتسعت ابتسامة بطيئة على وشها، ابتسامة فيها دهشة وفرحة غريبة كإن حلمها جالها لحد الباب: عميلة جديدة… وبمزاجها كمان.
راقية، بعد لحظة الصدمة، رجعت فتحت باب الصالون تاني
دخلت وهي بتشير لأمنية إنها تدخل وراها.
أمنية دخلت من غير ما تبص حواليها، وقعدت على أقرب كرسي، رافعة رجل على رجل، والفستان لسه متبهدل زي ما هو، وشعرها خارج من التسريحة وكحلها سايح، بس ماسكة كوباية عصير من تلاجة صغيرة في الركن وبتشرب بشراهة كإنها كانت في صحراء.
راقية قفلت الباب بالمفتاح، وبصت لها من فوق لتحت بذهول
"يا خبر… هي دي نفس البنت اللي كنت بصورها في المراية الصبح؟"
لكنها خبّت استغرابها، راحت على الترابيزة الصغيرة اللي جنب الحوض، طلعت منها دفترها ال قديم المشهور جلده مُتآكل شوية وقلم، وقعدت قدامها
"يلا يا أختي… هاتي مواصفاتك"
أمنية عدّلت جلستها، حطت الكوباية على الطاولة، وقالت بثقة
"طويل."
راقية كتبت وهي بترفع حاجبها
"طويل… ماشي."
"ناجح جدًا… يعني مش أي شغل والسلام، عايزاه ناجح في مجاله، معروف فيه"
"أيوه يا ستي."
"يحب شغله أوي… يعني مش واحد بيدور على الرزق والسلام، لأ… يبقى شغوف باللي بيعمله."
"هممم… طيب…"
"متخرج من جامعة محترمة، بمعدل محترم…"
"آه يعني عايزاه دكتور جامعي ولا حاجة؟!"
أمنية هزت راسها بحزم
"مش شرط دكتور… بس يبقى متعلم تعليم عالي اوي."
"جاد جدًا… ورزين… ما يحبش الدوشة ولا السوشيال زيادة عن اللزوم، واحد عارف هو بيعمل إيه وما يحبش التفاهات."
"همممم…"
"يصلح لتربية الأطفال… يعني مش مراهق، مش مستهتر، يبقى راجل بيتحمل المسؤولية."
راقية وقفت لحظة، القلم اتوقف في إيدها وبصت لأمنية بنظرة فيها اندهاش
"يا أختي إنتي بتطلبي راجل ولا بتكتبي إعلان وظيفة مدير تنفيذي؟!"
أمنية بصت لها بوضوح وغرور
"أنا مش هرضى بحد أقل مني نجاح… أنا ناجحة، وعايزة راجل أنجح مني أو على الأقل زَيّي… النجاح عندي يعني شغل، يعني طموح، يعني فلوس ومكانة."
راقية سابت القلم على الدفتر للحظة، ونفخت
"ده أنا هقلب البلد علي وداني عشان ألاقي الراجل ده… بس ماشي، طول عمري بحب التحديات."
رجعت تكتب وهي بتبص لأمنية من وقت للتاني بابتسامة مش واضحة إذا كانت فرحانة ولا شايفة الموضوع كله مسخرة، لكن في عقلها فكرة واحدة
"دي صفقة تقيلة… ولو نجحت فيها، هبقى أنا مش بس كوافيرة، أنا بقت صانعة العرسان بترقية"
بعد شوية ...
أمنية قامت من على الكرسي وهي بتعدل فستانها المتبهدل، ماسكة شنطتها
"تمام يا راقية… أنا هروح بقى، ونبقى نتكلم بعدين."
لكن راقية مدّت دراعها قدام الباب بسرعة، واقفة زي الحارس
"رايحة فين يا حبيبتي؟!"
أمنية بصت لها باستغراب
" البيت ! إيه في إيه؟ مش خلاص كتبتي كل حاجة؟"
راقية شبكت إيديها قدام صدرها
"آه كتبنا… بس فين أتعابنا؟! إحنا هنا مش شغالين ببلاش!"
أمنية رفعت حواجبها
"أتعاب إيه؟! ما هو المفروض تديني العريس الأول وتتعبي الاول… وبعدين آخد النتيجة وأدفع "
راقية هزت راسها بقوة
"لأ يا روحي، شغلانتنا دي مش مضمونة، أنا لازم آخد العربون الأول. كده الشغل يمشي صح، وبعدين ربنا يسهّل ونكمّل."
أمنية اتنهدت بتأفف وهي تفتح شنطتها ببطء… بصت حواليها تتأكد إن محدش شايفها، وطلعت مبلغ صغير بحركة سريعة وهي مديّاه لراقية كأنها بترشي ظابط مرور.
راقية أخدت الفلوس وبصت عليها… وبعدين رفعت عينها لوش أمنية، وبعدها لشنطتها المفتوحة، وبعدين رجّعت نظرها للفلوس تاني، وعينيها بتقول "هو ده؟".
أمنية شافت النظرة وقالت
"إيه؟ مش كفاية ولا إيه؟!"
راقية هزت راسها نفي وهي عاملة شكل جاد جدًا
"مممم… مش أوي."
أمنية فتحت شنطتها تاني وهي بتتمتم
"هو إحنا بنشتري شقة ولا بنشتري عريس؟!… طيب خدي دول كمان، ده اللي معايا دلوقتي… والباقي المرة الجاية."
راقية ابتسمت ابتسامة المنتصر
"يا حبيبتي مش مهم المبلغ… المهم النية… وإن شاء الله ألاقي لك أحسن واحد في مصر."
أمنية بصتلها بنظرة فيها نص شك ونص تعب
"إنتي متأكدة إنك هتلاقيه زي ما أنا عايزة؟ مش ناقص صفة واحدة حتى… فاهمة؟"
راقية فردت ضهرها بثقة وفردت كفها على صدرها:
"أنا يا حبيبتي مجوّزة نص بنات الحتة! هقف قدام دكتور؟! ده أنتي هتشوفي… بس سيبيني أشتغل براحة."
أمنية تنهدت استسلام
"ماشي… أنا هصدّقك… وأمشي دلوقتي قبل ما أندم."
خرجت من الصالون وهي بتحس إنها داخلة على تجربة مجنونة، وكل اللي شاغل بالها دلوقتي إنها ترجع البيت، تاخد دش طويل وتنسى اليوم الكارثي اللي بدأ بزفاف وانتهى بصفقة "عريس تحت الطلب".
__________
أمنية كانت سايقة عربيتها في الصبح بدري، لابسة تنورة كحلي أنيقة وبلوزة بيج مكوية كويس، شعرها مربوط ديل حصان مشدود بدقة، والمنظر كله بيقول: "موظفة مثالية جاهزة لأي اجتماع مفاجئ."
الراديو شغال، لكن بدل الأغاني، كانت بتسمع تسجيل لتعلم الإيطالي
"Buongiorno… Grazie… Per favore…"
وهي بتكرر ورا الصوت بنغمة آلية شوية، كإنها عايزة تخلص أكبر عدد كلمات قبل ما توصل الشغل
وقفت عند إشارة مرور كبيرة، الجو هادي نسبيًا، لكنها لاحظت حاجة غريبة على الناحية التانية من الطريق: تجمّع صغير من الناس.
هي لمحت من بعيد راجل واقف في نص الواد الصغير اللي جنب الرصيف، لبسه مش منظم اوي، بنطلون جينز باين عليه قديم وفيه تراب وقميص مش احسن حاجة كمان . الراجل كان منحني لتحت، بيحاول يعمل حاجة… وبعد ما ركزت شوية، فهمت إنه بيحاول ينقذ قطة صغيرة عالقة في الطين.
حواليه شوية ناس واقفين بيتفرجوا، واحد بيصور بالموبايل، والتاني بينده للراجل يحذرُه من الطين.
أمنية بصت للمشهد بنظرة استغراب مع شوية استنكار
"يعني… هو ده وقته؟ هو فاضي لدرجة يقف ينقذ قطة؟"
جواها حسّت إنه تصرف عاطفي زيادة عن اللزوم، ضياع وقت ودراما زيادة، خصوصًا وهي متعودة تشوف اليوم بالدقايق والثواني.
لمّا الإشارة قلبت أخضر، ضغطت على البنزين ومشت بسرعة، عينيها رجعت للطريق قدامها، وكمل صوت الإيطالي:
"Mi scusi… Dove il bagno?"
لكن عقلها للحظة رجع للصورة… الراجل اللي واقف في الطين، وشوية الناس اللي واقفين حواليه… قبل ما تهز راسها
"هو حر… أنا مش فاضية للحاجات دي."
دخلت أمنية الشركة بخطوات واثقة، الكعب العالي بتاعها بيعمل صوت ثابت على الأرضية الرخام، شنطتها السودا متعلقة على كتفها، وشعرها المربوط بديل حصان متماسك بيديها شكل الموظفة اللي جاهزة لأي طوارئ.
وراها ماشية سندس، واحدة من المساعدات الجداد، ماسكة تابلت وبتتكلم بسرعة وهي بتحاول تلحق خطوتها
"صباح الخير يا فندم… الاجتماع مع الوفد الإيطالي الساعة عشرة ونص، القاعة محجوزة وكل الأوراق مترتبة على الترابيزة… والمترجم هيكون موجود قريب."
أمنية وقفت فجأة، التفتت بنظرة مش راضية
"إيه؟ المترجم لسه مجاش؟ من امتى الاستاذ هشام يتأخر؟"
سندس وقفت وراها متوترة
"هو… أصل السيد هشام أخد أجازة، راح رحلة شهر عسل في باريس، فاتفقنا مع شركة تانية وهما هيبعتوا مترجم كفاءته عالية جداً."
أمنية ضيّقت عينيها وهي بتقول بنبرة فيها استنكار
"لو كفاءته عالية زي ما بتقولي… كان جه من بدري"
سندس عضّت شفايفها وقالت بخوف بسيط
"هو في الطريق يا فندم… أنا هكلمه تاني وأتأكد."
أمنية عدّلت شنطتها على كتفها وهي بتهز راسها بضيق، وبصوت عملي جاف
"اتأكدي دلوقتي فوراً… وقولي له إن أنا مش قابلة أي غلط، الاجتماع ده مهم، ولو في حاجة ناقصة أنا هحمّلك المسؤولية."
رجعت تمشي تاني بنفس ثقتها المعتادة ناحية مكتبها، عقلها مشغول بحاجة تانية
"حتى هنا… زواج! هشام يتجوز ويروح شهر عسل، سمر تتجوز وتعمل فرح ضخم… وأنا؟!" لكن ملامحها ما كشفتش ده، فضلت محافظة على صورتها القوية: أمنية الموظفة المثالية.
_______
أمنية بعد ما خلصت كل حاجة في مكتبها ورتّبت الملفات المهمة، ضمّتهم لصدرها بقوة، وخدت نفس عميق، وخرجت بخطوات سريعة واثقة ناحية المصعد.
كانت مركّزة على دماغها: "الاجتماع لازم يطلع كامل من غير أي غلطة… المترجم جه ولا لأ؟! هتجنّن من شغل الناس دي."
وصلت قدام المصعد، الباب اتفتح… وفجأة شافت واحد واقف جواه.
وقفته ما كانتش تبشّر بالخير، هدومه شكلها مبهدل، سرواله فيه علامات طين واضح، وحذاءه مش نظيف، وريحة غريبة طايرة في الجو، ريحة مش كارثة بس أكيد مش مناسبة لشركة محترمة.
أمنية دخلت المصعد بحذر وهي حاطة مسافة واضحة جدًا بينه وبينها، ضمّت الملفات على صدرها أكتر ورفعت راسها لفوق بتجاهل واضح.
جواها بتفكر
"إزاي سمحوا لحد بالشكل ده يدخل الشركة؟ ده أمن الشركة نايم ولا إيه؟"
المصعد فجأة عمل صوت غريب ووقف في نص الدور الخامس.
أمنية بصت بسرعة على لوحة الأزرار
"يا نهار أبيض… تاني العطل ده!"
قربت بخطوة صغيرة وبدأت تضغط على الزرار بإيدها بسرعة وهي متنهدة
"إيه المصعد المزعج ده… بقالنا شهور طالبين صيانة ومحدش سائل."
دوساتها المتكررة خلت المصعد يتحرك تاني أخيرًا، ساعتها الراجل اللي واقف قال تعليق مرح بصوت هادي
"واضح إن المصعد متضايق مننا."
أمنية ولا كأنها سمعت حاجة… ولا حتى بصت له، عينها قدام بس، ووقفت مستقيمة لحد ما الباب اتفتح أخيرًا في الدور الأرضي.
خرجت بخطوات سريعة، أنفاسها شبه مقفولة من الريحة الغريبة اللي كانت حاسة إنها لسه عالقة في هدومها، ودماغها كلها فكرة واحدة
"إزاي في رجالة كده في زمن كله تقدم وتكنولوجيا…؟"
_______
أمنية وصلت قدام قاعة الاجتماعات، شايلة الملفات بإيد وبتعدل خصل شعرها بالايد الثانية ، دخلت وهي بتتنفس بعمق، لازم كل حاجة تبان مظبوطة.
رئيس الشركة عصام، راجل في أواخر الأربعينات، واقف عند باب القاعة بابتسامة واسعة أول ما شافها
"صباح الخير يا أمنية… جهزتي الإعلان كويس؟"
أمنية ردّت بثقة
"كل حاجة جاهزة يا فندم، حضرتك متقلقش خالص."
عصام اكتفى بإيماءة إعجاب وابتسامة، راجل واضح إنه واثق فيها وفي شغلها بشكل كبير.
أمنية التفتت تدور بعينيها على باقي الناس، الوفد الإيطالي موجود بالفعل، مندوبين لابسين بدلات شيك جدًا، شايلين لابتوباتهم.
بسرعة سحبت سندس ناحية جنب القاعة وسألتها بصوت منخفض
"فين المترجم يا سندس؟! مش المفروض يكون واقف هنا؟"
سندس ردّت بتوتر وهي بتبص على موبايلها
"هو… هو هنا، أنا كلمته من شوية وقال إنه وصل."
أمنية رفعت حواجبها بحدة
"طب فين بالظبط؟ أنا مش شايفاه."
سندس ابتلعت ريقها ومردتش بحاجة مقنعة.
قبل ما أمنية تكمّل استجوابها، عصام بص عليهم وقال بابتسامة دبلوماسية
"يلا يا جماعة ندخل… الوفد مستنينا."
أمنية اضطرت تتحرك وراهم، بس وهي ماشية حسّت بانزعاج
"أنا سايبة حاجة مهمة زي المترجم لسندس؟! ليه ما خلّصتش الموضوع بنفسي؟ لو في مشكلة، أنا اللي هشيل اللوم… يا نهار أبيض!"
القاعة نفسها فخمة، إضاءة بيضا قوية، ترابيزة طويلة لامعة حوالين الكراسي الجلد. على الجدار شاشة عرض ضخمة محطوطة عليها اللوجو بتاع الشركة، وريحة القاعة كلها عطر رسمي مع لمسة قهوة.
عصام ابتسم وهو بيرحب بالرجال الإيطاليين بابتسامة ودودة:
«Welcome, welcome!»
الاتنين الإيطاليين ردّوا بابتسامات وأومأوا برؤوسهم.
أمنية استغلت الفرصة عشان تسيب انطباع قوي، مدت إيدها وصافحتهم بثقة، وقالت بنطق شبه إيطالي
«Buongiorno, benvenuti.»
الإيطاليين اتفاجئوا بابتسامة إعجاب، وحتى عصام نفسه رفع حواجبه بدهشة
"برافو يا أمنية… واضح إنك محضّرة نفسك كويس."
أمنية حسّت بدفقة فخر داخلي
"تمام… لازم أبان مثالية النهارده… الترقية مش هتستنى."
لكن وسط كل ده، عينها لسه بتلف تدور
"فين المترجم ده؟! ان شاء الله بس ما يطلعليش حاجة كارثية."
الاجتماع بدأ بشكل طبيعي… الإيطاليين فتحوا لابتوباتهم وابتدوا يقدموا شوية ملاحظات عن العرض.
أحدهم، راجل خمسيني شيك جدًا، بدأ يتكلم بالإيطالي بسرعة:
«Noi crediamo che la campagna pubblicitaria…»
الكلام نازل زي المطر.
عصام بصّ على أمنية بنظرة واضحة
"إيه ده؟ إحنا مش فاهمين حاجة!"
هو نفسه باين على وشه الحيرة، والموظفين حواليه برضه نفس التعبير: وجوه مصدومة بتحاول تستوعب أي كلمة مفهومة، لكن مفيش.
أمنية شدّت شفايفها بابتسامة مجاملة… وقرّبت برأسها ناحية عصام وهمست بصوت واطي:
"المترجم جاي يا فندم… اتأخر شوية بس هو في الطريق."
عصام زفر بإنزعاج واضح وهو بيحاول يحافظ على ابتسامته قدام الضيوف
"يعني مفيش مترجم لحد دلوقتي والرجل بيتكلم؟!"
أمنية رجعت بصّت على الراجل الإيطالي بابتسامة مصطنعة وحاولت تومّئ برأسها كأنها فاهمة
– «…Si… certo…»
لكن في الحقيقة هي مش فاهمة غير كلمة واحدة أو اتنين من اللي قالهم، كل اللي تعرفه مجرد تحيات عامة وكلمتين عن القهوة، وده مش هينفع هنا أبدًا.
الإيطالي كمل كلامه بحماس، حتى أشار في اتجاه الشاشة.
أمنية من جواها
"يا رب يا رب المترجم يوصل بسرعة قبل ما الراجل يسألني حاجة!"
وفجأة… باب القاعة اتفتح بعنف، ودخل شخص مسرع.
صوت خطواته وضربات كعبه على الأرضية الخشب الصغيرة خلّى الكل يلتفت.
أمنية اتجمّدت مكانها.
الشخص اللي دخل… هو نفس الراجل المبهدل اللي كان في المصعد من شوية.
شعره مكركب شوية، هدومه لسه عليها آثار الطين الخفيف من سرواله، وجزمة مش لامعة، لكنه شايل شنطة جلد صغيرة وباين عليه واثق بشكل مستفز.
الإيطاليين وقفوا لحظة، استغربوا المنظر، سندس رفعت حواجبها بدهشة وابتسم ابتسامة ارتياح
"واخيرًا المترجم وصل!"
أمنية قلبها وقع
""إيه المصيبة دي؟! ده… ده المترجم؟!"
سفيان (الراجل) وقف في نص القاعة وقال بثقة
"آسف على التأخير… حصل ظرف بسيط."
أمنية وهي ماسكة الملفات حست إنها عايزة تدفن وشها في الأرض من الإحراج.
"أنا كنت بلوم نفسي على التأخير… بس مش كنت أتخيل المصيبة تبقى بالشكل ده!"