الخطة الراقية ( درامي مكتبي رومانسي) - الفصل الاول : - بقلم mayah - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الخطة الراقية ( درامي مكتبي رومانسي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الاول :

الفصل الاول :

رواق الشركة الكبيرة كان مليان حركة وضجيج، أصوات الماكينات والطابعات، تليفونات بترن في كل مكان، والناس ماشية رايحة جاية. وسط كل ده، كان صوت كعب عالي بيدوي في المكان بنغمة واثقة. أمنية، بجسمها الرشيق وشعرها البني القصير اللي بيطوّل لحد رقبتها، لابسة جيبة سودة بطول متوسط وبلوزة بيضا دانتيل شيك جدًا. في إيدها شوية أوراق كتير وهي ماشية بخطوات سريعة، ووشها جاد جدًا. صوتها مسموع وهي بتوزع أوامر "يا كريم العرض ده لازم يبقى جاهز قبل الساعة 2." "مريم، عايزة أرقام الحملة اللي فاتت حالًا." أسلوبها الحازم والواثق خلاها تاخد لقب "أكفأ موظفة في الشركة"، وكل الناس تقريبًا متأكدين إنها هتاخد الترقية الكبيرة قريب. وهي مشغولة في شغلها، سمعت صوت بينادي "أمنية! تعالي ثانية واحدة." بصت ناحية الصوت، لقت سمر –واحدة من الموظفات واقفة مع شوية زملاء، ماسكة في إيدها شوية كروت فخمة. تنهدت وهي بتقرب، و سمر قالت بدلع "ده كارت فرحي… لازم تيجي، أنا هزعل جدًا لو ماجتيش." أمنية ابتسمت ابتسامة رسمية جدًا، أخدت الكارت وقالت بثقة "أكيد هاجي يا سمر، مبروك يا حبيبتي." لكن وهي بتبعد عنهم، كانت حاسة بالحرج اللي بتحاول تداريه بصوتها الواثق. دماغها شغالة "أكيد دلوقتي هيقعدوا يتكلموا… العروسة دي وجماعتها لازم هيقولوا: لسه ما اتجوزتش! يعني إيه موضوع العزوبية ده مهم للدرجة دي عشان يبقى على لسان كل حد؟" هزت راسها وهي بتحط دعوة الفرح في شنطتها، ورجعت مكتبها بسرعة. بالنسبالها، الترقية هي أهم حاجة دلوقتي… مش أي حاجة تانية. __________ البيت هادي زي العادة، ريحة الأكل لسه طالعة من المطبخ، نور الإضاءة الصفراء في الصالة مدي إحساس بالدفا. أمنية، بعد يوم طويل في الشركة، كانت لسه خارجة من الحمام، شعرها البني القصير مبلول، والمنشفة البيضا ملفوفة حوالين رقبتها. سمعت صوت أمها، سلمى، من المطبخ وهي بتنادي بصوت عالي "يا أمنيةاا… العشا جاهز يا بنتي" أمنية ردت وهي ماشية ناحية السفرة "جايــة يا ماما… ثانية واحدة." رمت المنشفة على الكنبة، وقعدت بسرعة قدام السفرة. كانت جعانة بشكل واضح، بقالها يوم كامل مش واكلة غير شوية بسكوت على القهوة. مسكت رغيف عيش سخن وقالت وهي بتاخد أول لقمة "أنا هموت من الجوع… طول النهار ناسية آكل، اكتفيت بالقهوة زي المجانين." سلمى، اللي كانت قاعدة قدامها، ست كبيرة في أواخر الخمسينات، شعرها رمادي ومتسحب في كعكة بسيطة، رفعت وشها وبصتلها "هو انتي فاضل في حياتك غير الشغل والقهوة؟" أمنية رفعت راسها بابتسامة صغيرة وهي تاكل "الشغل ده اللي مخليني قاعدة هنا يا ماما… ده أنا اللي بصرف على البيت كله، وإنتي عارفة. وما إن شاء الله أول ما آخد الترقية الجاية، هيبقى مرتبي ممتاز." وبعدين افتكرت "آه… نسيت أقولك. أخدت دعوة فرح النهاردة." سلمى بصوت مليان فضول "فرح مين؟ مديرك؟!" أمنية وقفت نص ثانية، بصتلها بدهشة وقالت وهي بتكسر لقمة "مديري؟ يا ماما ده متجوز! تحبي مراته تيجي تخنقني؟!" ضحكت بخفة وكملت "واحدة زميلة في الشغل… مدلّعة ومش شاطرة خالص في شغلها… الأسبوع الجاي هتتجوز." سلمى بصت بنظرة فيها حسد بسيط وقالت "محظوظة." أمنية رفعت حاجبها وقالت باستغراب "محظوظة ليه ؟ عشان هتتجوز؟" سلمى بصت فيها بلوم وقالت "أهو على الأقل مش زيك… قاعدة لحد دلوقتي عزباء." الكلمة دي نزلت على ودان أمنية زي صفعة. سكتت لحظة، حطت الرغيف على الطبق، وبصت لمامتها بعصبية "إيه يا ماما الكلام ده؟ أنا مش فارق معايا الموضوع أصلًا، ليه فارق معاكوا إنتوا؟" سلمى بهدوء مستفز "فارق معاك يا بنتي بس انتي مش عايزة تعترفي… إنتي داخلة على اتنين وتلاتين، ولا حتى دخلتي في علاقة طبيعية في حياتك… أنا في سنك كنت متجوزة أبوكي وبجهزك للمدرسة" الكلام كان تقيل. فجأة، الأكل مبقاش ليه طعم. أمنية حطت الشوكة وقالت "ما تقارنيش يا ماما… زمانكم غير زماننا. زمانكوا الست ماكانش عندها شغل ولا طموح… أنا شغلي واخد وقتي كله. بالعافية بلاقي وقت أصبغ شعري، هلاقي وقت لرجل وطلباته؟ ده الجواز محتاج تبقي طول الوقت واقفة ومستعدة لكل حاجة." وبصوت واثق كأنه مش من قلبها، قالت "وأنا دلوقتي مشغولة بنفسي… الترقية أهم من أي حد تاني بالنسبالي" سلمى اتنهدت وقالت وهي بتاكل بالشوكة السلطة "وبعدين؟ بنت خالتك كانت معلمة وبنت عمتك محاسبة، وكلهم اتجوزوا… وسابوا الشغل بعد الجواز وعايشين زي الفل مع اجوازهم واولادهم وفي اللي حتى مكملين شغل و تربية عيال .يعني المشكلة مش في الناس… المشكلة فيكي إنتي." أمنية وقفت فجأة وقالت "أنا فعلًا ندمانة إني حكيتلك عن الدعوة دي." سلمى بصوت فيه زعل "إنتي على طول كده… تهربي أول ما نجيب سيرة الجواز. أنا مش بطلب حاجة غير اني أشوفك في بيتك، جوزك وولادك حواليكي… هو صعب يعني؟" أمنية مسكن منشفتها "أيوة صعب يا ماما… وانسي الموضوع خالص! وبالمرة كلمي راقية، قولي لها هعدي عليها أظبط نفسي قبل الفرح اللي أنا مش طايقاه ده." سلمى هزت راسها وقالت "راقية؟ دي ما تفضاش بسهولة، دي عندها زباين لازم ميعاد قبلها بكام يوم." أمنية ضحكت بغيظ "يا سلام… فاكرة نفسها كوافيرة النجوم!" وبدأت تتحرك ناحي أوضتها، لكن سلمى نادتها "يا أمنية… استني، انتي لسه ماكمّلتش أكلك." أمنية وقفت عند باب أوضتها وقالت بنبرة متضايقة "شبعت… شبعت خلاص." ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها، وهي شايلة معاها إحساس التقفيل مش بس من الأكل… لكن من الكلام كله. يوم الفرح... أمنية صحيت بدري على غير عادتها، وهي متضايقة أصلًا من فكرة إنها هتضيع وقت يومها عشان تروح فرح مش طايقاه. شربت قهوتها بسرعة، لبست حاجة بسيطة، ومسكت شنطتها واتجهت على الكوافير "راقية". طول الطريق كانت بتفكر: "أكيد ماما اتضحك عليها… ازاي واحدة كوافيرة في الحي تبقى مزنوقة في المواعيد بالشكل ده، لدرجة إنها تاخد فلوس مقدّم؟" لكن أول ما دخلت المكان، اتفاجئت. الكوافير الصغير مليان ستات، كله دوشة وكلام وصوت السيشوار. المكان ضيق أصلًا، ومع الزحمة شكله بقى أضيق. الستات قاعدين على الكراسي صف ورا صف، ومساعدات راقية رايحين جايين بمكواة الشعر، فرش ميكب، وعلب سبراي. راقية نفسها كانت واقفة في النص، قصيرة وبدينة، لابسة شال غريب لونه أحمر ومعاه أخضر فاقع، ملفوف حوالين شعرها. كانت بتزعق لمساعدة هنا، وتدي أمر لمساعدة تانية هناك "يالا يا منى خلصي السشوار… وفاطمة، فين الأكسجين بتاع الصبغة!" أول ما شافت أمنية، ابتسمت، بس ابتسامة شكلها مش من القلب… ابتسامة من النوع اللي بيقول "أهلاً بالزبونة اللي دافعة كويس". واضح إن سلمى أم أمنية ماقصرتش في الدفع. راقية قربت منها وقالت بصوت عالي عشان تغطي على الضوضاء "ياا خبر… أمنية! إيه يا بنتي، فين الغيبة دي؟ زعلانة منك أوي، إزاي ماتعديش عليا ولا تزوريني؟" وبعدين ضحكت وضربة كتفها بخفة "بس معلش… عارفة… إنتي زيي… سيدات الأعمال دايمًا شغلهم واخدهم، همهم الشغل والفلوس وبس!" أمنية رفعت حاجبها وهي مبتسمة ابتسامة صفرا "الله يعينك يا راقية." لكن في عقلها كانت بتقول "سيدات أعمال إيه… دي بتقضي يومها تحدد ألوان مناكير وتسريح شعر، تقارن نفسها بيا؟" راقية، من غير ماتديها فرصة، مسكتها من دراعها ودَفعتها جوه "تعالي يا روحي، حطي شنطتك هنا متقلقيش… المكان أمان… يلا اقعدي، وإنتي هتخرجي قمر." أمنية قعدت وقالت بنبرة عملية "بصي يا راقية… أنا ورايا فرح ولسه هدوبك ألحق أروح، يعني استعجلي معايا لو سمحتي." راقية ابتسمت وهي بتحط إيدها على كتفها "ماتقلقيش يا حبيبتي… أنا شخصيًا اللي هشتغل عليكي، انتي VIP النهارده." أمنية سكتت، ماسكة تليفونها، عينها على الساعة، ولسان حالها بيقول "يا رب نخلص بسرعة، مش ناقصة أروح متأخرة واتفرج على الناس كلها وهي بتبص عليا وكأنهم بيعدّوا سنين." الصوت حوالين أمنية كان مزعج جدًا: صوت السيشوار، ضحك الزبونات، كلام البنات في كل اتجاه. وراقية نفسها وهي واقفة وراها بتشتغل على شعرها، ماقفلتش بوقها ثانية. – قوليلي بقى… العروسة دي تبقى مين؟ – زميلة في الشغل. – والعريس شكله إيه؟ يعني بيشتغل إيه؟» – معرفش التفاصيل، يا راقية… – طب هي هتشتغل بعد الجواز ولا هتقعد في البيت؟ أمنية ابتسمت ابتسامة مصطنعة وهي تقول "مش متأكدة." لكن راقية ماكتفتش، قلبت الموضوع كله على أمنية "طب وانتي شغلك عامل إيه؟ لسه في الإعلانات؟ مشاء الله عليكي… مديرين ومقابلات وحاجات كده، مش كده؟" أمنية أومأت برأسها بس، نفسها تقول "اسكتي بقى يا ست!"، لكن قبل ما ترد، راقية فجأة سابت شعرها، وراحت لزبونة تانية "يا منى، أيوة اللون ده هايل عليكي… معلش ثانية يا أمنية." أمنية حست إنها هتنفجر "هي جاية تشتغل ولا تشرب شاي وتسلم على الزباين؟" لكن وقفت ساكتة، لحد ما راقية رجعت بنفس الحماس "حقك عليا يا حبيبتي، بس انتي عارفة… اللي يعمل خير لازم الناس تشكره." أمنية رفعت حاجبها باستهجان "خير؟ انتي؟" وابتسمت ابتسامة خفيفة فيها سخرية. راقية قربت منها وقالت بفخر "أه طبعًا… شوفي نص الزباين دول؟ أنا اللي جوزتهم! وأشارت بإيديها ناحية شوية ستات قاعدين. "أيوة، أنا باخد مواصفات اللي عايزينه، وأدورلهم، ولما الأمور تمشي… بحمد ربنا إنهم بيبنوا بيت ويتجوزوا." أمنية بصت لها بدهشة وقالت "يعني إيه؟ انتي بتشتغلي خطّابة؟!" راقية شالت إيديها وقالت بسرعة "خطّابة؟ لأ لأ… ماينفعش تقولي كده! أنا بعمل "توفيق اجتماعي"… يعني شغل له قيمة، مش أي حد يعرف يعمله." وبعدين بصت لأمنية بابتسامة عريضة خبيثة "طب ما تجربي إنتي كمان؟ والله مش هاخد منك فلوس كتير." أمنية ضحكت بسخرية وردت بغرور "لا يا راقية… أنا مش فاضية أصلاً لحاجات سخيفة زي دي." راقية هزت كتفها وقالت "انتي حرة…" وبعدين التفتت لزبونة تانية "يالا يا أستاذة، اكتبي المواصفات هنا في الدفتر، وحطي العربون هناك عند الصندوق." أمنية بصوت مستغرب "هو انتي بتاخدي فلوس من غير ما تجيبلها العريس الأول؟!" راقية بصوت هادي وابتسامة عريضة "ده اسمه أجر مسبق يا حبيبتي… اللي عايز حاجة لازم يدفع، حتى وإحنا بندورله." أمنية في عقلها كانت مش مصدقة "إزاي شغل كده موجود؟ وإزاي فيه ناس أصلًا بتطلب من حد يلاقي لهم عريس وكأنهم بيشتروا حاجة من السوبر ماركت؟" حسّت بشوية غرور وهي تفكر "الحمد لله إن أنا مش زيهم… أنا مش مرعوبة من الوحدة. النجاح مش مرتبط برجل… النجاح شغل، ترقيات، سفر، فلوس. لكن جواز؟ لأ، ده عمره ما كان سبب نجاح." مسكت موبايلها، فتحت الإيميل، وقررت تشغل نفسها عنهُم كلهم. ______ بعد ساعتين كاملين في الكوافير وثرثرة راقية اللي ما بتخلصش، أمنية أخيرًا خلصت، شعرها متظبط، ميكبها هادي وشيك، لبسها فستان كحلي طويل بسيط لكنه أنيق. لما بصت لنفسها في المراية قالت في سرها " حلوة وزي القمر ماشاء الله عليكي " ركبت عربيتها ومشت على القاعة. أول ما نزلت من العربية، صوت الموسيقى كان واضح حتى من برة. دخلت القاعة، وأول حاجة شافتها كانت الإضاءة المبهرة اللي بتنط من كل زاوية، الزينة المليانة ورود بيضا وذهبي، والكراسي المغطاة بالأقمشة اللامعة. العروسة والعريس في النص، الناس حوالينهم، كاميرات بتتصور في كل اتجاه، والضحك والهزار مالي المكان. أول إحساس ضربها وهي لسه واقفة على الباب "أنا لوحدي." حاولت تبتسم، رفعت راسها، ومشت ناحية الترابيزة اللي عليها زملاء الشغل. لقِت معظمهم قاعدين ومعاهم شركاء حياتهم. حتى المدير، عصام، الراجل اللي دايمًا جاد في الشغل، كان واقف ماسك إيد مراته، لكن رغم كده عنيه بتزوغ يمين وشمال على البنات! "يعني حتى هو…!" أمنية ابتسمت مجاملة وقعدت معاهم، لكن الإحساس بالفراغ كان واضح جواها. كل حد حواليها مشغول بشريكه: ضحك، همسات، تصوير سيلفي، وهي قاعدة ساكتة، بتشوف نفسها من بره كأنها مش موجودة. وبعد ربع ساعة من الكلام اللي ملوش معنى، لقت نفسها واقفة جنب ترابيزة الحلويات. مسكت شوكة وبدأت تاكل من الكعك الصغير، تركز في الطعم أكتر من الناس، بس دماغها مشغولة "أنا واقفة هنا لوحدي… جنب جالب القهوة الأعزب اللي كل الناس سايباه، وأنا وهو الاتنين شبه زيادة على المكان!" بصتلُه من غير ما تاخد بالها، وهو ابتسم ابتسامة باهتة، زي اللي بيقول "احنا الاتنين في نفس القارب." كشرت بضيق وقالت في سرها "آه، ده اللي ناقص… ألاقي نفسي باكل كعك جنبه وأتبادل معاه نظرات شفقة." حاولت تلهي نفسها بالموسيقى وبالعروسة اللي بترقص مع أصحابها، لكن إحساس الوحدة كان تقيل… حتى مع كل الإضاءة والضحك والزحمة، حاسّة إنها غريبة في المكان. بعد ما خلصت الكعك، شافت العروسة سمر جاية عليها، فستانها الأبيض اللامع بيتحرك مع كل خطوة، شعرها المنسدل على كتفها، ووشها مليان مكياج بس مبتسم ابتسامة مليانة ثقة. جنبها العريس، ماسك إيدها بحنية، وباين إنه مش سايبها ثانية. سمر أول ما وقفت قدام أمنية، شدت دراع جوزها وكأنها بتفكره "خليك قريب… أنا أهم." وبصت لأمنية من فوق لتحت، ابتسامة فيها شوية استعلاء وقالت بصوت ناعم "ياااا أمنية… نورتينا! العاقبة ليكي يا حبيبتي." الكلمة دي وقعت على ودان أمنية تقيلة. ابتسامة سمر شكلها عادي، لكن نبرة صوتها كانت فيها حاجة… كأنها بتقول: "أنا سبقتك." أمنية شدّت ضهرها، رفعت راسها بثقة مصطنعة وقالت: "الله يبارك فيكي يا سمر… وأهو كل واحد ليه أولوياته… إنتي اخترتِ الجواز وأنا اخترت شغلي ونجاحي. وفي الآخر كلنا مبسوطين بطريقتنا." الكلام خرج بصوت هادي وثابت، لكن جوه عقلها كانت حاسّة بحاجة غريبة… "هو ليه حاسّة إني بدافع عن نفسي؟" العريس، وهو لسه ماسك إيد سمر، مسح بإيده التانية نقطة كعك كانت على شفايفها، وهي اتحرجت شوية وقالت له بهزار "بطل كده ياحبيبي، الناس باصة علينا!" وهو ضحك وقال "ما انتي مراتي دلوقتي." المشهد ده ضرب أمنية في قلبها… مش غيرة من سمر، لكن من الإحساس نفسه… الإحساس إن في حد شايفك أنتي بس. حواليهم، زميلات الشغل بدأوا يهنّوا سمر "يا بختك يا بنتي… ده شكله راجل طيب أوي." "فستانك يجنن، يا رب الحياة تضحكلكوا." أمنية وقفت ساكتة، مبتسمة، ماسكة الشنطة بإيدها بإحكام كأنها مسكة نفسها هي شخصيًا. في لحظة حسّت إنها أقل منهم، أقل من سمر بالذات… يمكن عشان شايفة إزاي جوزها بيهتم بيها، بيبص لها بطريقة أمان وراحة. لكنها بسرعة رفعت حواجبها، ورسمت ابتسامة قوية وقالت وهي بتبص لسمر قدام الكل "ألف مبروك تاني يا سمر… وربنا يسعدكوا. أنا واثقة إنك هتعرفي توازني بين البيت وحياتك… حتى لو مش بتشتغلي، النجاح ليه أشكال كتير." سمر ابتسمت ابتسامة عريضة جدًا، كأنها فهمت الرسالة "أنا ناجحة برضه." أمنية رجعت على ترابيزتها، قلبها تقيل، بس دماغها بتقول "أنا ماينفعش أضعف قدامهم… أنا أحسن، أو على الأقل لازم أبان إني أحسن." الموسيقى تغيّرت فجأة، الإيقاع بقى أبطأ، والدي جي قال بصوت عالي "ويجااااا الوقت اللي كله بيستناه… رقصة العرايس والثنائيات!" الأنوار خفتت شوية، وبدأت الأزواج اللي موجودة تمسك في إيدين بعض وتنزل وسط القاعة. العروسة سمر والعريس كانوا أول واحدين، ضاحكين ومستمتعين. بعدها زميلات أمنية مع شركائهم، حتى المدير عصام كان نازل مع مراته ماسكها من وسطها وكأنه راجل أصغر بعشرين سنة. أمنية وقفت ساكتة، على أطراف القاعة، ماسكة الشنطة بإيد، والكوباية اللي كانت فيها عصير برتقال بالإيد التانية. عينها بتلف على الناس كلها وهما بيرقصوا… ضحك، همسات، قرب، لمسة إيدين… وكل ده وهي واقفة لوحدها، مفيش حد حتى يبص لها. أخدت نفس طويل وهي بتحاول ترسم ابتسامة صغيرة، لكن قلبها كان بيقول "أنا فعلاً زيادة هنا… مش مكاني." وبدأت ترجع خطوتين لورا علشان تسيب مساحة للناس اللي بترقص. وفجأة، حاجة صغيرة اصطدمت بيها من الجانب. "أووه!" بصت لقت طفل صغير ماسك كوباية عصير فاضية إلا من نقطة… كل النقطة دي بقت على فستانها الكحلي! "ياا رب!" بصت للطفل اللي واقف مذهول، ولأمه اللي جريت عليه بسرعة… مش عشان تعتذر، لكن علشان تنظف هدوم ابنها وتقول له "يا حبيبي إيه اللي عملته في نفسك ده!" وبصت لأمنية من بعيد "انت كويس الحمد لله." أمنية اتسمرت مكانها، مسكت الفستان اللي اتلطخ، والكل تقريبًا بدأ يبص لها، ومن بينهم سمر نفسها اللي وقفت تبص بابتسامة غريبة، نصها شفقة ونصها استعلاء. أمنية زفرت تنهيدة طويلة جدًا، عينها لمعت شوية، وقالت في سرها "أنا بعمل إيه هنا؟! المفروض دلوقتي أكون في المكتب، أجهز المشروع اللي ممكن يخليني أخد جايزة أو ترقية، مش واقفة هنا وسط كل الجو ده." جمعت شنطتها بسرعة واتجهت ناحية الحمام علشان تنظف الفستان. دخلت الحمام، مسكت مناديل وبدأت تمسح مكان العصير. فجأة سمعت صوت كعب عالي جاي ناحية الباب. أول رد فعل ليها إنها دخلت جوه واحدة من الكبائن وقفلت الباب. سمعت صوت سمر واضح وهي داخلة مع اتنين من زميلات الشغل "ياابنات… ماما وحماتي فاضل يخلوني ألبس خرزة زرقا من كتر ما بيقولوا لي خدي بالك من العين." إحدى الزميلات ضحكت وقالت "ماهو عندهم حق، يا سمر… إنتي واخدة كل حاجة: شغلانة محترمة، راجل بيحبك، وده من غير تعب زيادة… الحسد موجود." التانية قالت "ده غير إن أكتر الناس اللي ممكن يحسدوا هم اللي مش قادرين يوصلوا للي إنتي فيه." سمر قالت بصوت ناعم وهي تعدل الروج وتبص على المراية "بصراحة… أنا مش بحب أتكلم، بس يعني… مش عارفة أمنية دي… أكيد متضايقة شوية. يعني كلنا مع شركائنا، وهي لوحدها… مع إنها ناجحة أوي في شغلها… بس برضه! مش طبيعي إن واحدة زيها لا اتجوزت ولا حتى ارتبطت لحد دلوقتي!" واحدة من الزميلات اتعجبت وقالت "بجد! ولا حتى خِطوبة ولا حاجة؟" سمر ردت وهي تضحك بخفة: "ولا خطوبة ولا حاجة… بس يا رب ما يكونش الكلام ده زعلها، هي أكيد قوية ومش بتتأثر… صح؟" التلاتة ضحكوا بصوت منخفض وهم خارجين "آه يا سمر… انتي قلبك طيب أوي!" أمنية واقفة جوه الكابينة، ماسكة الفستان اللي لسه مبلول، قلبها بيتقبض. "أنا بعمل إيه؟! ليه مستخبية هنا زي طالبة في مدرسة خايفة من العقاب؟ ليه مش قادرة أطلع وأقول إني سمعتهم؟" إحساس بالإهانة والغربة خلاها تعض شفايفها بقوة علشان تمسك دموعها، وقالت في سرها: "ده آخر مرة أحضر فرح في حياتي." بعدما تاكدت انهم طلعوا كلهم خرجت من القاعة باكملها بسرعة، ما بصتش وراها ولا على حد، وكأنها عايزة تختفي من المكان كله. إيدها اتحركت لوحدها على الموبايل، بتكتب رسالة قصيرة لواحدة من زميلاتها، رسالة سريعة من غير تفاصيل، بس علشان محدش يسأل كتير أو يحاول يمنعها تمشي. أول ما شافت عربيتها مركونة في آخر الصف، حسّت براحة غريبة. حمدت ربنا إنها جات بالعربية، فكرة إنها تمشي في الشارع بالفستان اللي اتبهدل بالعصير كانت كفيلة إنها تموتها من الإحراج أكتر. ركبت وقعدت ثواني ساكتة، إيديها مرتخية على الدركسيون وعينيها بصّة قدام من غير تركيز. نفسها كان تقيل، وكأن كل المشهد اللي حصل من شوية نازل على صدرها. بصّت من الزجاج الأمامي، وبدأت تاخد بالها من اللي حواليها راجل وماسك إيد مراته وهما بيتكلموا وبيضحكوا، تاني شايل شنط طفله ومراته حامل وبتسند عليه، واحد تالت بيتكلم في الموبايل وصوته مليان فرحة وهو بيضحك، وأب تاني ماشي وولاده حواليه بيلعبوا. كل التفاصيل دي حسّستها إنها واقفة في عالم غير عالمها. إيدها شدّت على الدركسيون، وقفت العربية فجأة على الطريق. قلبها بيدق بسرعة، ودماغها مش راضية تهدى. لأول مرة حسّت إنها مركّزة زيادة في حاجة طول عمرها ما كانتش بتشوفها… الأزواج، العائلات، الضحك، الألفة. حاجة جواها كانت بتقول "أنا إيه اللي وصلتله؟ هو أنا ناقصة إيه؟" هي طول عمرها شايفة نفسها كاملة: شغل ناجح، شكل مقبول، جسم رشيق، عقل حاضر. ومع ذلك، فجأة الإحساس ده اتسلّل ليها… إنها فاشلة في حتة أساسية: ما فيش راجل في حياتها. مش بس كده، الأقل منها في كل حاجة هم اللي اتجوزوا وخلفوا، وهي لسه لوحدها. الإحساس كان تقيل، ضغط على نفسها وكأنها مش قادرة تاخد نفس. الطرق على الزجاج فجأة رجّعها للواقع. راجل واقف بره، شكله عادي، ملامحه فيها استعجال، بيشير لها إنها تتحرك لأنها واقفة ومعطلة الطريق. بس عقلها المشحون بالغضب خلّى تصرفها ينفجر بشكل غير محسوب. الحركة العنيفة، ملامحها المشدودة، كأنها بتفرّغ كل اللي جواها في أول شخص قابلته. النتيجة كانت إنه اتفزع ومشي بسرعة من غير ما يبص وراه. حست وقتها بالذنب وبالعار في نفس الوقت. نزلت راسها على الدركسيون، وطلعت تنهيدة طويلة مليانة قهر. لأول مرة تعترف جوا نفسها إنها السبب: هي اللي بتبعد الناس قبل حتى ما يقربوا، هي اللي بتسد أي باب ممكن يتفتح. الموبايل رن جنبها برسالة. سمر، العروسة، بتسأل عليها وكأنها مهتمة، ورسالة بعدها بتقول إنها زعلت إنها مشيت بدري. الرسائل دي ما دخلتش قلبها، حسّت فيها ريحة شفقة مغلفة بكلمات حلوة. عينها دمعت وهي بترمي الموبايل على الكرسي اللي جنبها. اللحظة دي كان فيها قرار غريب بيتولد: هي لازم تغيّر حياتها. هتلاقي راجل أفضل من جوز سمر نفسها، حد يخليها تحس إنها مش لوحدها. دوست بنزين بقوة، العربية اندفعت لقدام بسرعة، وأصوات الكلاكسات وراها بدأت تملأ المكان، وكأن الناس أخيرًا فرحانة إنها اتحركت بعد ما كانوا واقفين وراها كأن الزمن وقف.