الفصل السادس والعشرين :
كان صباح جديد، والشمس بتدخل من شباك الفيلا بنورها الدافي، والجو رايق على غير العادة.
ربى كانت واقفة في المطبخ، لابسة فستان صيفي وشعرها مرفوع بشكل عشوائي، بس ملامحها لسة متوترة من امبارح كانت بتحضّر القهوة وهي وبتفكر في اللي حصل.. لكن رغم كل حاجة، كان فيه لحظة صدق، لحظة قرب خلتها تحس بالأمان للحظات.
في الوقت ده، دخلت سما من الباب، لابسة لبس الشغل ووشها منوّر، وابتسامة باينة على وشها.
ربى شافتها من بعيد وابتسمت ليها
"صباح الفل يا سما، شكلك مبسوطة النهارده!"
سما ضحكت بخجل
"صباح الخير يا مدام ربى، النهارده حاسة إن يومي هايبقى حلو..."
ربى اكتفت بابتسامة صغيرة ورجعت تكمّل شغلها في المطبخ، لسه شايلة إحساس الهدوء اللي بدأ معاها الصبح.
لكن فجأة سمعت صوت خطوات نازلة من فوق...
كان ناجد.
ناجد نزل لابس ثياب الشغل ، وشعره متسرّح، ووشه فيه و وسامته كانت واضحة كالعادة. وهو بيعدي في الرسيبشن، سما وقفت قدّامه بسرعة.
كانت بتبتسم بخجل واضح، وإيديها بتتلعب في بعضها بتوتر.
"بصراحة... أنا حبيت أشكرك يا أستاذ ناجد على إنك خليته يوصلني امبارح، بجد مش عارفة كنت هاعمل إيه لو ما كنتش ساعدتني."
ناجد ردّ بنبرة مختصرة وعينيه مش بتطول عليها
"مافيش داعي للشكر، ده واجبي."
في اللحظة دي، ربى خرجت من المطبخ، صوتهم وصلها وخرجت تشوف.
شافتهم واقفين قدام بعض...
سما بتبتسم بخجل، وناجد واقف قدامها بنظرته الباردة المعتادة.
وللحظة، ربى حست بحاجة غريبة في قلبها...
حاجة ماعرفتش تسميها.
غيرة؟ شك؟ توتر؟
مش عارفة، بس المشهد حرك فيها حاجة.
بس قبل ما تغوص في إحساسها، ناجد شافها، ووشه اتغير، راح لها على طول.
" تحضريلي فطار؟ أنا جعان وعايز آكل معاكي."
صوته كان فيه حنية، نبرة مختلفة، كأنه بينادي عليها بهدوء الدنيا كلها.
ربى هزّت راسها بهدوء
"حاضر من عينيا..."
بس عينيها لسه رايحة راجعة بينه وبين سما.
رجعت للمطبخ، بس كانت شاردة...
المشهد ماخرجش من دماغها.
كان عندها فضول تسأله... "كنتم بتتكلموا عن إيه؟"
لكنها كتمت السؤال، وبلعت فضولها، وقالت لنفسها
"أكيد مافيش حاجة... أكيد."
وابتدت تحضّر الفطار، وعقلها مشغول أكتر من إيديها.
_______
وساوس ربى كانت بتزيد يوم عن التاني، كل تصرف صغير بقى ياخد حجم كبير جوا عقلها...
بقت تلاحظ حاجات مكانتش تركز فيها قبل كده، زي نظرات سما اللي بتتغير كل ما ناجد يعدي من قدامها، النظرات اللي فيها لمعة مش بريئة، نظرات مش بتعدي كده وخلاص.
في الأول، حاولت ربى تقنع نفسها إنها بتبالغ، وإن الغيرة ممكن تخلّيها تشوف حاجات مش موجودة.
لكن اليوم ده... يوم ما سما سبقتها وعملت القهوة لناجد، القهوة اللي دايمًا هي اللي بتحضرها له، خصوصًا لما يكون قاعد في مكتبه وبيشتغل... حسّت إن في حاجة جوّاها بتتكسر.
ماقدرتش تستنى، دخلت مكتبه من غير ما تدق الباب، قلبها كان بيدق بسرعة وهي حتى مش عارفة ليه.
ناجد كان قاعد ورا مكتبه، لابس تيشيرت بيت وبنطلون خفيف، والنضارة عينيه ووشه باين عليه التركيز.
قدامه فنجان القهوة، اللي هي مش عارفة إذا كان شرب منه ولا لأ.
ناجد رفع عينه بخضة خفيفة وبعدين سألها
" حبيبتي في حاجة ؟"
ربى بصّت للفنجان، ثم له، وقالت وهي بتحاول تتحكم في نبرة صوتها اللي كانت على وشك تفضح غيرتها
"كنت هسألك... لو كنت عايز فنجان قهوة... بس..."
وأشارت بأطراف صوابِعها على الفنجان اللي قدّامه.
ناجد رمش بعينه كأنه لسه فاكر وقال ببساطة
"آه، سما اللي عملته."
ربى هزّت راسها بخفة، بنظرة كلها تقييم وقالت
"سما... حلو."
كلمة قالتها وكأنها بسيطة... لكن جواها كانت غليان.
كانت غيرانة بطريقة مرعبة، غيرتها ما كانتش بس من سما... كانت من فكرة إن حد تاني ياخد مكانها، حتى لو بحاجة صغيرة زي فنجان قهوة.
هي عمرها ما غارت قبل كده... دي أول مرة تحس بالاحتلال ده، أول مرة تحس إن في وحدة ممكن تحاول تقرب منه، وده خلّاها مش عارفة تتصرف، مش عارفة تتكلم.
ناجد كان حاسس إن في حاجة، فضل يبص لها مستني، مستني تقول اللي في بالها، لكن لما فضلت ساكتة، قال بنبرته اللي دايمًا فيها حنية
"ربى... عايزة حاجة؟"
سؤاله العادي جدًا، بنفس طريقته اللي متعود يقولها بيها، كان كفيل يشعل كل اللي كانت بتحاول تهديه.
ربى عضّت شفايفها، حست كأن الكلمة دي بالذات، بتأكد إنه مش فاهم هي ليه دخلت، ليه متضايقة.
فجأة رفعت صوتها وقالت بعصبية
"لا، آسفة، آسفة إني بضيع وقتك!"
ولفّت بسرعة وخرجت من الغرفة بخطوات حادة، سايبة الباب مفتوح وراه، وناجد واقف في مكانه مصدوم، مش قادر يفهم هي إيه اللي حصل.
ربى وهي خارجة، عدّت على سما اللي كانت في الممر... مافيش كلام، بس عيونهم تقابلت.
نظرة واحدة، كفاية كانت تخلي الدنيا تسكت.
كان باين على سما إنها سمعِت اللي حصل... أو يمكن كانت واقفة قريب، ربى ماعرفتش، ولا حتى حاولت تفتكر.
مشت بسرعة وهي بتحاول تلهي دماغها عن نار الغيرة اللي مولعة فيها... بس ما كانتش عارفة إن ناجد وراها، خارج من المكتب، وبيمشي وراها بخطوات سريعة.
ربى طلعت على أوضة النوم بخطوات سريعة وغاضبة، ولما دخلت، قفلت الباب وراها بقوة، كأنها بتحاول تفصل نفسها عن كل اللي حصل تحت. بس ماكملتش ثواني، وسمعت الباب بيتفتح تاني وناجد بيخش وهو باين عليه مش فاهم أي حاجة من اللي بيحصل.
كانت قاعدة قدام التسريحة، ماسكة الفرشة في إيدها وبتمشط شعرها كأنها بتلهي نفسها، بس في الحقيقة كانت بتحاول تدارى إحساس الغليان اللي جواها. ولما سألها ناجد بصوت هادي قلقان
"فيه حاجة يا ربى؟"
ردت ببرود مصطنع وهي باصة في المراية
"لأ، مفيش حاجة... ارجع لشغلك، وكمل قهوتك... احسن ما تبرد."
الكلام خرج منها بنبرة جامدة، بس كان فيه غصة صغيرة بتحاول تدفنها تحت كلماتها.
ناجد قرب منها، ولف الكرسي اللي قاعدة عليه بخفة علشان تبقى وشها في وشه، وسألها بنبرة مستغربة وهو بيحني ظهره
"يعني انتي زعلانة عشان سألتك عايزة حاجة؟ أنا ماكنتش بطردك والله."
ربى خدت نفس وقالت له وهي تبص بعيد عنه
"مش زعلانة يا ناجد... ممكن تسيبني أكمل شعري؟"
هو ساب الكرسي، وقف ساكت شوية، وبعدين قال بدهشة
"يعني أنا جاي علشان أعرف انتي زعلانة ليه، ترديني؟!"
قالتها من غير ما تبصله حتى
"أنا ما بطردكش... أنا كمان مشغولة، بس كده."
هو زفر نفس طويل، وعدل وقفته كأنه بيحاول يلم أعصابه، عينيه كانت راكبة عليها، بس هي مصممة ماتديلوش نظرة واحدة حتى. حس إنها بتبعد نفسها عنه أكتر، فقرر يسيبها تهدى، وبدأ يتحرك ناحية الباب.
بس قبل ما يوصل، اتفاجئ بصوتها بيقول
"يعني إيه... هتسيبني وتمشي كده؟"
وقف مكانه، لف ناحيتها وقال بجدية رغم أنه اتصدم من رد فعلها ماهي اللي طلبت منه يسيبها
"أنا ما بسيبكيش... انتي اللي مش عايزة تتكلمي."
رفعت صوتها فجأة، ونبرة الغيرة والوجع باينة فيها
"يعني لو أنا مش عايزة أتكلم خلاص؟ مش مهم؟ اتفرقع؟ أموت؟ عادي؟"
اتجمد مكانه، وقال
"بعيد الشر، إيه الكلام ده يا حبيبتي؟"
هي كانت واضحة، زعلانة ومتضايقة، واللي جواها كان أكبر من إنها تقدر تحبسه.
قرب منها تاني، وقال بنفاد صبر
"أنا بقالي ساعة بحاول أفهم في إيه، طب قوليلي غلطت في إيه وأعتذر، ونخلص!"
ربى هزت راسها بمرارة وقالت
" تخلص؟ بجد ؟... انت دايمًا مشغول، دايمًا وراك حاجة"
وكملت بسخرية لاذعة
" طب ما تعمللي تايمر! خمس دقايق كده تتكلم فيهم معايا قبل ما تروح لاجتماعك ولا لشغلك!"
ساعتها ناجد رفع حواجبه وقال بتحذير
"ربى... بلاش تتمادي."
بس هي وقفت، وقربت منه بخطوة، ونظرت له بنظرة متحدية وسألته بهدوء يخوف
"ولو تماديت؟ هتعمل إيه يعني؟"
أي حد تاني كان قال له الكلمتين دول بالنبرة دي، كان زمانه انتهى عنده من أول لحظة. بس لأنها ربى... هو سكت. معرفش يرد، ولا عايز يرد. لف وخرج من الأوضة، قافل وراه الباب وهو سايبها واقفة لوحدها، وصدى المشهد باقي في الجو، تقيل... وساكت.
______
ربى ما كانتش عارفة هي نامت إزاي أصلًا. آخر حاجة فاكرة نفسها قاعدة قدام التسريحة، والجو مشحون، وناجد خرج من غير كلمة زيادة.
صحت على صوت في دماغها... لا مش صوت، صداع.
الصداع اللي بقى صاحي معاها أول ما تفتح عينيها، وكأن عقلها بيرفض يبدأ يوم جديد.
شدت نفسها بالعافية من السرير، غسلت وشها، وقررت تنزل.
كانت فاكرة الوقت لسه بدري، لكن لما بصّت في الموبايل اتفزعت... العشا عدى بكتير.
تنهدت وهي بتعدل طرحتها وقالت لنفسها:
– "أكيد هو ساب الأكل، ما هو طول عمره كده، من غيري ما ياكلش. لازم أحضرله حاجة."
نزلت بهدوء، السلالم كانت ساكتة، والدنيا حوالين البيت مريبة كده، لا صوت ولا ريحة أكل.
كانت ماشية على أطراف صوابعها كأنها داخلة على مفاجأة... بس المفاجأة اللي استنتها ما كانتش دي.
دخلت المطبخ...
ولقت ناجد قاعد على الطرابيزة، بياكل.
في الأول افتكرت إنه جه جاب لنفسه حاجة بسرعة، بس لما سمعت صوت الصحون وهي بتتغسل، قلبها وقع.
لفت وشها ناحية الحوض...
كانت سما.
لابسة مريول المطبخ، وإيديها في المياه، بتغسل المواعين.
ربى حسّت حاجة بتوجعها فجأة... مش في راسها، في صدرها.
الصداع نسى نفسه، والوجع الجديد احتل مكانه.
فضلت واقفة لحظة، مش قادرة تتحرك.
عينيها راحت لناجد، كان بياكل من غير ما يرفع وشه، ولا حتى لاحظ وجودها.
هي اللي دايمًا تفكره بالأكل، هي اللي تحرص إنه ياكل، وهي اللي تستناه...
لكن النهاردة؟
كان بياكل وساكت... وسما هي اللي واقفة في المطبخ.
ما فكرتش، ما استنتش...
لفّت وطلعت السلالم بخطوات سريعة، كأن الأرض تحتها بتلسعها.
دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها بهدوء...
بس جواها كان في زلزال.
ما كانتش تعرف إن ناجد، من شوية، طلع فعلاً عشان يصحيها يتعشوا سوا زي كل يوم،
بس لما شافها نايمة ووشها تعبان، قلبه ما طاوعوش يصحيها...
نزل لوحده، وسما، كالعادة، دخلت تساعد بدون ما يطلب.
لكن ربى؟
ما كانتش تعرف حاجة من ده.
هي بس شافت... وحست.
وحالياً، هي قاعدة فوق، في أوضتها، بتفتكر صوت المواعين... والكرسي اللي كان دايمًا قدامها، وبقى النهاردة فاضي.
______
بعد مدة ....
ناجد طلع السلالم بخطوات هادية، ماسك كوباية المية في إيده، خلص أكله من غير نفس، ومن غير ولا كلمة. هو أصلًا عمره ما استمتع بالأكل إلا في وجود ربى… ربى اللي كانت بتتكلم كتير على السفرة، حكاياتها ماتخلصش، بس هو عمره ما حس إنه زهق. بالعكس، كان ممكن يقعد يسمعها للصبح من غير ما يمل.
دخل الأوضة بهدوء، فتح الباب من غير صوت تقريبًا، وعينيه دارت تدور عليها… لقاها قاعدة على السرير، ضامة رجليها لصدرها، والتلفزيون شغال قدامها من غير ما تكون مركزة فيه. شكلها كانت سرحانة، وتعبانة.
قرب منها بخطوات ناعمة، وقال بنبرة فيها حنان واضح
"جِعانة؟ أعملّك حاجة تاكليها؟"
ومد إيده علشان يطبطب على شعرها بلُطف... لكن ربى فجأة سحبت نفسها، وسابته واقف، إيده في الهوا كأنه الزمن اتجمد للحظة.
هو اتفاجئ... مش مستوعب رد فعلها. هي لسه زعلانة كده؟!
ربى بهدوء فيه وجع
"يعني قلبك جامد للدرجة دي؟ علشان تحديتك... نزلت واكلت من غيري؟"
بصّت له، عينيها كانت فيها خيبة أمل.
ربى بتكمل
"فين كلامك إنك ماتقدرش تاكل غير وانا معاك؟"
ناجد اتسمر، عقله بدأ يرجع بالزمن… إمتى نزلت؟ إمتى شافته؟!
ناجد بيحاول يشرح
"أنا… أنا نزلت لما لقيتك نايمة، ومقدرتش أصحّيك… مكانش ينفع أزعّجك وانتي تعبانة…"
ربى بحدة مستنكرة
"يعني قبل شوية القهوة، ودلوقتي العشا…! خلاص بقيت بتستغنى عنّي، بقيت بتعمل كل حاجة من غيري، عادي؟!"
رفعت صوتها، صوتها كان فيه ألم مش غضب وبس.
"إنت اللي كنت بتقولي القهوة ملهاش طعم غير من إيدي، والأكل مايتاكلش إلا وإحنا سوا… دلوقتي بقى كله عادي؟!"
سكتت لحظة، وبعدين بصّت له، نظراتها فيها وجع مكبوت.
"أنا بدأت أشوف حاجات مش عاجباني…"
ناجد مضيق عينيه، بيحاول يفهم
"زي إيه؟"
ربى لفّت وشّها، عينيها بتدور على الكلمات… على الشجاعة يمكن.
ناجد واقف مستني، صبره بيقل
"بتقولي إنك شايفة حاجات، طب اتكلمي… قوليلي، في إيه؟"
ربى بصّت له وسألت بنبرة مليانة تردد وغيرة
"في إيه بينك وبين سما؟"
سؤال وقع زي القنبلة.
ناجد اتسمر في مكانه، مش مصدق إنها سألت كده.
ربى بسخرية حزينة
"ما أنا عارفة إنك مش هتجاوب، فليه أسأل أصلاً؟"
ناجد منفعل
"مش هجاوب على حاجة مش موجودة! فين دماغك؟ سما؟! دي انتي اللي جايباها البيت، وشغلها كده!"
ربى زعقت
"شغلها تهتم بالبيت… مش بسيد البيت !"
بعد الكلام اللي دار بينهم، الجو في الأوضة كان مشحون جدًا. ناجد حاول يفضل هادي، كان بيكتم غضبه بصعوبة، عارف إن ربى بتغير وإنها متضايقة، بس حاسس كمان إنها بتقلب الدنيا على حاجات تافهة. حاول يفضل متفهم، يطوّل باله، يهدّيها، لكن ربى كانت مصممة إنها "تطلّع اللي في قلبها"، وبطريقتها الخاصة... اللي هي الصراحة شبه خناقة.
هو كان واقف قدامها، بيتنفس بهدوء مصطنع، بيقاوم إنه يزعق، وهي قدامه واقفة بتبص له بنظرات مليانة لوم وغيرة وقهر.
فجأة، وبرد فعل عنادي جدًا، أخدت الوسادة من فوق السرير، حضنتها لصدرها ومشيت ناحية الكنبة، دفعت كتف ناجد وهي بتعدّي من جنبه، لا عنف ولا قصد إيذاء، بس دفعة كأنها بتقول "بعد عني".
ناجد بص لها باستغراب وقال وهو مبرق
"إيه اللي بتعمليه ده يا ربى؟"
ردّت عليه من غير ما تبص له، بصوت عنيد وهي بتحط الوسادة على طرف الكنبة
"زي ما انت شايف!"
قعدت على الكنبة، سندت ضهرها، ورفعت رجليها بتحدي، كأنها بتقول له "جرب تعيش من غيري بقى!"
هو واقف مكانه، زفر زفرة طويلة، مسح على وشه بإيده كأن أعصابه خلاص قربت تنهار، وسحب بيجامته من الدولاب، ومشى ناحية الحمّام وهو بيكلم نفسه بهمس مش واضح.
باب الحمّام اتقفل، وربى لفت وشها نحوه لحظة، وبعدين رجعت تبص للسقف، فضلت ساكتة ثواني، وبعدين ابتسمت...
الابتسامة دي مش بتاعت رضا، كانت ابتسامة كلها خبث وعناد، كأنها بتقول
"طيب يا ناجد، انت اخترت، وهتشوف أنا ممكن أكون ازاي لما أقرر أعيش كأني مش موجودة في حياتك."
وبينها وبين نفسها قررت... خلاص، هتبدأ خطة "خليه يندم"، وتشوف إذا فعلاً يعرف يعيش من غيرها زي ما بيتصرف.
______
الساعة كانت عدّت نص الليل، والدنيا كلها نايمة إلا ناجد…
نايم على السرير، متقلب يمين وشمال، كل شوية يشد الغطا وبعدين يرميه، يغمض عينه ويفتحها، يبص للسقف وبعدين يدفن وشه في المخدة، بس مفيش فايدة.
كل حاجة فيه كانت بتصرّخ إنه مش مرتاح… لا هو مرتاح في النوم، ولا في البُعد عنها.
هو أصلًا متعود ينام وهي جنبه، يشم ريحتها، يدفن وشه في رقبتها، يحس بدفا حضنها، بس دلوقتي… مفيش غير برد السرير والوحدة.
رفع راسه وبص ناحية الكنبة…
ربى كانت ممددة هناك، حضنة الوسادة اللي سابت السرير مخصوص عشانها، بتتفرج على التلفزيون، ومركزة جدًا، كأنها مش واخدة بالها إنه في نفس الأوضة بيتقلب زي السمكة اللي اترمت برّا المية.
هو عارف إنها زعلانة… ومش بس كده، دي قررت تعاقبه!
والسبب؟ إنه أكل من إيد سما… اللي هي جايباها تشتغل أصلاً!
مش قادر يفهم دماغها… هي اللي جايباها، وهي اللي زعلت لما دي طبخت له وأكل!
"يعني أعمل إيه يعني؟ أقول لها لا مااكلش؟" قالها لنفسه بضيق.
اتقلب تاني، مسك المخدة وضغطها جامد، وبعد لحظات من الصمت، انفجر وقال بغيظ واضح
"ربى، يا ربى، وطي الصوت شوية… مش عارف أنام!"
بس هي؟
ولا كأنها سمعاه.
فضلت قاعدة، بتتفرج على البرنامج بكل هدوء، سابته يشتعل براحته!
ناجد شال الغطا برجله بعصبية، ونهض من على السرير، ومشي بخطوات سريعة ناحية الكنبة، خطف الريموت من جنبها وطفي التلفزيون بحركة حاسمة.
لكن… فجأة، قلبه وقع.
كان مستني اعتراض منها، صرخة، كلمة، أي حاجة…
بس هي؟ بس شالِت عينيها عليه، وبصت له بنظرة بريئة وعنيّها مبلولة باللمعة، وشفايفها مطبوطة زي الطفل اللي اتسحبت منه لعبته المفضلة.
المنظر كسر قلبه…
تنهد بحرقة، ومَدّ إيده بالريموت ليها، وقال بقلة حيلة
"خديه… شغّلي اللي انتي عايزاه، اتفرجي براحتك مش هعترض"
وبعدها رجع على السرير، ساحب نفسه كأن في جبل فوق كتافه، وكل أمله إن الليلة دي تخلص، وإن ربى ترجع تِحنّ شوية…
أما هي؟
أول ما اختفى ورا الحيطة، ضحكة صغيرة خرجت منها، حاولت تكتمها بإيدها، وبعدين ابتسمت بخبث، وهي بتشغل التلفزيون تاني.
لكنها وهي بتزود الصوت… لا، وقفت، ونقصته، نقصته كتير، لحد ما بقى واطي جدًا…
كانت لسه زعلانة، آه، بس في الآخر، مش قادرة تزعّله أكتر من كده، ولا تتحمل إنها تكون فعلاً مأثرة على نومه.
ورجعت تتفرج… وهي حاسة بانتصار صغير في قلبها، وفي نفس الوقت، بدفء غريب… دفء اسمه "ناجد".
_______
الصبح بدري…
ناجد فتح عينه على صوت العصافير برّه، أول حاجة عملها كانت إنه بص ناحية الكنبة…
كانت فاضية.
ربى قامت قبله، ودي حاجة مش معتادة… هي دايمًا بتكون نايمة جمبه أو لسه بتتقلّب.
قعد على طرف السرير، مسح على وشه، وبعدين دخل الحمام، أخد دوش سريع، ولبس هدومه للشغل.
بس وهو بيزبط الكرافتة قدام المراية، كان فيه فكرة واحدة مش بتفارق دماغه
"مش هعدي الليلة دي كده كمان… لازم نصلّح الوضع. ربى مش هتفضل زعلانة مني يوم كمان."
نزل السلم بخطوات سريعة.
أول ما دخل الصالة، لمح سما بتكنس الأرض، قالت له بضحكة
"صباح الخير يا أستاذ ناجد!"
هو رد بهدوء
"صباح الخير"، بس من غير روح، وكل تفكيره فين ربى.
دخل المطبخ، لقاها واقفة عند الحوض، ضهرها له…
كانت بتغسل الأطباق.
ما بصّتش عليه، حتى لما سمع خطواته… كأنها مش شايفاه.
وقف وراها، سألها بنبرة مستغربة
"انتي فطرتي؟"
ردّت وهي مكملة شغلها، من غير ما تلتفت
"آه… لقيتك نايم، قلت مش حابة أزعّجك."
نفس الجملة اللي هو قالها ليها امبارح بالضبط.
اتعصّب.
مسكها من دراعها فجأة، وده خلّى الصابون يطير من إيديها على الأرض وهي تتفاجئ،
بس ما قالتش ولا كلمة…
فضلت تبصله بعنيها الواسعة، ساكته.
قال بنبرة مكسورة ومخنوقة شوية
"انتي بترديهالي يعني؟"
ربى رفعت حواجبها وقالت ببرود
"أردلك إيه؟ مش فاهمة…"
زفر بغيظ، حاسس إنه على وشك ينفجر، بس قاوم نفسه بالعافية…
قال بحتة هدوء مصطنعة
"أنا جعان… عايز آكل قبل ما أخرج."
ربى بصت له ثواني، وبعدها رفعت صوتها وهي بتنده على سما
"سماا! تعالي حضّري فطار للأستاذ ناجد… أنا طالعة أرتّب حاجات فوق."
ناجد وقف مش مصدق.
حتى سما نفسها اتلخبطت وقالت بخجل
"حاضر يا مدام ربى…"
وسارعت تدخل المطبخ.
هو بص لسما، وبعدين رجع ببصته لربى
وقال لسما بحدة
"بلاش يا سما، مش عايز آكل حاجة."
وبعدين ساب دراع ربى، وخرج من الباب من غير كلمة تانية.
ربى وقفت لحظة، وبصت على سما اللي كانت واقفة متلخبطة،
ابتسمت لنفسها بس بخفة، من غير ما تبين،
وبعدين طلعت هي كمان فوق… سايبة وراها حرب باردة شكلها لسه ما خلصتش.