زياد
كنت في المطبخ أعد الطعام في فرح عندما سمعت باب المنزل يفتح بقوة، خرجت من المطبخ لأرى أخي الصغير إبراهيم يدخل مطأطأ الرأس، تبدو عليه ملامح الحزن و الغضب. فقلت له بنبرة حائرة :
_. ها أنت يا أخي، أين كنت طوال هذا الوقت، لقد أعددت طعاما شهيا لنتناوله نحن الإثنان.
هز رأسه إيجابا و أدركت أن هناك خطبا ما، فسألته لكنه لم يجب، ما جعلني أضطر لإستخدامي سحري. مسكت بمعصم يده بقوة و بدأت عيناي تشعان ضوءا، فجأة، حمل عصاه و تمتم بتعويدة دفعتني و أسقطتني أرضا. أحسست بألم في جسدي لكني قلت له بصوت جاد و حازم و أنا عاجز عن الوقوف :
_. لماذا ذهبت إلى بحيرة الأرواح؟ لقد أنذرتك على أن لا تذهب لذلك المكان مرة أخرى!
وقف من مكانه، تعابير وجهه مظلمة، إنه ليس إبراهيم الذي أعرفه. الغضب يخرج منه كالنار المشتعلة، عيناه سوداوتان من الكره.
قلب الطاولة التي عليها الطعام قبل أن يصرخ:
_. لا أريد سماع صوتك، أنت دوما ما تقول هذا الكلام، و أنت الساحر المساعد للملك. و سأحدرك، لا تستعمل سحرك علي لمعرفة ما جرى لي.
ثم خرج من البيت تاركني بجروح ودماء تسكب على الأرض بسبب قوة سحره، ألفت وجهي لأرى أن كل الطعام الذي أعددته بحب مسكوب على الأرض.
بدأت بوضع يدي على إصاباتي و أنا أتمتم بتعويدة الشفاء حتى يلتئم جرحي، و بدأت أنظف البيت و الحزن واضح على ملامحي. تحطم قلبي بسبب تصرفه الغريب. فجأة، سمعت جرس إندار مدينتنا يرن. حملت عصاي وخرجت من البيت لأجد حالة من الهرج و المرج، النساء تصرخ، الأطفال تبكي، والرجال يحاولون حماية عائلاتهم. الجو غائم. ثم لمحت الملك سمير وهو يجمع السحرة، إتجهت له و سألته و الحزن يضهر في وجهي :
_. يا ملكنا العظيم، ماذا يجري؟
كان الخوف و القلق يظهر على وجهه، وهنا أدركت أن الأمر أكثر خطورة مما كنت أضن. بدأ يحدق بي وعيناه تحكيان الخطر الذي يحصل، ثم قال بلهجة غير واضحة :
_. ز.... زياد. لقد هلكنا يا زياد، كل الجهد الذي بدله أسلافنا سيذهب هباء منثورا يا زياد.
تغيرت ملامح وجهي من حزن إلى قلق، وكأن صاعقة ضربتني، لقد فهمت ما الذي يحصل، ثم تركني هو و السحرة متجهين إلى الهدف. جلست على ركبتي مطأطأ الرأس، متجاهلا الناس التي تسير بخوف بجانبي، إني الآن عالق في أفكاري الوخيمة، الدموع تسقط على وجنتي كالمطر الغزير، إني لا أعرف ما أفعله، أفكاري تلتهمني، لأتذكر وصية والديَّ لي قبل مماتهما. إعتن بأخيك جيدا! إن أخاك أمانة لديك. نحن نثق بك.
رفع رأسه إلى السماء و قال بصوت يكاد يكون يحتضر:
_. آ... آسف.... آسف يا أبي، آسف يا أمي، إنني.... إنني لست بقدر المسؤولية، إذا عرف الملك أنه السبب... ف... فسيقتله!
فجأة، وكأن السماء سمعت نداءه. توسعت عيناه أملا، وكأن معجزة ما على وشك الحدوث. نهض من الأرض وبدأ يهرول إلى الهدف.