عيون لا تنام
مرّت ليالٍ طويلة منذ أن وطئت قدماه القصر، لكن الزمن لم يعد يُقاس بالساعات بل بنبضات قلبها المرتبك كلما نظرت إليه.
أدريان...
ذلك الغريب الذي لم يسألها عن اسمها يومًا، لكنه نطق بحقيقتها من أول نظرة.
منذ دخوله، بدأت أشياء غريبة تحدث. المرايا تنكسر دون سبب. كتبها المفضلة تظهر مفتوحة على صفحات كانت قد نسيتها. وذات ليلة، وجدت دفترها المغلق مفتوحًا على سريرها، على الصفحة التي كتبت فيها ذات مساء:
"أنا أذوب من الداخل، وكأن هناك شيئًا يناديني من قلب الظلال."
---
في اليوم الخامس، التقت به في المكتبة.
كان واقفًا أمام النافذة، والضوء الرمادي ينعكس على ملامحه، وكأن الغروب اختار أن يسكن فيه. لم يلتفت إليها، لكنّه قال بصوت هادئ:
— "القلق في عينيكِ يصرخ، ليانا... لماذا لا تتركينه يتكلم؟"
تجمدت. لم تخبره باسمها. لم يسبق لها أن قالت له شيئًا.
اقتربت منه، ببطء كما لو كانت تخشى أن يتلاشى، وسألته:
— "من أنت؟"
نظر إليها أخيرًا. عيناه لم تكن عادية. كانت هادئة جدًا… لدرجة مخيفة. وكأنهما رأتا أكثر مما ينبغي.
ابتسم بخفة، ثم أجاب:
— "أنا من يسمع صدى الألم حين ينكره الجميع."
---
مرت الأيام، وكل لقاء بينهما كان يشبه مقطعًا من حلم نصفه نور ونصفه هاوية.
بدأت تتحدث معه أكثر. عن أمها التي اختفت، عن وحدتها، عن كوابيسها التي تعود كلما سقط المطر. وكان هو، كلما تكلمت، يصغي بصمت مذهل، وكأن كل كلمة منها ترممه.
لكنه كان يخفي شيئًا… شيئًا لا يمكنها لمسه، رغم اقترابه منها أكثر من الجميع.
---
في إحدى الليالي، سمعت صوت كمنجة خافتة يأتي من قاعة العزف القديمة، التي لم يدخلها أحد منذ اختفاء والدتها. اقتربت من الباب المكسور… وكانت الأصابع التي تعزف على الوتر… هي أصابعه.
كان يعزف بحزن يملأ القاعة، والموسيقى تقشر جدران القصر من الذكريات.
حين لاحظ وجودها، توقف فجأة، وكأن الحزن لا يجوز أن يُرى.
اقتربت منه، لأول مرة دون خوف.
— "هذه لحن أمي…"
هز رأسه، ولم يجب. كانت عيناه تترقرق فيهما دمعة واحدة، لكنها لم تسقط.
سألته مجددًا:
— "أدريان… كيف تعرف هذا؟ من أين أتيت حقًا؟"
فأجاب بصوت هامس، وكأن الكلمات ترفض الخروج:
— "لأنني كنت هنا… قبل أن تولدي حتى."
تراجعت خطوة للوراء. نبضها ارتفع، يداها ترتجفان.
— "ماذا تعني؟ هل... هل كنت تعرف أمي؟"
لكنه لم يجب.
بل نظر إليها بعمق، ثم همس:
— "أخشى أن ما بيننا، ليس قصة حب… بل لعنة تنتظر من يكسرها."
---
في تلك الليلة، حلمت بأمها واقفة في قاعة المرايا، تبكي بلا صوت، وفي الظل خلفها… كان أدريان.
لكن حين استيقظت، وجدت شيئًا مرعبًا.
ورقة قديمة تحت وسادتها، مكتوب عليها بخط يشبه خط أمها:
"إياكِ أن تثقي بعينين لا تنام."