وصول الجثة الناطقة
الثلج يتساقط بهدوء خانق على نوافذ مشرحة مستشفى "الهضبة السوداء"، حيث يعمل "نذير" وحده في المناوبة الليلية. كان الصمت يسيطر على المكان، إلا من صوت جهاز التدفئة البالي، الذي يئن كل عدة دقائق ككائن يحتضر.
كان نذير يهوى هذا الهدوء... أو هكذا كان يعتقد.
في الساعة 2:13 صباحًا بالضبط، دوّى جرس الباب المعدني الخارجي للمشرحة، صوتُه كان كطعنةٍ وسط السكون. ارتجف نذير من مقعده، وذهب ببطء نحو الباب.
رجلان بالزيّ المدني، لا شارات، لا هويات، كانا ينتظران عربة صغيرة تُجرّ عليها جثة مغطاة بملاءة قماشية سميكة. أحدهما أعطاه ملفاً، بدون أي أوراق رسمية، فقط ورقة صفراء مكتوب عليها بقلم حبر أسود:
> "لا تفتح الصدر. لا تقترب من القلب. لا تحقن شيئًا داخلها."
نظر نذير إليهم، أراد أن يسأل، لكن أحد الرجلين قال بصوت منخفض وعيناه لا تتحركان:
"ليست لنا. وجدت في الجبال. استلمها فقط… ثم انسَ أنك رأيتها."
ثم غادرا دون أن يلتفتا.
نذير أغلق الباب. ساد صمت مريب.
عاد إلى الطاولة، وسحب الملاءة.
الجثة لامرأة، في الأربعين تقريبًا، شاحبة بشكل غير طبيعي، جلدها يشبه الشمع، لكن ليس أي شمع… بل ذلك الذي ذاب وتجمّد عدة مرات. على جبهتها وشم محروق، دوائر متداخلة، كأنها أعين ملتوية تنظر من كل زاوية.
لكن أكثر ما أثار رعشة داخل عموده الفقري:
عيناها.
ليستا مغلقتين.
ولا مفتوحتين بشكل كامل.
بل نصف مفتوحتين… وموجهتين نحوه مباشرة.
وكأنها تراقبه… دون أن تراه.
عندما حاول نذير، بارتباك، إغلاق الجفنين، حدث ما لم يتوقعه:
الجفن الأيمن ارتجف.
ليس انكماشًا عضليًا ما بعد الموت. بل حركة مقصودة… رفضت الإغلاق.
قال في نفسه:
> "ردة فعل عضلية… جثة جديدة فقط."
لكنه بدأ يُلاحظ أشياء أخرى.
الأظافر... غير متطابقة.
بعضها طويل، مشقق، كأنها حفرت في الحجارة، وبعضها نظيف وناعم كالزجاج.
الجلد حول الرقبة… فيه غرزة غريبة بلون أسود.
عندما قرب وجهه ليفحصها، شمّ رائحة… ليست نتنة. بل كريهة بطريقة معقدة… خليط من الكبريت… الدم… والماء الراكد. رائحة مقابر.
وبينما يهمّ بإعداد المشرط للمعاينة، لمح حركة خفيفة عند البطن.
تجمّد.
نظر بتمعن.
لا شيء.
ثم فجأة… حركة خفيفة أخرى.
كأن شيئًا يتحرك من الداخل… يتمدد تحت الجلد.
اقترب نذير… ووضع يده على البطن.
"نبض."
سحب يده بسرعة. ليس من المفترض أن يكون هناك نبض.
صوتٌ خافت خرج من الحنجرة.
كركرة؟
أم... كلمة؟
أم أن عقله بدأ ينهار؟
حاول تجاهل ما يشعر به، وبدأ التشريح من الجهة اليمنى للصدر. لكنه تردد.
"لا تفتح الصدر."
تذكّر التحذير.
لكن الفضول أقوى. كان دائمًا يفتش عن شيء "مميز"، شيء يجعل لحياته معنى.
ضغط برأس المشرط… وفتح الجلد.
وفجأة، خرجت فقاعة هواء… من الداخل.
نعم، الهواء خرج من الجثة. ليس عاديًا. كان دافئًا.
ثم سمعه بوضوح:
همس.
كلمات أنثوية... تتردد من الداخل.
بلغة لا يعرفها.
لكنها موجّهة إليه.
> "لا تفتحني... لن تسدّني من جديد."
صوته ارتفع:
"من هناك؟!"
لكن الجسد أمامه ما زال بلا حركة.
لكنه لم يعد جثة…
كان يتنفس ببطء.
نذير أغلق المشرط، تراجع مذعورًا، وركض نحو الباب ليغادر.
لكنه حين عاد بعد ساعة، ودفع الباب ببطء…
الجثة لم تكن كما تركها.
صدرها مفتوح بالكامل.
القلب… غير موجود.
وفي مكانه، شيء حيّ… كتلة لحمية رمادية تمتص من قفصها الصدري خيوطاً تشبه الجذور.
الشيء كان ينبض. لا بسرعة قلب، بل… كأنها نبتة تنمو في الظلام.
رفع المصباح اليدوي وسلّطه على الكتلة…
ففتحت عينًا.
نعم، عين بشرية، حمراء بالكامل.
ونظرت له… ثم أغمضت نفسها بهدوء، كما لو أنها "رأته… وسجلته."
وظهر على الجلد المتشقق تحت الصدر، سطر بلون بني داكن كُتب من الداخل:
> "مرحبا بك، حاضننا."