الفصل السادس
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل.
الشوارع خالية، والريح تلعب بالأوراق الجافة.
خرجت ليان من بيتها دون حقيبة، دون هاتف… فقط دفترها الأسود بين يديها، وكأنها تعرف أنها لا تحتاج شيئًا آخر.
مشت حتى وصلت إلى ذلك البيت المهجور.
الباب... لم يُصدر صوتًا هذه المرة، وكأنّه اعتاد دخولها.
نزلت السلالم بثبات، رغم كلّ ما شعرت به من غرابة وخوف… لكنها اليوم، لم تتردّد.
وقفت أمام الباب الحديدي، نظرت إلى العلامة السوداء عليه.
لم تكن مجرد نقطة…
بدت كأنّها تنبض. كأن شيئًا ما في داخلها يتحرك، يراها، يتربّص بها.
وضعت يدها على الباب.
البرد تسلّل إلى عروقها، لكنّها لم تتراجع.
همست، كأنها تعترف:
— أريد فقط أن أكتب.
ثم شدّت المقبض.
الباب لم يمانع.
انفتح ببطء، وكأن أحدًا من الداخل… كان ينتظر.
الهواء تغيّر فورًا. أصبح أثقل، أبطأ.
لم تكن هناك أضواء. فقط ظلام يبتلع كل شيء.
ومع ذلك، تقدّمت ليان.
خطوة.
اثنتان.
وكل شيء في عقلها كان يصرخ: "اخرجي."
لكنها قالت في نفسها:
— إن خرجت الآن… لن أكتب مجددًا أبدًا.
تقدّمت أكثر، حتى بدأت ترى جدرانًا أقدم، وسلاسل صدئة… وظلّ على الأرض.
جسد مستلقٍ، مقيد من يديه.
لم تتحرك. لم تصرخ.
فقط نظرت، وتنفّست ببطء.
لم تكن تعلم… أن هذا هو الباب… الذي لا ينغلق بعد الدخول.
---
كان جسده مُسجى على الأرض…
لا حراك، لا مقاومة.
فقط كائن بشري تكسّرت فيه السنوات.
السلاسل تشدّ يديه منذ زمن، صار لا يشعر بالحديد، بل كأن العظام هي التي صارت قيدًا على نفسها.
عينه نصف مفتوحة، تشاهد الفراغ… وتغرق فيه.
همست:
— من أنت؟
لم يتحرك.
عيناه اتسعت قليلاً. شيء في الصوت لم يكن من هنا… ولا حتى من أولئك الذين مرّوا بالعتمة.
حاول الرد، لكن صوته خرج ميتًا، كأنه عالق في الحنجرة.
شدّ السلسلة ببطء، والحديد صرخ بصوت خافت، ثم فتح عينيه كاملًا، ونظر مباشرة نحو الباب.
الظلّ ما زال واقفًا.
ملامحه غامضة، لكن ريفان يعرف…
هذا الصوت… لا يشبه العالم الذي يعرفه.
همس أخيرًا، بصوت كالصقيع:
— اخرجي… قبل أن أفسدك.
لكن ليان لم تتحرك.
لم تقترب. لم تهرب.
فقط نظرت، وصمتها كان أعمق من سؤاله.
في تلك اللحظة، فهم ريفان شيئًا واحدًا:
الصمت… لم يعد ملكه وحده.
---
قالت بصوت خافت:
— هل أنت سجين… أم الحارس؟
لم يكن صوتها قويًا، بل كأنها تسأل نفسها أكثر مما تسأله.
ريفان أغلق عينيه، تنفّس ببطء، ثم همس ببرود مميت:
— لا فرق.
ليان تقدّمت خطوة. الظلال كانت تملأ الغرفة، لكن ملامحه تظهر وتختفي في الظلمة، مثل حلم غير مكتمل.
قالت:
— لم أرك من قبل.
رد دون أن ينظر إليها:
— وأنا لم أطلب أن تريني
جملة باردة، كأنها سكين تنغرس في الهواء.
ليان سكتت. في داخلها، شيء خافت يُخبرها أن هذا الشخص… ليس طبيعي.
ليس فقط بسبب السلاسل. بل بسبب عينيه.
كانت ترى فيهما… اللاشيء.
قالت بهدوء:
— أنا… لم أكن أقصد أن أزعجك.
حرّك ريفان رأسه قليلاً، ثم قال بنبرة خالية من أي شعور:
— لكنك فعلتِ.
جدار ثقيل من اللاشيء تمدد بينهما.
ليان رفعت دفترها… فتحته على صفحة بيضاء.
ثم قالت:
— ربما لا أزعجك… أنا فقط أكتبك.
لم يرد.
أدار رأسه للجانب، وأغمض عينيه كما لو أغلق الباب بوجه العالم من جديد.
همس بالكاد يُسمع:
— إذًا… اكتبي نهايتي.
---
وقفت ليان دون حركة.
لم تكتب. لم تهرب.
قالت فقط:
— لم يكن عندك اسم في تلك الجملة.
لم يرد.
— قلتَ… "اكتبي نهايتي".
رفعت عينيها نحوه، ثم أضافت:
— لكن كيف أكتب نهاية شيء… لا أعرف من أين بدأ؟
ريفان تنفّس ببطء. شعر بشيء يتحرّك في صدره… شيء ثقيل، قديم، مثل رماد اشتعل فجأة دون نار.
قال بصوت بارد، مكسور بطريقة خفية:
— لأن بدايتي… لا تصلح أن تُكتب.
تقدّمت خطوة أخرى، همست:
— كل شيء يُكتب… حتى الخراب.
ابتسم بسخرية، دون أن تراها، ثم قال:
— الكتابة ليست شفاءً. إنها مجرّد طريقة أنيقة للنزيف.
جلست على الأرض. كانت باردة، لكنها بقيت تراقب ظهره.
همست:
— لو كانت الكتابة نزيفًا… فأنا أبحث عن جثتك.
التفت ببطء.
لأول مرة ينظر إليها مباشرة.
عينيه… سوداء، عميقة، لا تشبه أي عيون بشرية.
لكن فيها لمحة…
لمحة شخص نسي كيف يعيش، لكنه لم يمت تمامًا.
سألها ببرود:
— لماذا أنتِ هنا؟
قالت دون أن ترفع صوتها:
— لأنّي فارغة…
ثم نظرت في عينيه وأضافت:
— … مثلك.
ريفان سكت.
ولأول مرة منذ سنين… لم يكن لديه رد.
فقط…
الختم في عنقه بدأ يدفأ.
---
— من أنتِ؟
نطقها أخيرًا… بصوت متردد، كأن السؤال لا يعنيه.
أجابت دون تردد:
— أنا كاتبة… أضعت قصتي.
ابتسمت بسخرية:
— أو ربما… القصة هي التي أضاعتني.
قال ببرود:
— هذا ليس مكانًا للبحث.
قاطعته:
— بل هو المكان الوحيد…
لمست الأرض بأطراف أصابعها، ثم همست:
— لا أحد ينزل للقاع صدفة.
استلقى على الجدار، عينيه نحو الأعلى، كأنه يرى سقفًا لا وجود له.
قال بصوت خافت:
— القاع… لا يرحم من يحاول فهمه.
ردّت:
— وأنا لا أبحث عن رحمة.
صمت.
جملة تلو الأخرى، كانت تكسر شيئًا بداخله…
شيئًا ينبض تحت جلده، في عنقه، في تلك النقطة التي ظن أنها بردت إلى الأبد.
فجأة قال:
— لماذا لا تهربين؟
قالتها بهدوء:
— لأن الظلمة هنا… تشبهني أكثر من الضوء.
ابتسم ريفان… لكنها لم تكن ابتسامة.
كانت كسرة على شفاه رجل نسي شكل الفرح.
قال:
— الموت هنا أبطأ من الخارج.
ردّت، كأنها تقرر:
— لا يهم.
ثم همست:
— على الأقل هنا… يموت شيء حقيقي.
التفت إليها.
عينيه لم تعد سوداء تمامًا…
فيها رماد… وفي الرماد، جمرة خافتة.