الفصل الرابع،_ حين رأيتك اخر مره
لم يكن يتوقع أن يرى دموعًا بهذا النقاء…
كان واقفًا خلف نافذة السيارة، طفلًا في العاشرة، عندما سمع صوت الصدمة، ثم الصراخ…
نظرت عيناه نحو الرصيف، فرأى فتاة صغيرة تُسقط دميتها وتجري نحو جسد امرأة ممددة على الأرض.
كانت تصرخ وهي تهزّ جسدها… "ماما، قومي… قومي يا ماما!"
يوسف لم يتحرك… لكنه لم ينسَ.
"كنتِ تبكين، وأنا كنت أختبئ خلف زجاجي، لا أعرف كيف أنقذك من العالم."
سنوات مرّت.
وجوه كثيرة نسيها، لكنكِ… لا.
عندما كبر، بحث عن اسمك.
وجدكِ في قوائم كلية الطب، سنة بعد سنة.
تابعك من بعيد… جلس في نفس المكتبة التي تذاكرين فيها، وتظاهر بأنه يقرأ.
مرّ بجوارك مرات كثيرة دون أن تلاحظي.
لكنه كان يحفظ حتى صوت خطواتك.
والآن، أنتِ في سنتك الأخيرة.
ولم يعد يحتمل الاختفاء.
**" انا مش عايزك تحبيني دلوقتي"
يوسف أغلق دفتراً صغيراً يحمل صورتك – تلك التي التُقطت لك في السنة الثانية، يوم كنتِ تمسكين ملفًا وتقفين وحدك.
لم تكوني تبتسمين…
لكنكِ كنتِ الأجمل في عينيه.
في الغد، سيرى ردّة فعلك على رسالته.
وسيعرف…
هل تتذكّرينه؟
أم أنكِ نسيتِ كل شيء؟
> جلست فرح على طرف سريرها، تنظر إلى الورقة للمرة العاشرة.
الكلمات فيها لم تتغير… لكن شعورها تغير.
" انا لسه فاكرك وانتي بتعيطي في الشارع.... مامشتش ."
من أين له أن يعرف؟
لا أحد كان هناك.
لا أحد رأى دموعها وهي طفلة ممزقة القلب.
إلا إن كان…
– "فرح، سرحانة في إيه؟"
رفعت عينيها، وجدت آسيا تمسك بكوب شاي دافئ، تمدّه نحوها بابتسامة حنونة.
– "ولا حاجة… صداع بسيط."
– "كذابة."
دخلت أسيل كعادتها بدون استئذان، وجلست بجانبها.
– "من ساعة ما رجعنا من الكافيه وإنتي مش طبيعية. حصل حاجة؟"
فرح فكّرت للحظة… هل تخبرهما؟
لكنها لم تفعل.
– "بس يمكن شوية ضغط دراسة… محتاجة أرتاح."
نظرت إليها آسيا مطولًا ثم قالت بلطف:
– "خدي بالك من نفسك. أي حاجة بتحسي بيها، إحنا معاكي."
في داخلها، فرح كانت تصرخ.
هذا ليس ضغط دراسة.
هذا ظلّ من الماضي عاد يلاحقها.
وفي الصباح التالي، وبينما كانت في قاعة التشريح…
فتحت ملف جثة جديدة، فوجدت ورقة صغيرة مطوية بداخلها.
سحبتها بخوف… وقرأت:
"كنت هناك يوم ماتت… وسأكون هنا يوم تعرفين الحقيقة."
اتسعت عيناها.
الجثة… لا علاقة لها بهذا!
من وضع الرسالة؟
من يتابعها لهذه الدرجة؟
لكنها لم تكن تعلم…
أن "يوسف" كان هناك، على بعد خطوات.
يراقبها…
كما اعتاد.
كما وعد نفسه من سنين.
"اقتربي أكثر، فرح… فالذكرى وحدها لا تكفي."