الفصل الأول _ عين لا تراها.
"أكره كلمة 'جثة'... لكنها أصبحت رفيقة أيامي. على طاولة التشريح، أقرأ القصص التي لم تُروَ. اسمي فرح، وقلبي ليس كما يبدو... عاشق أنا؟ ربما. لكن العشق حين يأتي في الظلّ، يتركك تمشي وحدك بين الأحياء والأموات."
"اسمي فرح الغامري، 24 عامًا. طالبة في السنة الأخيرة بكلية الطب، قسم التشريح."
هكذا أُعرف نفسي دومًا… لكن الحقيقة لا تُقال في سطر واحد.
منذ أن كنت في الثامنة، ماتت أمي أمام عيني. حادث سير غبي، وسائق مسرع، وأنا وحدي على الرصيف أبكي. بعدها بسنوات، اختطف السرطان والدي من حياتي، وترك في قلبي حفرة لا تمتلئ.
لم يكن لي إخوة… فقط الجدران والكتب والجثث الصامتة على طاولات التشريح.
اخترت دراسة الجسد بعد الموت، ربما لأفهم الحياة قبله. أو ربما لأنني ببساطة لا أرتاح إلا وسط الصمت… وسط الموتى.
كانت الرائحة أول من يستقبلها كل صباح…
مزيج غريب من الفورمالين والموت، لكنها اعتادت عليه كما يعتاد القلب على خيبةٍ دائمة.
جلست فرح خلف الطاولة المعدنية، ترتدي قفازاتها بهدوء جراحيّ بارد. أمامها جثة رجل مجهول الهوية، لا أحد جاء للمطالبة به… كأن الموت نزع عنه اسمه كما نزع الحياة من جسده.
نظرات زملائها كانت مزيجًا من التوتر والاشمئزاز، أما هي، فكانت تراقب أدق التفاصيل:
الشق في الجلد، الزرقة تحت الأظافر، علامات خفيفة حول المعصم…
– "سبب الوفاة مش زي ما بيقول التقرير، غريبه …"
همست لنفسها.
رفعت عينيها للحظة، شعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها، كأن هناك من يراقبها من الظلّ…
التفتت.
لا أحد.
لكنه كان هناك.
يقف خلف زجاج الغرفة، مختبئًا بين الظلال، يراقبها منذ أسابيع.
يحفظ نبرة صوتها حين تتحدث مع الجثث، يحفظ مواعيد دخولها وخروجها، وحتى طريقتها في شدّ رباط شعرها.
لا أحد يعرف بوجوده… حتى فرح نفسها.
لكنه يعرف كل شيء.
وسوف يتكلم قريبًا…
حين يحين الوقت.